• ١٤ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ٢٣ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

«حُب التظاهر» موضة العصر أم مرض نفسي؟

«حُب التظاهر» موضة العصر أم مرض نفسي؟

المصابون به ضحايا أنفسهم والمجتمع

ماركات عالمية، حياة باذخة، سيارات فخمة، مقتنيات ثمينة.. باختصار، المسألة هنا تتعلق بمظهر مُترف وإطلالة تعطي بلا شك انطباعاً بثراء صاحبها. ولكن ماذا إذا كانت المسألة مجرد تظاهر وادعاء؟

أثرياء فقراء. إنّهم أثرياء في المظهر فقراء في الحقيقة، وفوق ذلك هم ضحايا مرض إجتماعي بات يُعرف بداء حب الظهور، الذي وجد طريقه نحو مختلف الطبقات الاجتماعية، خصوصاً في الدول ذات المستوى المعيشي المرتفع، حيث تُصبح الحدود التي تسمح بها القدرات المادية هي آخر ما يفكر فيه ذلك الشخص، في ظل وجود دوافع أخرى تفوقها أهمية، مثل جذب إهتمام الآخرين، أو الحصول على معاملة خاصة. وتتعدد الدوافع، لكن الأمر يبدأ دائماً بأن يُكلف ذلك الشخص نفسه فوق طاقتها، وينتهي بعبارة "أنا لا ينقصني شيء، ولست أقل من فلان أو عِلان". من هنا، هل حب الظهور هو مرض نفسي؟ أم موضة العصر؟

 

-         إهتمام مؤقت:

بعيداً عن التفاصيل التي تخص الظاهرة نفسها، يجد محمد (موظف، 28 عاماً) أنّ الإنسان بطبيعته يميل إلى الاستحواذ على انتباه الآخرين والظهور أمامهم بصورة جذابة، وهذا الأمر يسهم إلى حد بعيد في انتشار الظاهرة. وعن قناعته الشخصية في هذا الشأن يقول محمد: "لم أفكر قط في التظاهر أمام الآخرين، ولم ألجأ يوماً إلى شراء شيء يفوق إمكاناتي المادية، بقصد التظاهر أو الاستحواذ على انتباه أحد، لأنني ببساطة أرغب في تكوين علاقات اجتماعية سوية مع الناس، معتمداً في ذلك على شخصيتي وفكري وأخلاقي وليس مظهري ومقتنياتي". في المقابل، يعود محمد ليؤكد: "أحاول قدر الإمكان عدم الحكم على الآخرين بناءً على مظهرهم". ويقول: "صحيح أنّ المظهر المترف ينجح غالباً في إثارة انتباه الناس، وربما يدفع بعضهم إلى منح صاحب هذا المظهر مزيداً من الاهتمام والاحترام والمعاملة الخاصة، إلا أنّ الأمر يبقى مؤقتاً في إطار المجاملة لا أكثر".

 

-         لا أرتدي قناع التظاهر:

لا يقبل عادل حسن (موظف، 31 عاماً) أن يقوم بارتداء قناع المظاهر، من أجل الظهور بمظهر غير حقيقي أمام الآخرين، وإن كان يرصد حقيقة ما يدور. ويشير عادل إلى أنّه "لا يخفى على أحد أنّ المشكلة قائمة وموجودة، وأن هناك أعداداً متزايدة من الناس تلهث وراء المظاهر وأخرى تُخدع بها". ولا يستثني عادل أحداً من احتمالات الوقوع في فخ المظاهر، لافتاً إلى أنّ "الغريب في الأمر أن عدداً كبيراً من المتعلمين والمثقفين تخدعهم المظاهر ويُبهَرون بها، على الرغم من إدراكهم خطورة المشاكل والأزمات، التي يمكن أن يقع فيها الإنسان بسبب انقياده وراء رغبته في الظهور بمظهر لا يتناسب مع حقيقة ظروفه وإمكاناته". من ناحية أخرى، لا يستبعد عادل حسن حقيقة "أنّ المبالغة في الاهتمام بالمظهر يخالطها غالباً نوع من حب التعالي والتفاخر على الآخرين". ويلفت إلى أن "مجالات التظاهر تمتد لتشمل أشياء عديدة، من بينها الإمكانات المادية والثقافية والفكرية والاجتماعية وغيرها"، مؤكداً "أنّ هذا السلوك غير مقبول وغالباً ما يأتي بنتائج عكسية، حيث ينفضّ الناس من حول أولئك الأشخاص المصابين بداء حب الظهور، بعد اكتشافهم على حقيقتهم، ويفقدون ثقتهم بهم".

