• ١٨ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٠ | ٣٠ محرم ١٤٤٢ هـ
البلاغ

رحل الأب وأيتم الإبن

رضا سيد حسين الطبطبائي

رحل الأب وأيتم الإبن

مع انصياعي التام لقضاء الله تعالى وقدره واعتقادي الكامل بمشيئة الله تعالى وإرادته، وأنّه عزّوجلّ يفعل ما يريد وما يشاء وما يختاره للصالحين من عباده هو عين الحكمة والصواب، وأنّ الحياة والموت بيده.. إلّا أنني كعبد فقير وإنسان بسيط في هذه الدنيا الفانية والحياة الزائلة والتي أرى يومياً فيها مَن يدخل ويغادرها، إلّا أنني بحق قد فوجئت بالخبر الصاعق بطرق الموت باب الأب الوالد ليغادر جسده الشريف دنيانا هذه تسبح روحه الطاهرة في أجواء الرحمة الواسعة لمليك مقتدر والذي بيده ملكوت كل شيء..

نعم، كانت الصدمة بحيث عجز العقل عن التعبير وشلّت اليد عن الكتابة وسيطرت الغصة على أحاسيس القلب ومشاعره بحيث لا يعلم المرء من أين يبدأ بالكتابة عنه وأين ينتهي، وقد يحتاج ذلك وقتاً طويلاً، ومما يثلج صدر أحباءه أنّ الكثير بدأ بذكر سيرته العطره وتوثيق بعض مواقفه الكريمة، وذكر بعض صور أياديه البيضاء ودعمه للحركة الإسلامية الواعية المنفتحة التي واكبها منذ إنطلاقها ودعم رموزها على مستوى الكويت والعالم، وما رأيناه ونراه من حشود هائلة في مراسم التشييع والدفن وتواجد في مراسم العزاء في كثير من الدول لخير دليل على موقعه المميز على أكثر الصعد وجميع المستويات..

ومما كان يمتاز به دفاعه عن العقيدة دفاعاً مستميتاً وبشجاعة وجرأة، ومما أذكره هو موقفه من أحد أئمة المساجد وخطبائها والذي كان قد تعرّض في إحدى خطبه للإمام جعفر الصادق (عليه السلام) بالسبّ والشتم، وكان الحجي مصراً أن يقوم بدهسه بسيارته إذا لم يحصل طريقة أخرى لمحاسبته، وكنت سمعت هذا منه شخصياً عندما كنت في زيارة له في محله للكهربائيات في الشرق والذي كان قريباً من دروازة عبدالرزاق، حيث كان مصمماً على ذلك، وكان يقول بأن هذا جزاؤه شرعاً ويجب ألا نسمح لمثل هؤلاء الأشخاص أن يتعرّضوا لأئمّتنا (عليهم السلام)، كان هذا حسب ما أتذكر قبل افتتاح جامع النقي في الستينيات من القرن الماضي؛ ولكن كان يودّ أن يستشير بعض العلماء لخشيته من إشكال في هذا العمل أو أن يؤدي هذا التصرف إلى  الإخلال بالوضع الاجتماعي والنيل من العلاقات مع الآخرين..

وهناك أيضاً موقف بطولي آخر يسجل في سجله من المواقف هو موقفه عام ١٩٧٤م من إعدام كوكبة قبضة الهُدى طلائع الحركة الاسلامية في العراق الشيخ المجاهد عارف البصري وإخوته على يد النظام الصدامي المقبور في العراق، حيث قال الحجي: "يجب أن نُعلم العالم بقضية الشهداء المظلومين حيث لا يوجد أحد ذكر مظلوميتهم"، وقد أشار إليّ لمرافقته إلى جريدة (الرأي العام) في ليلة ممطرة بسيارة نجله حسين للإعلان عن مثل هذه الجريمة، وفعلاً وصلنا دار الرأي العام وترجلنا من السيارة هو وأنا وخاطب نجله بالبقاء في السياره وذهبنا إلى قسم الإعلانات، وعلى ما أتذكر دفع لهم مبلغاً مقداره ثلاثمائة ديناراً، وتمّ نعي الشهداء في نصف صفحة كاملة وفي الصفحة الأخيرة..

