• ٣ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ١٢ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

تعديل الانطباع الأول السلبي

نعيمة عبدالأمير

تعديل الانطباع الأول السلبي

قال الإمام عليّ (ع): "إنّكم مؤاخذون بأقوالكم فلا تقولوا إلا خيراً".

يشير الإمام عليّ إلى أن ما يتفوَّه بهِ الإنسان، خيراً أو شرّاً يُحسب ويؤخذ عليه، وهنا لابدّ أن يعيَ الإنسان ويدركَ كلّ ما يقوله، فلا يقول إلا خيراً، وفي حال صدرت منا كلمات غير لائقة تجاه شخص ما فإن ذلك الشخص سيؤاخذ علينا ما صدر منا، وسنترك لديه انطباعاً سلبيّاً عنا حتى وإن لم نكن كذلك، لذا فلنحرص أن لا يكون قولنا إلا خيراً على جميع المستويات، الأسرة بالدرجة الأولى، والأصدقاء بالدرجة الثانية، والمجتمع بالدرجة الثالثة.

قبل أن نتعرف طرق التغلب على الانطباع السلبي الأوّل سنستعرض الأسباب المؤدية إلى ترك انطباع سلبي لدى الآخرين، وهي:

1-    الحالة المزاجية السيئة.

2-    عدم التوافق والانسجام.

3-    الاستحواذ على الجلسة والانفراد بالحديث أو المقاطعة.

4-    لغة الجسد كالنظرات الحادة.

5-    عدم القبول والرضا عن الذات.

 

أساليب التغلب على الانطباع الأوّل السلبي:

1-    التأمل في الموقف:

عندما يحدث بينك وبين شخص ما موقف، وترك ذلك الموقف انطباعاً سلبيّاً في نفس الآخر عليك، فحاول بسرعة تعديل ذلك الانطباع، وتأمل في الموقف ما الذي حصل بيني وبين فلان، ولماذا حدث ذلك؟، وبسرعة وبفراسة تدارك الموقف قبل انتهاء اللقاء أو بعد اللقاء.

2-    الاعتذار:

تدارك الموقف يكون بالاعتذار المباشر، والاعتراف بسوء الانطباع الأوّل الذي تركته، حاول كذلك لفته لوضعك، لربما كنت مرهقاً مثلاً، فقل له: عذراً حبيبي، تحمَّلني قليلاً فأنا مجهد في هذه الفترة، فالاعتذار وإيضاح الوضع الحالي يُهدِّئ الموقف كثيراً أو يلغي الانطباع السلبي.

3-    حديث النفس الإيجابي:

الذي يهدف إلى التخلص من المشاعر التي خلَّفها الانطباع السلبي، فليحدِّث نفسه قائلاً: ليس جميع الناس يسعدون ويرتبطون مع جميع الناس، أو لربما شخصيتي لم تتوافق مع شخصيته، بحيث تخرج نفسك من الحالة النفسية السيئة، فالموقف حصل وانتهى، فإن استطعت تداركه في الوقت نفسه أصلحه، وإن لم تستطع فلا تعش في حالة معاناة وتأزُّم، فاستبدل بذلك حديث النفس الإيجابي الذي تصل من خلاله إلى التخفيف على نفسك من وطأة الموقف بدلاً من الانشغال والتركيز على المشاعر السلبية من اللوم والعتاب المبالغ فيه، ثمّ واجه الموقف بالاعتراف بسوء الانطباع الأوّل كنوع من العتاب الخفيف للنفس فتخاطب ذاتك قائلاً: لم يكن لطيفاً أن يصدر منك ذلك الموقف اليوم مع شخصية تلتقيها لأوّل مرّة، انتبه لسلوكياتك وألفاظك وعباراتك، وبالتالي واجه الموقف بكل شجاعة، وتحمَّل نتيجة تصرفاتك وأخطائك ووجِّه لذاتك هذه العبارات: (أنا أتحمل نتيجة أخطائي وسلوكياتي، وإن شاء الله في المرة القادمة أحاول أن أكون أكثر انتباهاً حتى لا أكرر ذلك مرة أخرى).

4-    التواصل مع الشخصية:

عندما تدرك أنك تركت انطباعاً سلبيّاً لدى شخصية ما ولم تستطع تعديل الانطباع في الوقت ذاته، اِسْعَ إلى الوصول لتلك الشخصية بالحصول على رقم هاتفه من أحد المقربين لها، ثمّ وضح له الموقف، حيث كنت متعباً ومجهداً نفسيّاً في ذلك الوقت، واذكر له ذلك، وأوصل له انزعاجك وخجلك بقولك: في الحقيقة، كنت سعيداً بالجلوس معك إلا أنني كنت متعباً في ذلك اليوم، فاعذرني لما صدر مني، فإذا قمت بذلك حتماً سيحمل لك هذا الحسّ، وسيشعر بأهمية وقيمة مكالمتك هذه، وقد تكون هذه المكالمة باكورة لبناء أقوى علاقة في قائمتك الاجتماعية.

التأمل في موقف الاعتذار، وحديث النفس الإيجابي الذي يرمي إلى استعادة التوازن النفسي للشخصية من خلال عتاب النفس والاعتراف بالخطأ وتحمُّل المسؤولية تجاه الأخطاء الصادرة عن الشخص والتواصل مع الشخصية، جميع المهارات السابقة تؤدي إلى إعادة صياغة وتعديل الانطباع السلبي الأوّل.

