• ٣٠ أيار/مايو ٢٠٢٠ | ٧ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

تصرفان خاطئان.. القساوة المطلقة والتساهل المطلق

تصرفان خاطئان.. القساوة المطلقة والتساهل المطلق

يحب الأطفال الرد بـ"لا" إلا أنهم يكرهون سماعها من الآخرين. وفي سعيهم إلى الحصول على استقلالهم، يعتبرون أنّ الرد بـ"لا" من قِبَل الأهل، يشكل تهديداً لهذا المسعى، إذ يعتبر الطفل أنّ القبول بـ"لا" من الأهل يعني الاعتراف بسلطتهم، فيحاول وضعها على المحك.

قد لا تكون كلمة "لا" هي أوّل كلمة ينطق بها معظم الأطفال. إلا أنّها سريعاً ما تصبح أفضل كلمة عند معظمهم. ويعود السبب في ذلك، على الأقل في البداية، إلى ضعف في وظائف أعضاء الطفل. إذ إن قول "لا" أسهل عليه من قول "نعم"، وهز رأسه من جهة إلى أخرى أسهل عليه من تحريكه إلى الأعلى ثمّ إلى الأسفل، وقد يكون للأمر علاقة بحقيقة أنّ الطفل يسمع كلمة "لا" أكثر من سماعه كلمة "نعم".

ومع مرور الوقت، يتحول موقف الطفل الرافض من كونه مسألة فسيولوجية إلى مسألة نفسية. ومع أنّه يصبح في مقدور الطفل قول "نعم"، إلا أنّه يفضل قول "لا"، ليس من باب المشاكسة أو المعاندة، ولكن لأن تلك الكلمة الرائعة التي تدل على الرفض تسمح للطفل بالتعبير عن هويته التي اكتشفها حديثاً. فبدلاً من أن يكون مجر امتداد للأُم، كما  كان في أيام الطفولة، يَعتبر أنّه أصبح الآن شخصاً مستقلاً يتمتع بحرية التصرف. وبترديد كلمة "لا" مراراً وتكراراً، يعمل الطفل على تأكيد استقلاليته الناشئة، وعلى اختبار سلطة أُمّه وحكمه على ذاته، فتصبح كلمة "لا" هي الإعلان عن استقلاله والتصريح عن تحرره. سيقول الطفل "لا" لمطالب الأُم، و"لا" لأوامرها، و"لا" للحدود التي تضعها، و"لا" لأي عرض تقدمه له، حتى لو كان أحياناً راغباً فيه. ولن تكون الأُم الهدف الوحيد لمواقف الطفل السلبية، بل سيشمل رفاقه في اللعب، ومربيته أو معلمته، وإخوانه وأخواته أيضاً. وفي محاولة منه للمحافظة على حقوقه كإنسان مستقل، يصبح فجأة ميالاً إلى التمسك بكل ما يملك. ويواجه كلّ من يهدده بأخذ غرض من أغراضه بحزم وبرفض شديدين.

إنّ تصرف الطفل السلبي لا يعني رفضه شخص الأُم أو ذاته. فكل الأطفال يمرون بمرحلة الرفض هذه، خاصة في بداية السنة الثانية من أعمارهم، وربما قبل ذلك. تكون هذه المرحلة قصيرة وباهته عند بعض الأطفال، وطويلة وفظة عند أطفال آخرين. في كلتا الحالتين، لا يستطيع الطفل السيطرة على رغباته ودوافعه لمقاومة سلطة الأُم، تماماً مثل عدم قدرته على السيطرة على نموه. إنّ اختبار الطفل سلطة الأُم أمر طبيعي وظاهرة صحية، وهو شكل من أشكال التعبير عن الذات، وجزء أساسي في بناء حس "الأنا" عند الطفل، وخطوة مهمة على طريق تكوين شخصيته.

إنّ معرفة الأُم بأن تصرف الطفل السلبي ظاهرة طبيعية وصحية، لا تجعل بالضرورة التعايش معه أمراً سهلاً. فالطفل الذي يختبر سلطة الأهل باستمرار، يستطيع أن يجرب صبرهم على نحو مؤلم، خاصة عندما يكون صغيراً جدّاً على الفهم والإقناع بالمنطق. من حسن الحظ، السلبية مرحلة تنتهي بمرور الوقت، وفي أسوأ الأحوال لا تتعدى الخمسة أو الستة شهور. ففي بداية السنة الثالثة، يبدأ معظم الأطفال في التفكير والتصرف بشكل إيجابي، ويصبحون متعاونين أكثر من السابق، مع أنّ القليل منهم يمكنه أن يستمر في لعب دور المتمرد، وهذا يعتمد على شخصية الطفل. وعند انتهاء هذه المرحلة، يتنفس الأهل الصعداء، على الأقل لحين بلوغ الطفل سن المراهقة، حيث يعود إلى التمرد مرة أخرى. وإلى حين انتهاء مرحلة التمرد هذه، فإن مراعاة الأهل المبادئ الأساسية ستؤدي إلى جعل مرحلة الرفض السلبي أقل سلبية.