 

-         ليست عيباً:

بشكل أو بآخر، ربما تكون المرأة أكثر تورطاً في موضوع حب الظهور مقارنة بالرجل، ولكن يبدو أن لدى بعضهنّ وجهات نظر عديدة يبررن بها الأمر، حيث تُقر شيرين محمد (موظفة، 31 عاماً) بأنّ "الاهتمام بالمظاهر لا يمكن اعتباره عيباً في حد ذاته ولا خطأً، ولكنه بلا شك يصبح خطأً حينما يزيد على حده"، ولكنه بلا شك يصبح خطاً حينما يزيد على حده". تضيف موضحة: "لا عيب في أن يرتدي الإنسان ملابس من ماركات عالمية أو أن يستقل سيارة فارهة، مادامت إمكاناته المادية تسمح بذلك. فهذه المقتنيات تُمثل مصدر سعادة له ومن حقه أن يستمتع بها، ولا أحد يملك الحق في حرمانه من ذلك. فالأمر هنا بمثابة سلوك شخصي تلقائي لا علاقة له بالتظاهر، شرط ألا يُصاحب ذلك شعور بالتعالي على الآخرين، وألا يتحول الأمر إلى نوع من الاستعراض".

ولكن "حتى في حالة محدودية الإمكانات المادية، فإن هناك استثناءات"، توضحها شيرين بقولها: "حتى في هذه الحالة، فإنّ الأمر لا يرتبط حتماً بحب الظهور. فعلى سبيل المثال يحدث أحياناً أن يلفت انتباهي منتَج أو سلعة تفوق إمكاناتي المادية، إلا أنني أرغب بشدة في الحصول عليها، وعندها يصبح من الصعب أن أتراجع بسهولة، وربما ألجأ إلى الإدخار مثلاً كي أتمكن من اقتناء تلك السلعة ما دامت تستحق، مع التأكيد أنّ الدافع في هذه الحالة، هو أنّ السلعة أعجبتني وليست الرغبة في الظهور بمظهر يفوق إمكاناتي".

 

-         عدم الثقة بالفس:

"طالما أنّ الناس لن يتوقفوا عن تقييم أحدهم الآخر وفقاً للمظهر، فإنّ الظاهرة لن تختفي" هذا هو الحكم الذي تصدره هنادي محمد (ربة بيت، 30 عاماً)، وإن كانت تعترف بأنها تفعل ذلك أحياناً، تقول: "بصراحة، لقد وقعت في هذا الخطأ مرات عدة، كنت أحكم فيها على الأشخاص من خلال مظهرهم الخارجي، وكان هذا الحكم يثصيب قليلاً ويخطئ كثيراً. لكنني في الأحوال كافة أفعل ذلك من دون قصد مني، فالأمر كله يعتمد على الانطباع الأول الذي يصعب علينا أحياناً التخلص من تأثيره في طريقة تقييمنا الآخرين".

وفي ما يتعلق بالتظاهر أمام الآخرين، تقول هنادي: "بالطبع هناك نموذج من الناس يتعمد إظهار ما يملك أمام الآخرين، ربما كي يشعر بأنّه متميز عنهم أو لمجرد لفت انتباههم إليه، وأحياناً كثيرة يحدث ذلك بأسلوب يتسم بالمبالغة. وفي النهاية يأتي المشهد معبراً عن خلل ما في شخصية مَن يفعل ذلك، فهو يُعاني غالباً نقصاً في ثقته بنفسه، فيلجأ إلى تلك المظاهر على أمل أن ترفع من قيمته في أعين الناس".

 

-         مطبات:

بدورها، تعترف ديما سمير (ربة بيت، 30 عاماً) بأنها كانت تتمنى ألا تخدعها المظاهر، لكنها تعترف هي الأخرى بأنها خُدعت مرات عدة. وتقول: "كثيراً ما كنت أحكم على الناس من خلال مظهرهم فقط، لاكتشف لاحقاً أنني كنت على خطأ". ولكن دينا لا تتوجه باللوم إلى نفسها فقط، فهناك أطراف أخرى تتحمله معها، تقول: "لا أحد يُحب أن يرى شخصاً واقعاً داخل دوامة التظاهر، التي يصعب الخروج منها، لكن التطور السريع الذي تشهده تكنولوجيا الاتصال، وما يشاهده الناس عبر شاشات التلفزيون والكمبيوتر من أشخاص يعيشون في ترف شديد ومستويات معيشية مرتفعة، جعلاهم يتطلعون إلى محاكاة هؤلاء من خلال تقليد مظهرهم وأسلوب معيشتهم. وهو الأمر الذي تسبب في تورط العديد منهم في مشكلات مادية لا حصر لها، ناهيك عن المطبات الاجتماعية والأزمات النفسية التي ربما تعرضوا لا".

