• ٤ حزيران/يونيو ٢٠٢٠ | ١٢ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

تهذيب اللسان...

مركز نون للتأليف والترجمة

تهذيب اللسان...
مقامات النفس الإنسانية:

إنّ للنفس الإنسانية في جهاد النفس مقامين، مقام الظاهر ومقام الباطن، والجهاد في كلا المقامين مختلف عن الآخر، ولتوضيح ذلك لابدّ من أن نتعرّف – ولو إجمالاً – على معنى هذين المقامين وما يتميّزان به من بعضهما البعض.

المقام الأوّل "الباطن":

وهو المقام الذي ينبغي التنبّه له جيّداً واعلم أنّ للنفس الإنسانية مملكة ومقاماً آخر، وهي مملكتها الباطنية ونشأتها الملكوتيّة.

إنّ ظاهر الإنسان يمكن إصلاحه بالتوبة والندم عن سوء العمل، إلّا أنّ الباطن وسوء السريرة قد يصلان بالإنسان إلى مرحلة تجعله غير قابل لنزول الرحمة الإلهيّة عليه من قبيل الشفاعة أو الصفح الإلهيّ، فيصبح مصداق الآية الشريفة: (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة/ 81).

فرحمة الله تعالى كالشمس المشرقة على العالم، فبإمكان كلّ مَن أراد أن يستقبل نورها بقدر ما يزيل من المعوّقات من أمامها. ورحمة الله تعالى كذلك مشرقة على كلّ المخلوقات إلّا أنّ كلّ فرد بإمكانه الاستفادة منها بحسبه وبقدر ما يرفع من المواضع، أي الحجب النفسية التي تخلّفها المعاصي وحبُّ الدنيا وحبُّ الأنا.

والمقام الثاني "الظاهر":

واعلم أنّ مقام النفس الأوّل ومنزلها الأدنى والأسفل، هو منزل الملك والظاهر وعالمهما، فتكون ساحة معركة النفس وجهادها نفس هذا الجسد، وجنودها هي قواه الظاهرية السبع وهي: "الأذن والعين واللسان والبطن والفرج واليد والرجل". وتكون جميع هذه القوى تحت تصرّف النفس في مقام الوهم، فإذا تحكّم الوهم بتلك القوى، سواء بذاته مستقلاً أو بتدخّل الشيطان، جعلها – أي تلك القوى – جنوداً للشيطان، وبذلك يجعل هذه المملكة تحت سلطان الشيطان، وتنهزم عندها جنود الرحمن والعقل، وتتوارى وتخرج من نشأة الملك (أي المادّة) وعالم الإنسان وتهاجر عنه، وتصبح هذه المملكة خاصّة بالشيطان.

وأمّا إذا خضع الوهم لحكم العقل والشرع. وكانت حركاته وسكناته مقيّدة بنظام العقل والشرع، فقد أصبحت هذه المملكة مملكة روحانيّة وعقلانية، ولم يجد الشيطان وجنوده محطّ قدمٍ لهم فيها.

إذاً، يكون جهاد النفس في هذا المقام عبارة عن انتصار الإنسان على قواه الظاهرية، وجعلها مؤتمرة بأمر الخالق، وعن تطهير المملكة من دنس وجود قوى الشيطان وجنوده.

وبناءً على هذا، فعلى المؤمن السالك إلى الله تعالى، في هذا المقام أي مقام الظاهر، أن يلتفت بكلّ ما أوتي من حكمة ودراية للأحكام الإلهيّة التي تتعلّق بقواه التي أودعها الله تعالى فيه، وهذا ما يسمّى بأدب الجوارح.

 

أدب الجوارح:

إنّ وظيفة المرء في هذا المقام تكون بحمل الظاهر على التأدّب بأدب الشريعة من التنزيه لهذه الجوارح عمّا يخالف الأوامر الإلهيّة، وتحليتها بالخصال الحسنة والمحمودة.

اللسان طريقٌ إلى الله:

إنّ اللسان، وهو القطعة اللحمية الصغيرة الحجم، سبب رئيس في دخول جلّ أهل النار إليها وكذا جلّ أهل الجنّة إليها؛ لأنّ اللسان وإن كان صغير الحجم إلّا أنّه كما قال بعض الحكماء "صغير الحجم كبير الجرم"، وعن الإمام الباقر (ع): "إنّ هذا اللسان مفتاح كلّ خير وشرّ، فينبغي للمؤمن أن يختم على لسانه كما يختم على ذهبه وفضّته".

إنّ اللسان من النعم العظيمة التي منَّ الله بها على الإنسان، قال عزّ وجلّ: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ) (البلد/ 8-9)، وفي الحديث عن الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (ع) إنّه سُئل عن الكلام والسكوت أيّهما أفضل؟ فقال: "لكلّ وحد منهما آفات فإذا سلما من الآفات فالكلام أفضل من السكوت، قيل: وكيف ذاك يا بن رسول الله؟

فقال: لأنّ الله عزّ وجلّ ما بعث الأنبياء والأوصياء بالسكوت، إنّما بعضهم بالكلام، ولا استُحقّت الجنّة بالسكوت، ولا استُوجبت ولاية الله بالسكوت، ولا وُقيت النار بالسكوت، ولا تُجُنّب سخطُ الله بالسكوت، إنّما ذلك كلّه بالكلام، ما كنت لأعدل القمر بالشمس، إنّك لتصف فضل السكوت بالكلام، ولست تصف فضل الكلام بالسكوت".