·      معرفة متى يمكن قول "لا"، ومتى لا يمكن: كثيراً ما يردد الأهل كلمة "لا" أثناء رعاية الطفل والاهتمام به، خاصة عندما يتعلق الأمر يصحته وأمنه وسلامته. إلا أن ترديد هذه الكلمة بكثرة على مسامع الطفل يمكن أن يثير غضبه. وحتى تكون "لا" فعالة أكثر، يجب استعمالها عند الضرورة فقط. ولكي لا يضطر الأهل إلى قول "لا" بكثرة للطفل، عليهم إزالة كلّ ما يمكن أن يثير فضوله وحبه للاستطلاع، إذ يجب جعل المنزل مكاناً آمناً للطفل، وجعل الطفل آمناً في المنزل. لذا، يجب وضع مزلاج على باب الحمام، ووضع الأشياء الثمينة القابلة للكسر بعيداً عن متناول الطفل، ورفع الأجهزة الكهربائية مثل: الراديو، جهاز التسجيل، جهاز الـ"سي دي".. إلخ. فوق رفٍّ عالٍ. عندها، لن يضطر الأهل إلى قول "لا" لطفلهم بكثرة.

·      الاختصار من ترديد كلمة "لا": يتعلم الأطفال من القدوة أكثر بكثير من التعليمات والتحذيرات. ولو انتبه الأهل الذين لا يسمعون إلا كلمة "لا" من أطفالهم إلى كلامهم هم، سيجدون أنهم يرددون كلمة "لا" أكثر بكثير من كلمة "نعم". إنّ سلبية الأهل هذه تنعكس على الطفل، وتجنح به إلى السلبية والرفض دائماً. لذا، على الأهل أن يفكروا جيداً قبل قول "لا".

·      العمل على مساعدة الطفل على أن يقلل من ترديد كلمة "لا": إذا كنتِ لا ترغبين في سماع الجواب "لا،" عليك صياغة سؤالك بحذر. مثلاً، بدلاً من سؤال طفلك: "هل تريد ارتداء قميصك؟"، أو حتى القول له: "تعال البس قميصك"، يمكنك تقديم خيارين له، مثل: "هل تريد ارتداء قميصك الأبيض أم قميصك الأزرق؟". في هذه الحالة، حتى الطفل الذي لا يستطيع الكلام، يمكن أن يشير إلى اللون الذي اختاره. وبدلاً من القول له: "هل انتهيت من تناول طعامك؟ اذهب واغسل يديك"، يمكنك سؤاله: "هل تريد غسل يديك في مغسلة المطبخ أم مغسلة الحمام؟ هل تريد غسلهما بالصابون السائل أم بالصابون العادي؟". إن منح الطفل الفرصة ليختار ما يشاء، كلما كان ذلك ممكناً، يساعد على جعله يشعر بأنّه يملك حرية القرار وبعض السلطة على حياته، وبذلك يقلل من حاجته إلى التمرد.

·      يجب عدم منح الطفل الفرصة ليختار بنفسه، عندما لا تستدعي الضرورة ذلك: من الضروري أن يوضح الأهل الأمر للطفل، عندما يكون هذا الأمر غير قابل للنقاش. فسؤاله مثلاً: "هل تريد الذهاب إلى المنزل؟" عندما لا يكون أمامه خيار آخر إلّا الذهاب إليه في تلك اللحظة، يبدو كما لو أنّ الأهل يدفعون به إلى العصيان. الأفضل القول له: "حان وقت الذهاب إلى المنزل".

·      عدم الضحك كلما قال الطفل "لا": من المهم أن يتمتع الأهل بحس الدعابة حيال سلبية الطفل، كما أنّه من المهم أيضاً ألا يضحكوا عليها. فبقدر ما يبدو الأمر مضحكاً لهم أحياناً، فالطفل لا يرى في سلبيته أمراً مضحكاً. إنها، في الحقيقة، أمر جاد ويستحق أن تأخذه الأُم على محمل الجد وتحترمه.