ومن الصدف المناسبة أنّ النصف العلوي كان يتضمن كاريكاتير يصف الوضع العربي بصورة لإعدام معارض عربي وكتابة جملة (الحل الأخير) أو (الحل المنفرد) وما معناه أنّ مصير المعارض هو الإعدام شنقاً عند بعض الأنظمة العربية.. ومن حُسن الحظ نزل النعي كالصاعقة على المجتمع وكيف تمّ ذلك وخاصة السفارة العراقية التي تحركت مباشرة لمعرفة المُسبِّب لذلك، حيث لم يعلم أحد مَن قام بنشر الإعلان لأننا لم نترك أسماءنا لدى الجريدة، وكنا نؤكد للموظف أنّ ما يهمنا نزول النعي على الصفحة الأخيرة من جانبكم والدفع من جانبنا، وكان الحدث مفاجئاً للجميع بما فيهم الأكثرية الساحقة من أحبّتنا وأعزّتنا من شباب جامع النقي، كما أقام حجي كاظم مجلساً للعزاء لمدة ثلاثة أيام في منزله في منطقة بنيدالقار وتعرض للتهديدات من السفارة العراقية.

كان عمنا المغفور له حجي كاظم صاحب مواقف طريفة منها أنه كان يمازح المرحوم الحاج علي كرم الذي كان صاحب معرض للكهربائيات على قرب من معرضه، وكل مَن كان يزور المرحوم الحاج كاظم يلاحظ كثرة عدد المتصلين به بحيث كان رنين هاتفه لا يتوقف وكان الكثير يطلبون منه أرقام مختلف الجهات والأشخاص، ومن مواقفه الطريفة عندما كان يستفسر منه عن رقم مخفر شرق المعروف أو رقم المغيسل يقوم بتزويدهم برقم المرحوم الحاج علي كرم ورقم آخر وهو المطلوب، وكان يخاطب الشخص بأنه أولاً قم بالاتصال بهذا الرقم وإذا لم يجيبك أحد فقم بالاتصال بالرقم الآخر (وهو المطلوب) وكان المتصل يتفاجئ بأن الشخص الذي يرد عليه هو المرحوم الحاج علي كرم، فيقول له: "أكيد حجي كاظم معطيك الرقم"، وحضرت إحدى المرّات عند الحاج علي كرم فرن هاتفه، فقال: ألو، فسأله هل هذا محل فلان، فقال له: لا أنا علي كرم فضحك، وقال: حجي كاظم عطاني الرقم، وودّعه وقال لي: "سيد اللي يطلب من الحجي رقم المغيسل أو المخفر يحوله علي"، فقلت له: "قبل شوي كنت عنده وعطاه رقمك".

ومن المواقف الطريفة أيضاً أن في إحدى سفراتنا التي جمعتنا مع المرحومَين والأخ العزيز عمار كاظم في لندن، طلب منّي الحاج كاظم أن نراجع أحد الأطباء لفحصه بسبب ألم في ظهره، فطلبنا الموعد وذهبنا إلى العيادة بصحبة المرحوم الحاج علي كرم، وأشار الحاج كاظم إلي بترجمة ما يدور بينه وبين الطبيب.. سأل الطبيب أولاً عن اسمه وبعد ذلك عن عمره. قلت له: "حجي يسألك عن عمرك" قال الحجي: "قول ۳۰". هنا قال حجي علي كرم: "وين تروح يا حجي.. لازم تقول عمرك الحقيقي وراح نعرفه" وهو يبتسم. قلت للطبيب ما قاله الحجي، فابتسم الطبيب وقال: "هذا ليس عمره الواقعي"، فنقلت الترجمة إلى الحجي، فقال لي قل له: "إذا يريد معرفة عمري فليخرج هذا الشايب من المكتب"، فضحك الطبيب وقال: "لا داعي لمعرفة العمر"، فقال حجي علي كرم: "غلبتنا حجي".

أكتفى في هذه العجالة بهذا عسى أن يوفقنا الله تعالى أن نكتب بإسهاب عن حياته الحافلة وأعماله في جميع المجالات وعلاقته الواسعة مع الشخصيات المختلفه ومواقفه وعطاءه على مختلف الأصعدة.

وأخيراً أقول ما كتبته على الصورة وأخاطبه بأنّ (رحل الوالد وأيتم الإبن).

وإنا لله وإنا إليه راجعون

ارسال التعليق

Top