• ٢٨ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٢٠ | ١١ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
البلاغ

دروس ومعاني من مسيرة الإمام الحسين (عليه السلام)

عمار كاظم

دروس ومعاني من مسيرة الإمام الحسين (عليه السلام)

يقول تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) (الأحزاب/ 23). تشير هذه الآية إلى كلِّ المسيرة الإسلامية، منذ أن بدأها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهناك في كلِّ مرحلة من مراحل حركة الإسلام في العالم، صفوة في مراكز القيادة، وصفوة في مراكز القاعدة وفي داخل الأُمّة، عاهدوا الله أن يؤمنوا به إيمان الموقف، لا إيمان الله في الكلمة، وأن يجاهدوا في سبيله في كلِّ مواقع التحدّي التي يفرضها الكفر على الإسلام، هؤلاء الذين عاهدوا الله أن يصدِّقوه في إيمانهم، لتكون الحياة حياة الإيمان في كلِّ آفاقها، وأن يصدِّقوه في جهادهم، حتى يكون الجهاد بالكلمة والموقف والسيف، هو حركة الأُمّة في كلِّ مواقعها الصعبة أمام أعدائها في كلِّ زمان ومكان.

ولهذا، رأينا أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) لم يجد غير هذه الآية ليحرّكها وهو يستعرض حركة أصحابه وهم يسيرون في خطِّ الجهاد، ليواجهوا أُولئك الذين ساروا في خطوات الشيطان، وركبوا موجة الضلال والانحراف.. كان يقول إذا استأذنه أحد أصحابه: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا...). ونحن دائماً بحاجةٍ إلى أن نعيش مع الإمام الحسين (عليه السلام)، وعندما نعيش مع الإمام الحسين، فإنّ العبّاس (عليه السلام) يعيش في قلب حركة الإمام الحسين (عليه السلام)، وإنّ زين العابدين (عليه السلام) يعيش في امتداد خطِّ الإمام الحسين (عليه السلام) وهكذا تستمر مسيرة الجهاد. ولقد مضى على قتل الإمام الحسين (عليه السلام) مئات القرون، ومازالت الأُمّة والعالم أجمع يذكرون هذه الثورة العظيمة ويمجّدونها، ليستخلصوا منها روح الثورة وروح الإصلاح وروح النهوض واستنهاض العقول والنفوس، والدفع نحو التحرّر الحقيقي، من أجل إقامة الحقّ والعدل والخير.

لقد علّمنا الامام الحسين (عليه السلام) رفض الخضوع للأشخاص، وعلّمنا حرّية الذات في رفض كلّ أشكال الطغيان والفساد، وأن نكون أصحاب مشروع حقّ وشرعية في الحياة مستمدّة من الله تعالى وهدايته. إنّ الإمام الحسين (عليه السلام) الذي لا تزال الحياة تهتف باسمه، لم يولد في الثالث من شعبان، ولكنّه وُلِد في يوم عاشوراء. كانت هناك ولادته الجسدية، وفي عاشوراء، كانت ولادته الجهادية الإسلامية التاريخية، التي فتحت أمام الحسين (عليه السلام) ـ فيما تمثِّله ثورته ـ أبوب الحياة كلَّها، وقيل للحياة كلِّها مهما امتدّت السنوات، هذا الحسين بن عليّ بن أبي طالب، قادم من جديد، يفتح صفحةً جديدةً على خطِّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). ولهذا، فإنّنا عندما نتحدَّث عن الإمام الحسين (عليه السلام)، فنحن نتحدَّث عن ثورته، وعن دوره كإمامٍ يعطي الحركة الإسلامية في خطِّ الثورة شرعيّتها. ويأتي الإمام زين العابدين (عليه السلام) في أسلوب الدُّعاء: «اللّهُمّ ووفِّقنا في يومنا هذا.. لاستعمال الخير، وهجران الشرّ... وحياطة الإسلام، وانتقاص الباطل وإذلاله، ونصرة الحقّ وإعزازه». إنّه يركِّز في دعائه على حياطة الإسلام وحمايته، وعلى النهي عن المنكر، وعلى هداية الضالين، وتلك عناصر الإمام الحسين (عليه السلام).

إنّ الخطَّ واحد، وهو حماية الإسلام، وعندما يتحدَّث المتحدِّثون عن حماية الإسلام، فإنّ هذه الحماية تنطلق من أجل حماية الخطِّ الإسلامي في حياة المسلمين، لأنّ المسلمين لن يشعروا بأيّة عزّة وبأيّة منعة، إلّا إذا كان الإسلام حيّاً في حياة المسلمين، ولهذا، انطلق الإمام الحسين (عليه السلام) ليقول لهم: ليس هناك فرقٌ بين أن تجاهد الكافرين في موقع كفرهم، وأن تجاهد المنحرفين في الداخل، لأنّه لا حياة للإسلام إلّا بأحكامه وحكمة شريعته. وهكذا أراد الإمام الحسين (عليه السلام) أن تكون شعاراته شعاراتنا، لأنّها ليست شعارات ذاتية.. لهذا، نأخذ من الإمام الحسين (عليه السلام) خطَّ الثورة، ومن الطبيعي أنّ علينا أن ندرس المرحلة التي عاشها والظروف وطبيعة التحدّيات، فإذا عشنا مرحلةً تشبه مرحلته، وظروفاً تشبه ظروفه، وتحدّيات تشبه تلك التحدّيات، فلابدّ من أن نتحرّك حيث تحرّك، وأن ننطلق حيث انطلق. حیث قال الإمام الحسين (عليه السلام): «إنّي لم أخرج أشِراً ولا بَطَراً ولا مُفسِداً ولا ظالِماً وإنّما خَرَجتُ لطلبِ إلاصلاحِ في أُمّة جَدّي، أُريدُ أن آمُرَ بالمعروفِ وأنهى عن المُنكَرِ وأسيرَ بسيرةِ جَدّي وأبي عليِّ بن أبي طالب».

ارسال التعليق

Top