·      عدم التسلط: عندما يتلقى أي شخص الأوامر باستمرار، يمكن أن يفكر في التمرد. فبدلاً من إصدار الأوامر للطفل بالقول: "اجلس مكانك في السيارة"، يمكن للأُم القول له: "حان الوقت للجلوس في مكانك في السيارة". إن تظاهر الأُم "بالغباء" وترك الطفل يرد عليها، يعطي في الغالب ثماره. لذا، على الأُم أن تتحدى طفلها بسؤاله مثلاً: "أين مقعدك في السيارة؟"، فإذا أشار الطفل إلى مقعده يمكنها القول: "عظيم، هذا هو مقعدك". ثمّ تسأله بعد ذلك: "هل يمكنك الصعود إلى السيارة والجلوس في مكانك؟". وعند جلوسه في مكانه يمكنها مدحه والتصفيق له قائلة: "يا لك من طفل عظيم".

·      تمالُك الأعصاب: إذا غضبت الأُم من ثورة طفلها، ستزداد الأمور سوءاً. وبما أنّها هي الأكبر سناً ووعياً، عليها ألا تدفع بالأمور إلى درجة الانفجار. عليها ألا تعاقب طفلها على مواقفه السلبية. أيضاً عليها أن تحترم حق طفلها في قول: "لا". وعندما تسمح الظروف، عليها أن توضح له أن عليه أحياناً تنفيذ ما تطلبه منه، حتى لو لم يكن راغباً في ذلك.

·      تأكيد المواقف الإيجابية: إذا عززت الأُم تصرفات طفلها الإيجابية بكلمات المدح، سيتحسن أداؤه أكثر بكثير مما لو عاقبته على تصرفاته السلبية.

·      التنازل أمام رفض الطفل أحياناً: من غير المقبول القول "لا" للطفل عند ربطه بحزام الأمان في مقعده في السيارة مثلاً، أو عندما يكون مفروضاً عليه شرب دوائه، أو عندما يتوجب عليه الذهاب إلى النوم. ولكن، هناك مناسبات حيث المخاطر بسيطة، عندها يمكنك تقبل "لا" من طفلك بالقول له: "حسناً"، أو: "لا بأس". لنفرض مثلاً أنك كنتِ تريدين التوقف عند المصبغة، وأنت في طريقك إلى المنزل بعد الانتهاء من شراء حاجاتك، إلا أن طفلك صرخ قائلاً: "لا.. أريد الذهاب إلى المنزل". فإذا كان في الإمكان تأجيل الأمر، يمكنك القول لطفلك: "حسناً، أعرف أنك متعَب، وأنا متعبة أيضاً. سنذهب إلى المنزل الآن". إنّ السماح لطفلك بأن يفوز أحياناً سيجعل خسارته في مرات أخرى أقل إيلاماً. ولكن عليك الاستسلام قبل أن تتحول "لا" إلى ثورة عارمة. فالاستسلام لثورة الطفل يُعتبر خطأ  كبيراً دائماً.

·      عند قول "لا" يجب أن يعني الأهل ذلك: إذا قالت الأُم لطفلها مثلاً: "لا تأكل من هذا الطبق"، ثمّ تركته وغادرت المكان غير مبالية، قد لا يبالي عندما تقول "لا" في المرة المقبلة. فإذا قالت له "لا"، عليها أن تتبع القول بالفعل. فإما أن تبعد الطبق من أمام الطفل، أو تبعد الطفل من أمام الطبق. إذا أراد الأهل أن يأخذ طفلهم قول "لا" على محمل الجد، يجب أن يكونوا جادين عند قول "لا".

·      قول "لا" بهدوء: لا تؤدي المحاججة أو الغضب إلا إلى جعل الطفل يشعر بأنّه هو صاحب السلطة. إنّ قول الأهل "لا" بحزم يضفي على سلطتهم مصداقية أكثر.

·      التزام الإيجابية: يمكن أن يحقق الأهل نتائج إيجابية عندما يكونون إيجابيين أكثر مما لو كانوا سلبيين. مثلاً، يمكن أن يتجاوب الطفل مع قول: "امش على جانب الطريق"، أكثر من القول: "لا تمشِ وسط الشارع"، أو القول: "استعمل قلم التلوين للرسم على الورقة" أفضل من القول "لا ترسم على الطاولة أو الحائط".

ارسال التعليق

Top