• ١١ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢١ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

النفس من وجهة نظر القرآن الكريم

مرتضى مظهري

النفس من وجهة نظر القرآن الكريم

يتّخذ القرآن الكريم أسلوباً قد نتوهّم منه – إذا لم نكن متضلّعين – أنّ القرآن متناقض. فمثلاً عندما يتحدّث القرآن عن نفس الإنسان (أي ذات الإنسان) نجده محرّضاً إيّاه على مقاومة أهواء النفس والجهاد ضدّها:

(وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (النازعات/ 40-41).

(فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى) (النازعات/ 37-39).

(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) (الجاثية/ 23).

وينقل القرآن الكريم عن لسان يوسف الصدّيق أنّه ينظر إلى نفسه نظر المرتاب ويقول: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي) (يوسف/ 53).

فمع أنّ يوسف (ع) متّهم في هذه الواقعة وهو بريء تماماً وليس عليه وزر ولا ذنب ولكنّه مع ذلك يقول: وما أُبرّء نفسي، لأنّني أعلم أنّ نفس الإنسان تأمره بالسوء. إذن ما يسمّيه القرآن بـ"النفس" هو شيء لابدّ أن ينظر إليه المرء بنظر الريبة وبعنوان أنّه عدو، ولا ينبغي له أن يتركه يتسلّط عليه وإنّما لابدّ من إخضاعه والتحكّم فيه.

وفي مقابل هذه الآيات توجد آيات تكرّم "النفس" وترفع من قيمتها:

(وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ) (الحشر/ 19).

(قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) (الزّمر/ 15).

ولو كانت هذه النفس هي تلك النفس السابقة الذكر فحبذا لو نسيناها إلى الأبد. وتشير الآية الثانية إلى أنّ خسران المال هو خسران يسير وأمّا الخسران المهمّ فهو أن يخسر الإنسان نفسه ويفقد ذاته كما يقول الوجوديّون المعاصرون، فنفس الإنسان هي أكبر رأسمال لديه، فإذا فقدها الإنسان فكأنّه لا شيء لديه وإن كانت عنده أشياء كثيرة.

وبناءً على هذا فهناك طائفتان من الآيات: طائفة منها تحثّ الإنسان على أن لا ينسى نفسه ولا يفقد ذاته، وطائفة أخرى تحرّضه على مقاومة نفسه لأنّ النفس تأمر بالسوء.

 

"النفس" في السنّة والحديث:

كلّ من يتصفّح نهج البلاغة يجد أنّ الإمام أمير المؤمنين (ع) يهاجم في بعض عباراته النفس وأهواءها ويحثّ على قمعها وترويضها، وذلك في مجالات كثيرة منها قوله (ع): "إنّ المؤمن لا يمسي ولا يصبح إلّا ونفسه ظنون عنده".

فهو دائماً ينظر إليها بعين الشك، مثل من يُبتلى بجارٍ خائن لا يطمئنّ إليه فهو دائماً يراقبه خوفاً من قيامه بمغامرة معه. ونلاحظ شرحاً وتفصيلاً لهذا الموضوع في الأدب الإسلامي سواء أكان عربيّاً أم فارسيّاً.

ومن ناحية أخرى فنحن نصادف في نهج البلاغة عبارات تكرّم النفس وتجلّها بشكل غير عادي، منها قوله (ع):

"وأكرم نفسك عن كلّ دنيّة وإن ساقتك إلى الرغائب فإنّك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضاً، ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرّاً، وما خيرُ خيرً لا يُنال إلّا بشرٍّ ويسرٍ لا يُنال إلّا بعُسر".

ونظير هذا الشعر المنسوب إلى الإمام الصادق (ع):

أثامن بالنفس النفسية ربّها *** وليس لها في الخلق كلّهم ثمن

بها يشترى الجنات إن أنا بعتها *** بشيء سواها إنّ ذلك غبن

إذا ذهبت نفس بدنيا أصبتها *** فقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن

ويُسأل الإمام السجّاد (ع):

"من أعظم الناس خطراً؟".

فيجيب: "من لم ير الدنيا خطراً لنفسه".

ويقول الإمام أمير المؤمنين عليّ (ع): "من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهواته".

 

المصدر: كتاب سلوك وأخلاق الإسلام

ارسال التعليق

Top