• ١٨ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٠ | ٣٠ محرم ١٤٤٢ هـ
البلاغ

الولاء والبراء في الإسلام

محمّد كمال الماوردي*

الولاء والبراء في الإسلام

الإسلام منهاج حياة... دعا الناس كافة إلى الحياة القويمة وبناء المجتمع النظيف القائم على الإيمان والعدل والحب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) (الأنفال/ 24).

فمن استجاب لهذه الدعوة فقد استمسك بالعروة الوثقى، وفاز فوزاً عظيماً، واستحق وصف الله تبارك وتعالى فيه:

(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة/ 71-72).

وقد شبه الرسول (ص) هذا المجتمع في تعاون أبنائه وتعاطفهم بالجسد الواحد فقال: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". ودعاهم إلى التواد والتوحد؛ وعدم التفرُّق؛ لأنّ قوتهم تكمن في وحدتهم: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا...) (آل عمران/ 103).

وقد بنى الركيزة الأولى لهذا المجتمع على الإيمان، فإذا تحققت سِمَةُ الإيمان في أبنائه فإنّ باقي السمات تتحقق بالضرورة لأنّ "الإيمان هو ما وقر في القلب وصدَّقه العمل". فالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والطاعة لله وللرسول هي الترجمة الحقيقية لإيمان المؤمن.

والركيزة الثانية لهذا المجتمع هو "الولاء" والولاء في الإسلام ينبثق من الإيمان فهو ولاء إيماني ينأى عن المفاهيم المادية الملتصقة بالأرض والمنافع الآنية... هو أبديٌّ راسخٌ رسوخ العقيدة تنتفي فيه الفردية والأنانية؛ الجميع فيه يحبون في الله ويكرهون لله، رابطة القربى فيه رابطة إيمانية... ورابطة العشيرة فيه رابطةٌ إيمانية... ورابطة القومية فيه هي أيضاً رابطة إيمانية ترسخت جذورها واستمدت قوتها من الإيمان، لذلك كتب الله لهذا الرابطة الفلاح والنصر في هذه الحياة. وفي الآخرة... وإنّ من يتأمل قول الله تبارك وتعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (المجادلة/ 22). يجد أنّ رابطة الولاء الإيماني تتلاشى أمامها كلّ روابط القربى مهما كانت وشيجة، ومهما كانت عميقة الجذور، فلا مودة ولا ولاء بين الإيمان والكفر، وكيف يستقيم الولاء وتترسخ المودة بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر، وهذا الأخير يتربص بالأوّل المكر والشر ليزحزح أبناءه عن نعيم الإيمان ويدفع بهم إلى جحيم الكفر: (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ * لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (الممتحنة/ 2-3).

فأعداء الله هم أعداء المؤمنين لا ولاء ولا مودّة معهم ولو كانوا ذوي قربى. فالمؤمنون جميعاً مطالبون بأن يكونوا برآء من أيّة رابطة تربطهم بمعسكر الكافرين، وهذه البراءة هي نتيجة تطبيق وتطويق للولاء الإيماني للإسلام.

لقد تكرر هذا التطبيق عبر العصور، فرابطة القربى والمودة بين نوح (ع) وابنه قد قُطعت بأمر الله حين ضلَّ ابن نوح وآثر أن يكون في معسكر الكافرين (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (هود/ 45-46).

وكذلك رابطة القربى بين إبراهيم وأبيه (آزر) وقومه قد قُطعت هي الأخرى حين انحاز والد إبراهيم إلى معسكر الضلال من عبّاد الأصنام. وضرب في ذلك القدوة الحسنة والأسوة في البراءة من أبيه وقومه حتى يؤمنوا بالله وحده: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (الممتحنة/ 4).

بلى لقد تقطعت رابطة الابن بأبيه وإلى الأبد وتراجع الابن عن الاستغفار لأبيه لما تبيّن له أنّه عدو لله، ولم يكتف بذلك بل تبرأ منه كذلك:

(وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة/ 114).

ومثل آخر لهذه البراءة، امرأة فرعون "آسية" التي تبرأت من زوجها وقومها حين ربطت مصيرها بقافلة الإيمان متحملةً في سبيل ولائها الإيماني كلَّ صنوف العذاب من زوجها فرعون وزبانيته:

(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (التحريم/ 11).

تقطعت من قبل آصرة مماثلة بين نوحٍ وزوجه "وأهلة" التي والت معسكر المشركين بزعمها أنّ زوجها مجنون.

وكذلك بين لوطٍ وزوجه "وأهلة" بموالاتها ومودتها لقومه الغارقين في المعصية والفساد... فكان جزاؤهما النار: (وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) (التحريم/ 10).

 

* كاتب عربي

 المصدر: مجلة رسالة الجهاد/ العدد 95 لسنة 1991م

ارسال التعليق

Top