• ٢٨ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٢٠ | ١١ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
البلاغ

خريطة النجاح والفشل

عبدالله أحمد اليوسف

خريطة النجاح والفشل

◄من الحقائق الواضحة أنّ النجاح أو الفشل قضية نسبية، فالنجاح شيء نسبي، وكذلك الفشل، فلا يوجد من هو ناجح في كلّ شيء، وأيضاً لا يوجد من هو فاشل في كلّ شيء، فقد يكون شخص ما ناجحاً في عالم المال والاقتصاد ولكنه فاشل في دنيا العلم والمعرفة، وقد يكون العكس، فنحن أقوياء في أشياء، وضعفاء في أشياء أخرى.

والنجاح أيضاً شيء متفاوت بين الناس، فقد تكون أنت ناجحاً في العلاقات الاجتماعية بدرجة متوسطة، وغيرك بدرجة ممتازة، وثالث بدرجة ضعيفة، وهكذا تتفاوت نسبة النجاح من شخص لآخر، حسب قدراته وإمكانياته، وحسب العوامل المؤثرة عليه سلباً وإيجاباً، في نوعية استثمار تلك القدرات والإمكانيات.

فالإنسان "يولد وهو مفعم بمجموعة هائلة من المواهب التي لا يستغل منها بالفعل في حياته إلّا أقل القليل، والعجيب أنّ الإنسان لا يستطيع أن يقف على ما أنعم عليه به من مواهب إلّا إذا واتاه الحظ بإخراجها من حيز الكمون إلى حيز الواقع، ذلك أنّ معرفة الإنسان بنفسه لا تواتي جميع الناس، بل إنّ الذين استطاعوا أن يعرفوا أنفسهم قد تكلفوا في ذلك مشقة، أي مشقة، وأخذوا في تدريب أنفسهم على سبر أغوار شخصياتهم، بتدريبات شاقة مستمرة ولم يكن عبثاً أن دعا سقراط الناس إلى معرفة أنفسهم، لأنّه اعتبر أنّ دخيلة الإنسان بمثابة غابة كثيفة من الصعب الكشف عما تخبئه من كنوز ومضامين.

والموهبة بمثابة خامة تحتاج إلى كثير من الصقل والتكييف حتى يتسنى تحويلها إلى واقع خارجي يعترف به الناس ويصلح للحياة الاجتماعية، ونستطيع تشبيه الموهبة بقطعة الماس لدى اكتشافها بين الصخور، إنّها لا تختلف كثيراً عمّا حولها، ولابدّ من معالجتها بمهارة حتى يبدو بريقها واضحاً ناصعاً قوياً، وحتى يتسنى للناس الاعتراف بها بأنّها معدن نفيس، فلا يكفي إذن أن تكتشف ما لديك من مواهب، بل إنّ ذلك الاكتشاف سوف يكلفك كثيراً حتى يتسنى لك إحالته من حال الكمون إلى حالة الواقع الفعلي البادي للعيان".

إذن... من المهم أن نكتشف ما لدينا من مواهب وطاقات، والأهم من ذلك أن نستثمر هذه القدرات والمواهب، ونوظفها في سبيل تنمية شخصياتنا.

ومن الأسس الأولية للنجاح أن يتعرف الواحد منّا على نقاط قوته لينطلق منها في ميادين الحياة المختلفة، وكذلك يتعرف على نقاط ضعفه كي يتجاوزها ويحاول التخلص منها إن أمكن.

وفي واقعنا الذي نعايشه، قد نجد من يملك النجاح الباهر في دنيا المال، وهذه نقطة قوة، ولكنه لا يفقه شيئاً في حقول المعرفة، وهذه نقطة ضعف، وكما يقول الدكتور "هارولد فينيك": "لقد عالجت في عملي كثيراً من الأشخاص الموهوبين الأفذاذ، ومنهم أحد قضاة المحكمة العليا، وكثيراً من الكتاب الذائعي الصيت، والموسيقيين، والعمالقة في عالم المال وإدارة الأعمال، وكلهم يحظون بنوع خاص من البصيرة، وقد نما إلى درجة مذهلة، ولكنهم بالمثل تنقصهم البصيرة في بعض نواحي الحياة الهامة بدرجة مذهلة أيضاً".