ومن وصيّة الإمام عليّ (ع) لابنه محمّد بن الحنفيّة:

"وما خلق الله عزّ وجلّ شيئاً أحسن من الكلام ولا أقبح منه، بالكلام ابيضّت الوجوه، وبالكلام اسودّت الوجوه، واعلم أنّ الكلام في وثاقك ما لم تتكلّم به فإذا تكلّمت به صرت في وثاقه، فاخزن لسانك كما تخزن ذهبك وورقك، فإنّ اللسان كلب عقور فإن أنت خلّيته عقر، وربّ كلمة سلبت نعمة...".

 

خطر اللسان في الروايات:

وفي المقابل حذّرت الكثير من الروايات من الخطر الكبير الذي يسبّبه اللسان لصاحبه إذا لم يجعله مطواعاً لعقله، ففي الرواية عن الإمام عليّ (ع): "زلّة اللسان أشدّ هلاك" وفي رواية أخرى عن الرسول الأكرم (ص): "إنّ أكثر خطايا ابن آدم في لسانه"، ولذا نرى الكثير من الروايات التي تحبّذ الصمت حين لا يكون هناك أيّ داع للكلام، فكما أنّ الكلام في مورده جميل ومطلوب فإنّ الصمت في مرده جميل ومطلوب أيضاً، بل دعت إليه الروايات الكثيرة منها:

ما ورد عن الرسول الأكرم (ص): "أمسك لسانك، فإنّها صدقة تصدّق بها على نفسك".

وعن الإمام عليّ (ع): "احبس لسانك قبل أن يُطيلَ حبسك ويردي نفسك، فلا شيء أولى بطول سجن من لسان يعدل عن الصواب ويتسرّع إلى الجواب".

وفي رواية أخرى عن الرسول الأكرم (ص): "لا يعرف عبد حقيقة الإيمان حتى يخزن من لسانه".

 

الميزان في التحكّم باللسان:

بعد أن عرفنا مخاطر اللسان ومنافعه، لابدّ من أن نبحث عن الضابطة التي تحدّد لنا كيفية التحكّم بهذا اللسان، وليس لنا في ذلك إلّا أن نرجع إلى أئمّة الهدى ومصابيح الدجى الذين أناروا لنا الدروب المظلمة، ودلّونا على الحيل التي ينتهجها الشيطان بغية إزالتنا عن الصراط المستقيم، وقد أشار أهل البيت (عليهم السلام) في هذا المضمار إلى أمرين أساسين:

1- أن يأتمر اللسان بأوامر العقل الذي جعله الله تعالى نبيّاً باطنيّاً في الإنسان، فحينما يحكّم الإنسان العقل في هذه الجارحة يكفّ بذاك أذاها ويمنعها من رداها، فعن الإمام عليّ (ع): "اللسان معيار أرجحه العقل وأطاشه الجهل".

2- أن يتأدّب اللسان بما أمر الله تعالى به الإنسان من الأوامر، وينتهي عمّا نهاه الله تعالى من المحرّمات، ولا أفضل من قول الإمام السجاد (ع) في رسالة الحقوق: "حقُّ اللسان إكرامه عن الخنا، وتعويده الخير، وترك الفضول التي لا فائدة لها، والبرّ بالناس، وحسن القول فيهم". فهذه مفاهيمُ أساس سلَّط الإمام السجّاد (ع) عليها الضوء مريداً منها أن يرشدنا إلى حقّ اللسان بأن نؤدّبه بما أمرنا به الله تعالى.

 

الغِيبة:

الغِيبة هي ذكر عيوب الإنسان في غَيبته لانتقاص منه. وقد ورد عن رسول الله (ص) في خطبة حجّة الوداع: "أيها الناس إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، إنّ الله حرّم الغِيبة كما حرّم المال والدم".

إنّ تأكيد الرسول الأكرم (ص) على حرمة الغِيبة في حجّة الوداع التي تضمّنت أهمّ التعاليم الأخلاقية، يدلّل بشكل كبير على مدى خطورتها على الأخلاق الإنسانية، ولو تأمّلنا ما جاء من الأحاديث الشريفة التي تتحدّث عنها لعلمنا مدى خطر هذه السيّئة الكبيرة، ومن هذه الروايات ما ورد عن أمير المؤمنين (ع): "الغِيبة آية المنافق"، وعنه (ع) أيضاً: "الغِيبة شرّ الإفك"، وعنه (ع) أيضاً: "من أقبح اللؤم غِيبة الأخيار".

وتكون الغِيبة أخطر حينما تحمل فتنة بين المؤمنين، وكما في الرواية الواردة عن الإمام الصادق (ع): قال رجل لعليّ بن الحسين (ع): إنّ فلانا ينسبك إلى أنّك ضالّ مبتدع، فقال له (ع): "ما رعيت حقّ مجالسة الرجل حيث نقلت إلينا حديثه، ولا أدّيت حقّي حيث أبلغتني عن أخي ما لست أعلمه!... إيّاك والغِيبة فإنّها إدام كلاب النار، واعلم أنّ من أكثر من ذكر عيوب الناس شهد عليه الإكثار أنّه إنّما يطلبها بقدر ما فيه".

 المصدر: كتاب في رحاب الأخلاق/ سلسلة المعارف الإسلامية

ارسال التعليق

Top