• ٢٩ كانون ثاني/يناير ٢٠٢٣ | ٧ رجب ١٤٤٤ هـ
البلاغ

دور الأُسرة في التعامل مع الأزمات النفسية التي يتعرّض لها الأبناء

أسرة البلاغ

دور الأُسرة في التعامل مع الأزمات النفسية التي يتعرّض لها الأبناء

قال تعالى في محكم كتابه: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . (لقمان/ 13-14).

الخطّ الأوّل: كن قريباً

يستلزم هذا الخطّ التربوي أوّلاً تبنّي «التربية اللقمانية»، أي تلك التربية التي نلاحظها في خطاب لقمان الحكيم لابنه في القرآن الكريم، وتتّسم هذه التربية بالقُرب والصداقة مع الطفل، وإيجاد مساحة من المحادثة والمناقشة والتوجيه الرفيق القريب، أي مخاطبة عقل هذا الطفل في جميع ما يتعرّض له من أزمات، ورفع آفاق تفكيره إلى المستوى «الكلّي»، لإطْلاعه على هذه الأزمات بأعيانها وأسمائها.

الخطّ الثاني: عرّفه برسالته في الحياة كإنسان

ربّما يكون هذا الخطّ هو الأقوى أثراً في معالجة جميع هذه الأزمات وغيرها، لكونه خطّاً عامّاً يغيِّر حياة الإنسان بأسرها، وهو يتمحور حول خطاب تربوي يسعى لتنشئة طفل يرى أنّه كإنسان له دور مهم في هذه الحياة، رسالة ينبغي أن يحملها ويوصلها للبشرية، مسؤولية كبيرة منوطة بهذا العقل النفيس وتلك النفس الكريمة. وإنّ تعاهد القرآن مع أطفالك مع الانتباه إلى أسئلة الفطرة والوجود التي يجيب عنها، وغرس قيم التوحيد في نفس الطفل بشكل متدرّج بحسب كلّ جيل، ومساعدته على تكوين قناعة ذاتية بدوره في حمل الرسالة؛ لهي أهم المنطلقات التي تصنع الفارق وتسهّل الخروج من تلك الأزمات.

التربية اللقمانية

من أهم دروس التربية التي يغفلها الكثير من الآباء والأُمّهات ذلك الدرس الذي علّمنا الله إيّاه في سورة لقمان، لقد أخبرنا الله عزّوجلّ في كتابه أنّه آتاه الحكمة، وهذه المعلومة وحدها كفيلة بشدّ انتباه جميع حواسّنا ونحن نقرأ توجيهات لقمان الحكيم لابنه؛ لأنّها توجيهات صادرة عن رجل حكيم يعرف كيف يربّي.

ربّما يكون أبرز مُعطى في هذه التوجيهات ليس موضوع التوجيهات نفسها، بل تلك المحادثة التي ينشؤها لقمان الحكيم مع ابنه في مختلف شؤون الحياة: يحدِّثه عن التوحيد أوّلاً ليبني القيم التي ينقلها إليه على هذه القاعدة الراسخة. يحدِّثه عن أهميّة البرّ بالوالدين ويذكّره بمعاناة أُمّه في حمله وتنشئته، ثمّ يذكِّره بالآخرة ويؤكِّد على التوحيد ويعيد تذكيره بما بعد الموت وبعلم الله الشامل، ويذكِّره بأهميّة الحفاظ على الصلاة وأهميّة أن يكون صاحب رسالة تغيير، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحثّه على فضيلة الصبر والعزيمة، ثمّ يرشده إلى جملة من الفضائل الأخلاقية في التعامل مع الناس ويحذِّره من بعض الآفات.