إذن لابدّ أن يكون لأي شخص قوة في نواحي، وضعف في نواحي أخرى، فليس هناك ناجحٍ في جميع نواحي حياته، وكذلك لا يوجد فاشل في جميع شؤون حياته، بل إنّ الإنسان هو مزيج من النجاح والفشل معاً، وذلك لأنّه يملك القوة والضعف معاً! فلكل إنسان مواهب خلاقة يتمتع بها، وفي الوقت نفسه نقائص ملتصقة به! ويبقى نجاحه أو فشله شيء نسبي، تبعاً لنسبية قوته وضعفه، وطريقة تعامله مع ما يملك من قوة وضعف.

ويبدو الفرق واضحاً، بين الإنسان الناجح والفاشل، فالناجح هو من يستثمر مواهبه الخلاقة، ويتجاوز نقاط ضعفه، والفاشل هو من يعيش هموم ضعفه، وينسى نقاط قوته... وهذه هي المسافة بين النجاح والفشل!

 

خريطة النجاح:

عندما نريد أن نرسم خريطة لبلد ما، فلابدّ وأن نوضح فيها مساحة ذلك البلد، المدن الرئيسة فيها، عدد السكان، البلدان التي تحدها، البحار التي تقع عليها، التضاريس والمناخ... إلخ، كي نتعرف بدقة على معالم ذلك البلد المقصود، وكذلك أنت – عزيزي القارئ – إذا أردت أن تعرف معالم شخصيتك، فمن المهم أن تعرف خريطة نفسك!

ولنتساءل سوياً... ما هي خريطة النجاح؟

خريطة النجاح هي جزء من كيانك العام...

وممّ تتكون هذه الخريطة؟

وببساطة.. تتكون خريطة النجاح من:

1-  العقل المفكر الذي تملكه، والذي لا يملكه مخلوق آخر سوى الإنسان.

2-  المواهب الكامنة في شخصيتك.

3-  الجسم المتناسق والقوي الذي تتمتع به.

4-  الروح المعنوية المزروعة فيك، والتي تبعث فيك القوة والديناميكية الفعّالة.

5-  وبكلمة جامعة.. هي كلّ نقاط القوة التي تحوز عليها، كالإرادة القوية، والثقة بالنفس، والعزيمة الثابتة، والثقة بالمستقبل... إلخ.

هذه هي مكونات خريطة النجاح، إنّها جزء منك.. من كيانك العام.. من شخصيتك العامة.

 

خريطة الفشل:

وخريطة الفشل هي أيضاً جزء من كيانك العام، ومن شخصيتك العامة.

وتتكون هذه الخريطة من العناصر التالية:

1-  العقل الجامد أو المجمد!

2-  المواهب الكامنة فيك، والتي حولتها بإرادتك إلى سلاح ضدك!

3-  الجسم القوي، والذي حولته – بسوء تصرفك – إلى جسم واهن هزيل.

4-  الروح المعنوية، التي تحطمت، بفعل نظرتك السلبية للحياة.

5-  وبكلمة جامعة.. هي كلّ نقاط الضعف التي تملكها، كضعف الإرادة، وانعدام الثقة بالنفس، ضعف الهمة، والتشاؤم من الحياة... إلخ.

هذه هي المواقع الاستراتيجية للفشل!

إننا – نحن البشر – بإمكاننا أن نتغلب على كلّ نقاط الضعف، أو لا أقل نتجاوزها، وأن ننمي في ذواتنا نقاط القوة، وننطلق، من ثمّ، في الحياة... للبناء، وللتعمير، وللإنتاج... فهذه هي مسؤوليتنا في الحياة.

إنّ معرفتنا بأنفسنا هي أساس نجاحنا ولذلك بنى سقراط فلسفته على الحكمة الذهبية القائلة (اعرف نفسك) وصدق الله العلي العظيم إذ يقول: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) (الذاريات/ 21).►

 

المصدر: كتاب الشخصية الناجحة

ارسال التعليق

Top