هناك  نوع من الاستجابة التي ما أجادها الإنسان استطاع أن يعطي الآخرين منحة اجتماعية وجدانية، وأن يشبع احتياجاتهم بصورة أفضل، وفن الاستجابة البارعة مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإجادة مهارات لغة الجسد، وهي: التحية، ونظرة العين الجانبية، والابتسامة، والانحناء، والسلام الدافئ، هذه الاستجابة الراقية تخبر الآخر بالقبول وتشعره بأنّ لديك استعداداً وقابلية للتواصل والتلاقي معه بهذه الوجدانيات، وبذلك تمنحه منحة اجتماعية وجدانية، وتشبع حاجاته كالشعور بالقبول، فأنت أوصلت له حسّاً راقياً بأنّه شخص مرغوب فيه وأنك سعيد بلقائه، وبالتالي ينتعش ويشعر بالراحة والأمان والاستقرار، وفي الوقت ذاته عندما يستجيب لك بنفس الكيفية، وأنت أيضاً ستحصل على تلك المنحة من قِبله، وتشعر بأنك شخصية محبوبة ومقبولة وقادرة على التواصل، فتبني لديك ثقة بذاتك وتنمو مهاراتك الاجتماعية، كالقدرة على التواصل مع أيِّ شخص تلتقيه لأوّل مرّة.

وفي الختام أجب عن كلّ سؤال يوجه إليك بهدوء ومشاعر حانية ليصلهم منك الحس الجميل في التعامل، وكن متوازناً في ذلك، أي لا تبالغ في مشاعرك ونبرة صوتك، ولا تتعامل بغلظة وجفاف ونبرة حادة عند الإجابة عن السؤال، وأجب باختصار على قدر السؤال حتى تحظى بالقبول عند الآخر، ولا يشعر بالملل أو المبالغة، وكن صادقاً بحيث يشعر بالاطمئنان معك.

كذلك، لنمنح الآخرين الفرصة لينهوا كلامهم وأفكارهم قبل أن نقاطعهم بأيّة أفكار أو حكايات وردت على أذهاننا، فأحياناً يكون الكلام عن الذات أمراً طبيعيّاً، ولكن يجب أن نكون حذرين؛ لأنّ التمادي بالحديث عن أنفسنا يجعل الآخرين يبحثون عن الانفكاك منا وإنهاء الحديث، أو نعطي انطباعاً للآخرين بأننا نتصف بالنرجسية الحوارية، لذلك عندما ننتبه بأنّ الآخرين بدأوا يشعرون بالملل منا أو محاولة إنهاء الحديث معنا، نسارع بتغيير الموضوع ونترك التحدث عن الذات ونتحدث عن الآخر.

يحكى أن امرأة ظلت تتحدث معظم الوقت عن نفسها، ثمّ انتبهت فقالت: لقد تحدثت عن نفسي كثيراً، جاء دورك الآن، فوجَّهت لصديقتها هذا السؤال: ما هو رأيكِ بشخصيتي؟.

تعلَّم مهارات تأجيل الحكم على الآخرين، مع العلم أنّه أمر غير سهل ولكنه ممكن، وتحدَّى نفسك ومشاعرك الفورية حتى لا تغلق الباب أمام الشخص؛ لأنّه يوفر لك فرصاً أكبر، ويثمر بتجارب اجتماعية مثيرة وممتعة، أي جاهد نفسك ومشاعرك السلبية تجاه الآخر حتى تتمكن من معرفة الشخص والقرب منه واكتشافه بدلاً من إغلاق باب التواصل والنفور منه منذ أوّل لقاء، فلقد أثبتت الدراسات الاجتماعية أن أعمق العلاقات الاجتماعية تكون بين أشخاص كانوا متنافرين في البداية، فانتبه ولا تغلق الباب أمام أيِّ شخصية لا تشعر تجاهه بالارتياح والقبول لموقف صدر منه، وضع له الأعذار، كما قال الإمام عليّ (ع): "احمل أخاك المؤمن على سبعين محملاً من الخير"، واعلم أنّك عندما تعطي شخصاً ما فرصة ثانية فإنك تترك انطباعاً إيجابيّاً عنك، وتأكد أنك في كل مرة تقابل أشخاصاً جدداً تؤثر فيهم وتتأثر بهم في المقابل، وأنت تملك القدرة على أن تجعل هذا التأثير إيجابيّاً أو سلبيّاً أو مغيراً للحياة، إذاً أنت من يتخذ هذا القرار، وإن أسلوبك الشخصي هو ما يصنع المناخ، بإمكانك أن تجعل الحياة بائسة أو مبهجة، أو تكون أداة تعذيب أو تشجيع وإلهام، أو تكون ترياقاً لجراح الآخرين أو مصدر همهم، وإن استجابتك في كل المواقف هي التي تقرِّر ما إذا كانت الأزمات تتفاقم أو تخف حدَّتها، أو تتعامل بصورة إنسانية أو غير إنسانية.

وفي نهاية المطاف، أنت من يتخذ قرار التغيير، وتفعيل هذه المهارات المكتسبة، وتطبيقها على النفس بالدرجة الأولى بدلاً من توجيه وتطبيق ذلك على الآخرين، فتغيرك إلى الأفضل يتغير جميع من هم حولك، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرَّعد/ 11)، حيث يحكى أن أحد الأشخاص أراد أن يغير العالم في خمس سنوات فلم يستطع، ثمّ قرَّر أن يغير مدينته في خمس سنوات فلم يستطع، وبعد ذلك عزم على تغيير أسرته فلم يستطع، وأخيراً، قرَّر أن يغير من نفسه فوجد العالم من حوله قد تغير، حينها أدرك أنّ الإنسان عندما يسعى إلى تغيير ذاته يتغير كل شيء في حياته ويصل إلى حياة إيجابية.

 

المصدر: كتاب تعلم فنون التواصل وإدارة الضغوط

ارسال التعليق

Top