 

-         بعيداً عن المنطق:

من ناحيته، يتفق عمرو سليم (موظف، 29 عاماً) مع الرأي القائل إنّ المظهر الخارجي يستحوذ على اهتمام كثير من الأشخاص. ويضيف معقباً: "يميل الناس إلى إقناع أنفسهم بأن كل مظهر مترف وجذاب يخفي وراءه بالضرورة مستوى مادياً أو اجتماعياً متميزاً عن الآخرين، وذلك على الرغم من أنّ التجارب الواقعية تشير إلى عدم صحة ذلك التقييم والاستنتاج الظاهري أحياناً". وعن موقفه الشخصي من مسألة حب المظاهر، يقول عمرو: "صحيح أنني أحب التميز عن الآخرين، لكنني لا أؤيد فكرة دفع مبالغ طائلة من أجل التباهي والتفاخر أمامهم. ولا أنكر أنني في بعض الأحيان تعجبني أشياء باهظة الثمن وتكون مقاربة لما يمتلكه الأثرياء، لكنني أحجم عن شرائها لأسباب عديدة، منها عدم اقتناعي بالأمر وعدم ميلي إلى الإسراف والتبذير".

 

-         خوفاً من انتقال العدوى:

خوفاً من انتقال عدوى المظاهر إليه، يرفض أيمن محمد (موظف، 35 عاماً) الاقتراب كثيراً من الأشخاص الذين يولون اهتماماً مبالغاً فيه بمظهرهم، محاولين بذلك الظهور بصورة تتنافى مع واقعهم وإمكاناتهم. ويقول معقباً: "يحصل الإنسان على تقدير الناس بناءً على رصيده من أمور، مثل الأخلاق والعلم والحكمة والشخصية السوية. أما من يسعى وراء المظاهر أملاً في أن ينال إعجاب الناس، خصوصاً إذا كان في الأمر شيء من الادعاء، فإنّ هذا الشخص عاجلاً أم آجلاً سوف لن ينال التقدير الذي يأمل، أو التقييم الذي يستحق. وأنا شخصياً أفضل أن أتجنب تلك النوعية من الناس، لأنّهم عُرضة لإيقاع نفسهم في كثير من المشاكل".

 

-         ليس دفاعاً عنهم ولكن..

وترى ناردين وائل (ربة بيت، 36 سنة) "أنّ الأشخاص الذين يُقبلون على شراء الملابس والمقتنيات الثمينة، لا يفعلون ذلك بقصد خداع الناس أو التدليس عليهم، بل يفعلون ذلك رغبةً في التميز أو أن يصبحوا مثل سواهم من الناس، الأمر الذي يدفعهم إلى تقمص مظهر اجتماعي يفوق ذلك الذي يسمح به مستواهم المعيشي". وعن النجاح الذي يحرزه أولئك الأشخاص تقول: "أظن أنّ المظهر الخارجي يلعب دوراً مهماً في مسألة الحكم على الآخرين، فالمظهر مسؤول عن إضفاء وتحديد 20% من شخصية صاحبه. أما النظر إلى المظهر باعتباره المقياس الوحيد، الذي ينبغي إعتماده للحكم على الآخرين، فهو خطأ يقع فيه البعض".

 

-         تسهيلات خارجية:

رأي آخر يلتمس شيئاً من العذر لهؤلاء الناس، تسوقه خيرية أحمد (ربة بيت، 70 عاماً)، فهي ترى "أن ظروفاً مُحيطة كثيرة هي التي تقف وراء تلك "الظاهرة" كما تسميها". وتضيف: "من جملة تلك الظروف أو الأسباب التسهيلات الائتمانية التي تقدمها البنوك، لأنّها جعلت الناس يشعرون بوفرة مادية زائفة، لكنها تسمح لهم بمنح أنفسهم مظهراً أكثر ثراءً. ومن تلك الأسباب أيضاً اطّلاع الناس على العالم الخارجي عبر الإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة، وبالتالي سعي كل طبقة إلى تقليد ومحاكاة الطبقات الأعلى منها".

