• ٨ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٨ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

شهر رمضان.. وداع وحساب

شهر رمضان.. وداع وحساب

أهلَّ علينا هلال شهر رمضان المبارك، فكان من أشعّته ما أنار لنا سبيل الرشد والهدى، وقاد خُطُواتِنا وأعمالنا إلى طريق الخير، وعَمرت به بيوتُ الله بالقائمين الراكعين الساجدين، والآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، والذاكرين الله كثيراً، والمسترشدين والمرشدين. وتفتّحت فيه الأفئدة والقلوب، وكثر الدعاء لله العليّ القدير، أن يعيد للإسلام مجده، وللمسلمين في مختلف البلاد والأقطار حرّيتهم وكرامتهم وسعادتهم، وأن يقودهم إلى الخير والنجاح في كلّ أعمالهم. جاء رمضان ينهى عن الشحناء والجدل والمراء، وعن الغش والخداع، وعن الشُحّ والحِرص. جاء وذكّرنا بقوله (ص): "رحم الله عبداً سَمْحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى". فكان من ذلك الإرشاد النبويّ الكريم، أن خَلت مجامعنا وأسواقنا من أصوات المتشاحنين المجادلين، ومن أفعال الحريصين الجشعين، وأن غَدَونا إخواناً أحِبّاء متعاونين. جاء رمضان، فلانت فيه العواطف الجامدة، وخشعت القلوب القاسية؛ إذ أيقنت أنّه آن لها أن تخشع لذكر الله وما نزل من الحقّ، وألا يكونوا كأهل الكتاب: (فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (الحديد/ 16). وهكذا، أحيا الله بمجيء رمضان قلوبنا ونفوسنا، وأخذنا في الاستكثار من عبادة الله، والانتفاع بأدب الله وقرآنه وسنّة نبيه (ص)، لطلب عفو الله ومغفرته، ورجاء صلاح الأمور في الحال والمآل. وقد أشرف شهر الهدى والخير على نهايته، وقاربنا نحن أن نعود إلى حياتنا الرتيبة العادية، حيث لا يكون حَرجٌ على أحد منا أن يتمتع بما شاء من الطعام والشراب وسائر متاع هذه الحياة في الليل أو النهار.

إنّه لحقٌّ علينا إذا كنا في رمضان، أن نتذكر ما جاء عن الله تعالى في الحديث القدسيّ: "كلّ عمل ابن آدمَ يضاعف، الحسنةُ بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلّا الصوم فإنّه لي وأنا أجزي به، يَدع طعامه وشرابه لأجلي! للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربّه". وإنّ لنا أن نستبشر بقرب نيل الفرحة الأولى والفوز بها، وأن نرجو الفرحة الأخرى عند لقاء ربّنا، وإنّا إليه فيها لراغبون. وإنّ علينا أن نودّع هذا الشهر المبارك، وداع المحزون لفراق حبيب أثيرٍ لديه، فقد أثار فينا ذكريات ماجدات خالدات.

ذكرى الشهر الذي أنزل فيه القرآن، هدى للناس وبيِّناتٍ من الهدى والفرقان، القرآن الذي أشاع بين الناس جميعاً مبادئ العدل والإحسان، والحرّية والإخاء والمساواة، والبرّ والإيثار، والتسامح والرحمة والعفو. ذكرى الشريعة السمحة الغَرّاء، التي وضع القرآنُ أصولها؛ وجاء الرسول فزادها تفصيلاً وبياناً. ثم ذكرى ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر، في المنزلة والعمل والخير، الليلة التي تنزّلُ الملائكة والروح فيها بإذن ربّهم من كلّ أمر، الليلة التي هي سلام حتى مطلع الفجر.

نودع هذا الشهر المبارك الذي يمر سريعاً، فما يكاد يُقبل حتى يودّع، مثله تماماً، مثلُ طيب الحبيب؛ إلّا أنّه بحمد الله تعالى، ترك فينا من الأثر ما هزّ القلوب، وفجّر ينابيع الرحمة في الأفئدة، وذكّرنا بما أخذ الله علينا من العهد والميثاق، أن نعبده لا نشرك به شيئاً، وألا نضرع إلّا إليه، ولا نرجو أحداً سواه.

