• ١٠ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢٠ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

الوطن.. أخوةٌ وتسامح ورحمة

الشيخ يوسف السند

الوطن.. أخوةٌ وتسامح ورحمة
  الوطن مركب الجميع، تسيره الحكمة وحبّ التعايش مع الآخر، وتحكم الوطن الواحد محبةٌ متدفقة صادقة وفيض من أمل وعمل، وبالأخلاق الإنسانية الرفيعة يكون التوافق والتعاون والبناء والتناصح والبر والتناصر، حتى تبقى راية الوطن مرفوعة خفاقة تحكي تاريخاً شيّده الآباء والأجداد عبر السنين والأعوام، ولوحةً رائعة يرسمها الأبناء بألوانٍ مختلفةٍ زاهية جميلة.

تتعدد الآراء، وتختلف الأفكار، وتتفاوت الرؤى والأحلام والآمال، فتجتمع سوراً منيعاً وحصناً قوياً، يحفظ الوطن ويُبقي الحاضر ويقتبس من الماضي ويبني المستقبل.

إنّ القيم الإنسانية والتعاليم الإسلامية توجبُ على المسلم أن يلتزم خلق السلم والوسطية والتسامح والعدالة والمساواة والإخاء الإنساني العام والرحمة مع كلّ من يعيش معه ويشاركه العيش الشريف المشروع ولو كان من غير المسلمين!

بل إنّ الفقه الإسلامي ليقرر هذا التسامح حين يقرر أنّ غير المسلمين الذين يعيشون تحت حماية المسلمين يعامَلون بالعدل والحسنى وبالقيم الإنسانية المعروفة والمألوفة لدى البشر قاطبة، وأنّ أي شخص مُدانٍ بالتعدي على حقوقهم أو أذيتهم أو قتلهم ينبغي أن ينال عقابه وفقاً للقانون.

وللدين وسماحة معاملته لأهل الأديان الأخرى واضح للجميع، وللتسامح الذي كان يتبعه المسلمون في طريقهم وغزواتهم، وعدم اضطهادهم لأحد أو إجباره على ترك دينه.

إنّ التوجيهات الربانية عبر القرآن الكريم وإنّ السنن النبوية لتؤصل التسامح في قلب كلّ مسلم ومسلمة لبناء مجتمع الألفة والمحبة والأخوة والتسامح.

إنّ الأُمّة الإسلامية أُخرجت لتكون خير بأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران/ 110).

فهي تقدِّم نموذجاً حيّاً للمساهمة في نشر الخير والأمن في دنيا الناس وعالم البشر، وفي الأمن النفسي والاستقرار الروحي العقدي على مستوى الأفراد؛ (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام/ 82)، الأمن من المخاوف والعذاب والشقاء، والهداية إلى الصراط المستقيم، فإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بظلم مطلقاً، لا بشرك ولا معاصٍ؛ حصل لهم الأمن التام والهداية التامة.

وإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بالشرك وحده، ولكنهم يعملون السيئات؛ حصل لهم أصل الهداية وأصل الأمن، وإن لم يحصل لهم كمالها. ومفهوم الآية الكريمة؛ أنّ الذين لم يحصل لهم الأمران، لم يحصل لهم هداية ولا أمن، بل حظهم الضلال والشقاء. ومبعث الأمن في الأُمّة وأفرادها أنّها أمة رحمة عالمية؛ (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء/ 107). والفرد المسلم من الذين يتواصون بالمرحمة؛ (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ) (البلد/ 17-18).

وهكذا يُبنى الوطن على الأمن والتراحم؛ حتى يصبح الأمن ضرورة من ضرورات العيش لدى المسلم، ولدى كلّ إنسان مقيم بين المسلمين، والشريعة الإسلامية جاءت للمحافظة على الأمن الديني والبدني والمالي والأخلاقي والعقلي لكلّ إنسان يعيش على أرض الوطن.

أمّا إذا طورد الناس بسياط الخوف والرعب، وهوجموا بالإذلال والعنف؛ فإنّهم ساعتئذ أبعد ما يكونون عن التنمية والتطوير والرقي.. وصدق الله تعالى: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (قريش/ 3-4).

إنّ شعور الناس بالأمن والرحمة ليدفعهم إلى حب الوطن والتضحية في سبيل أمنه واستقراره، والعمل على تطويره وتنميته وتجميله ورقيه؛ لأنّ كلّ ذلك هو عائد عليهم وعلى أهليهم وذويهم ومن يعولونهم.  

 

ارسال التعليق

Top