ورغم إيجاز هذا الحوار الذي حفظه لنا القرآن، فإنّ دلالته مهمّة جدّاً لنا، وعلينا أن نسأل أنفُسنا: كم مرّة فكّرنا في أن تكون لنا محادثات ودّية مع أبنائنا نحدّثهم فيها عن الله تعالى وعن التوحيد والآخرة والفضيلة والتعامل مع المجتمع وأهميّة حمل الرسالة في الحياة؟ كم مرّة كنّا حريصين على تقدير كياناتهم المفكّرة الحرّة ومخاطبتهم بأخص خصائص الإنسان؟ كم مرّة فكّرنا في أنّ مثل هذه المحادثات الهادئة توسّع آفاق الطفل وتزيد من ارتباطه بالدِّين والرسالة عن قناعة عقلية ولا يكون مُجبراً على ممارسة الدِّين لمجرّد أنّه وُلِد لأُسرة مسلمة؟! حدّثوا أولادكم عن الله سبحانه، اخبروهم ما معنى كونهم موحِّدين، ولماذا يصلّون. حدّثوهم عن حقيقة هذه الحياة الدُّنيا، والطبائع المختلفة للنفس البشرية، وحقيقة الدار الآخرة.

إنّ مشكلة الكثير من الأُسر أنّها تُفاجأ بانحراف أطفالها حين يكبرون، أو تُفجع بميولهم الكارهة للدِّين أو تعلّقهم بالتفاهات. والسبب في ذلك أنّ هذه الأُسر بذلت جهوداً في جانب واحد وغفلت عن الجانب الأهم، وهو الوصول إلى عقل هؤلاء الأطفال وحثّهم على توليد قناعة ذاتية بهذا الطريق الذي يحبّون أن يروا أبناءهم عليه.

جميع ممارسات ووسائل الضغط على الأبناء وإجبارهم على الصلاة وغير ذلك لن تؤدِّي إلى بناء الإنسان الرسالي الذي نريد، بل قد تكون سبباً في انفجار شخصية الطفل في اتجاه معادٍ في مرحلة لاحقة من عمره؛ لأنّ جميع هذه «الطقوس» كانت بمنزلة «قيود» مفروضة عليه في مجتمع موبوء، لم يفكّر يوماً في مقصدها وارتباطها بالتوحيد وبحقيقة الإنسان والحياة الدُّنيا.

إنّ كلَّ تربية تغفل عن توجيه تفكير الأبناء إلى أسئلة الوجود الكبرى هي تربية ناقصة، وكلّ تربية على الصلاة دون بيان معاني الصلاة وحاجة الإنسان إليها ودلالات كلّ حركة وكلّ تسبيحة وذكر فيها هي تربية ناقصة. تذكّروا: لم يقل لقمان لابنه: «صلّ»، بل قال له: (أَقِمِ الصَّلاةَ) (لقمان/ 17)، والفرق بينهما عظيم!

لقد أكرمنا الله في كتابه برؤية متكاملة للوجود: لحقيقة الإنسان والحياة، ولطبيعة النفس البشرية، ولحقيقة الدار الآخرة، وقبل كلّ ذلك أكرمنا ببيان شافٍ لأسمائه سبحانه وصفاته العُلى وأفعاله. إنّ هذه المعلومات التي يزخر بها كتاب الله لم تكن بهذا الحجم عبثاً، تعالى الله عن العبث، بل كانت تهدف إلى أن يكون الارتباط بالدِّين منطلقاً من القناعة التامّة بهذه الحقائق الكبرى، وكلّ ارتباط بالدِّين مُغيّب عن فهم هذه الحقائق وعن مقاصد هذا الدِّين هو ارتباط هشّ قد ينكسر عند أوّل صدمة، وما أكثر الصدمات والعراقيل والآفات في مجتمعاتنا.

حدّثوا أولادكم عن الله جلّ جلاله، اخبروهم ما معنى كونهم موحِّدين، ولماذا يصلّون. حدّثوهم عن حقيقة هذه الحياة الدُّنيا، والطبائع المختلفة للنفس البشرية، وحقيقة الدار الآخرة، ومحاسن القيم والأخلاق التي يدعو إليها الإسلام. ارزعوا في نفوسهم حبّ التغيير إلى الأفضل، علّموهم أنّ لديهم رسالة عُظمى هم مسؤولون عنها، نبّهوهم لمأساة أن يعيشوا كالبهائم يأكلون ويتكاثرون فقط، الفتوا أنظارهم إلى كلِّ الحقائق المدهشة في هذا العالم.. إنّ التربية بحاجة إلى قدوة، ولكنّها بحاجة أيضاً إلى محادثة وكلام، إلى معايشة وصداقة، إلى بذل أوقات كثيرة نكون فيها مع الأطفال في حديث ودّي «لقماني» حكيم.

ارسال التعليق

Top