 

-         بساطة الحياة:

في حين ترصد زكية صديق (ربة بيت، 51 عاماً) مراحل التحول الذي طرأ على المجتمع، في ما يتعلق بموضوع المظاهر، قائلة: "في السابق، كانت البساطة معتمدة في مختلف نواحي الحياة، ولم يكن هذا المقدار الهائل من التفاوت في المظاهر الذي نراه الآن قد وجد طريقه إلى المجتمع بعد، كما أنّ العلاقات الاجتماعية كانت قائمة على مبادئ المودة والاحترام، لذا لم يكن هناك داع للتظاهر". وتتابع زكية بقولها: "ولكن في زمننا الحالي أخذ الناس في التعالي على بعضهم البعض بناء على المظهر، حتى أصبح التظاهر موضة وفعلاً معتاداً ومقبولاً".

 

-         اضطرابات نفسية:

كطبيب متخصص في علم النفس، يربط الدكتور طارق خماس بين كثير من حالات حب التظاهر أمام الآخرين واضطرابات في الشخصية وعدم اتزانها، إذ يقول: "لا خلاف على أنّ الاهتمام بالمظهر أمر ضروري، شرط أن يكون ذلك ضمن حد معقول، ولكن حينما يصل الأمر إلى المبالغة في الاهتمام بالمظهر الخارجي، فهنا ربما يكون السبب عائداً إلى مشكلة نفسية أو إضطرابات في الشخصية، مثل حالة الشخصية النرجسية. ففي هذه الحالة يكون الإنسان مهتماً إلى حد بعيد بالصورة التي يبدو عليها في عيون الآخرين، ويجد سعادة بالغة في إثارة إعجابهم، بينما يستفزه تجاهلهم له ويشعر بحنق شديد من كلمات النقد لأنّه لا يريد أن يسمع إلا كلمات الإعجاب. لذا فإن صاحب الشخصية النرجسية يميل إلى المبالغة في الاهتمام بمظهره وأناقته، فنراه يدقق كثيراً في اختيار ملابسه". ويشير د. طارق خماس إلى أن "هناك إضطرابات أخرى من بينها ما يُعرف باضطراب الشخصية ثنائي القطب، الذي يتميز بتناوب فترات من الاكتئاب مع فترات من الابتهاج غير الطبيعي، من ناحية كونه يؤدي بالشخص إلى القيام بأعمال طائشة وغير مسؤولة، بل وخطيرة في بعض الأحيان".

 

-         تقمُّص:

ويوضح أستاذ علم الاجتماع الدكتور موسى الشلال "أنّ المبالغة في الاهتمام بالمظهر الخارجي ظاهرة تعانيها مجتمعات كثيرة". ويتابع موضحاً: "تلك الظاهرة لم تكن معروفة في مجتمعاتنا من قبل، لأنّ الأسر كانت متداخلة مع بعضها البعض، وكانت تعرف بعضها البعض بشكل جيِّد، لا يدع مجالاً للتظاهر، ولا محاولة الظهور بمستوى معيشي غير حقيقي. هذا عدا عن أنّ العلاقات الاجتماعية كانت أقوى وأوثق مما هي عليه الآن، لذا لم تكن هناك فرصة للاهتمام بمثل هذه الأمور الظاهرية". ويتابع د. موسى الشلال موضحاً "أنّ الظاهرة وجدت طريقها إلى مجتمعاتنا في العصر الحديث". ويضيف: "لقد أصبح المظهر العام مهماً جدّاً، حتى إنّه بات أساساً في الحكم على الآخرين. وهذا الأمر دفع أشخاصاً كثيرين إلى تقليد الأثرياء، في ما يتعلق بمظهرهم ومقتنياتهم وأسلوب حياتهم، وربما وصل بهم الأمر إلى تقمص شخصية أو دور لا يتناسب مطلقاً مع مستواهم المادي والاجتماعي والثقافي". ويحذر د. موسى الشلال من "خطورة تفشي الظاهرة بين طبقات المجتمع". ويقول: "في بعض الحالات التي يعجز فيها الإنسان عن تدبير الأموال اللازمة لتأمين المظهر المترف الذي ينشده، فإنّه ربما يلجأ إلى طرق غير مشروعة، مثل السرقة والاحتيال للحصول على المال اللازم، لإشباع رغبته في الظهور بمظهر الأثرياء".

 

ارسال التعليق

Top