نودّع شهر رمضان، ونحن خجلون ألا نكون أحْسنّا وفادته، وقمنا بواجب الوفاء له، ووجلون إذ لا ندري مبلغ ما قمنا فيه من الخير، وقيمة ما كان منا من العمل لدى الله الذي إليه الحسابُ والجزاءُ يوم الدين، (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) (الإنفطار/ 19)، (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) (آل عمران/ 30)، (ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (آل عمران/ 161).

نودعه ونحن مشفقون على أنفسنا، خشية ألا نكون قد وفّينا الشهر المعظم كلّ حقوقه، وكنا فيه من الصائمين الذين قاسوا شدة الجوع وحرارة العطش، دون أن نمتنع عن اللهو والعبث، وقول الزور والعمل به، أو كنا من المتكبرين الفخورين بما زعموه طاعة لله عزّ وجلّ، وقديماً قيل: ربّ معصية أورثت ذُلّاً وانكساراً، خير من طاعة أورثت عُلوّاً واستكباراً، والله لا يحب المتكبرين.

إنّ علينا أن نحاسب أنفسنا قبل يوم حساب الله الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها، فإنّ الكيّس الفطن، مَن دان نفسه وكان رقيباً عليها.

وإنّ التاجر الحازم الذي يخشى الخسارة ويرجو الربح في ماله، لينظر كلّ شهر مثلاً، أو كلّ سنة، في رأس ماله، وربحه أو خسرانه؛ ليعرف زيادته أو نقصانه، فإن رأى زيادة ونماء فرح واستبشر، وإن رأى نقصاً وخساراً، عمل لتدارك ما قد يكون من أخطاء وقع فيها. وهذا كلّه، مع أنّ الربح والخسارة ليسا إلّا في المال الذي يجيء ويذهب، فكيف إذا كانت الخسارة عذاب النار، وكان الربح هو الجنة ونعيمها الدائم.

ليس الصوم أن يجد الصائم ألم الجوع والعطش، ثم يقول إني صائم، ففي الحديث، أنّ رسول الله (ص) قال: "مَن لم يدَع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه".

وإنّه ليس من الكرامة أن يصوم الإنسان إذا صام الناس، ويُفطر إذا أفطروا، دون أن يفهم إذا كان الصوم وكان الإفطار.

إنّ من حكمة الصوم الذي أمر الله به، أن ينتهي بالإنسان إلى رقة القلب، وخشوع النفس، والعطف على الفقراء والمحرومين الذين لا يجدون ما يملأ بطونهم، ولهذا جاء عن الرسول أنّه قال: "ليس من الإسلام أن يبيت المرء شبعاناً، وجاره إلى جانبه جائع".

وإنّ في الصيام رياضة النفس ومجاهدتها، حتى تنتهي عن الشر والهوى، في كلّ حال وزمان، لا في شهر رمضان وحده، وحتى تعود صافية كما خلقها الله، مُستعدّةً للاتصال بالله وتلقِّي فَيضِه. وإنّ فيه ما يجعلنا ننأى عن اللهو والعبث الذي لا طائل وراءه، ونبعد عن الرَفَث والفسوق والعصيان، ويجعلنا حقّاً من المتقين العاملين بكتاب الله وسنّة رسوله.

فعلينا من أجل ذلك كلّه، أن نحاسب أنفسنا على ما عملنا في هذا الشهر المبارك، وأن نفرح إذا رأينا أنّنا كنا صائمين حقّاً، وأن نندم ونتوب إن كان منا ما لا يرضاه الله ورسوله وأن نصلح أنفسنا، لنكون في المستقبل خيراً منا اليومَ. وإنّ علينا أن نغتنم كلّ يوم من أيام هذا الشهر المبارك، فنكثر من عمل الخير، ونستغفر الله مما يكون قد فرط منا من سوء. 

ارسال التعليق

Top