• ١٢ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ٢١ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

ضبط عاطفة الشباب الجياشة

عبدالملك بن محمد القاسم

ضبط عاطفة الشباب الجياشة

تُشكل النسبة العظمى في المجتمعات العربية طبقة الشباب، وهم ذوو عاطفة جياشة، وأحاسيس مرهفة، ومشاعر مُلتهبة.. تهزهم الكلمة الحلوة، ويستَنزل دموعهم شطر البيت الذي يبكي فيه الشاعر على فراق محبوبته "حتى وإن كان الشاعر يتحدث عن فقدان ناقته وطغت تاء التأنيث على البيت دون أن يعي القارئ ذلك".

وتصور الكثير من الشباب أنّ الكلمة الطنانة الرنانة التي تداعب المشاعر، وتأخذ بالألباب، وتأسر القلوب هي كلمة الحب المندفعة في زمن المادة الذي أرخى سدوله، وأظل الدنيا بسواده.. لذا كثر الغزل والهيام والوجد والوله في عالم الإذاعة والصحافة، ولا يخلو مسلسل، أو فيلم، أو مسرحية من كلمات واهية تتلمس طريقاً إلى أحاسيس الناس ومشاعرهم، فأصبح الحب في عصرنا صورة مُظلمة مشوهة.

والمتأمل في شريعة الإسلام وضوابط العاطفة ومكانتها السامية ليبكي على أمة تتمايل مع أغنية ماجنة، وحبيب يلفُه دخان المعصية، وجسد بدت عليه آثار التعاسة!

وكان لهذا التولي في مزالق الحب البهيمي أثر سيء على حياة الأُمّة، أفراداً، وأسراً ومجتمعات، فانتشر عقوق الوالدين، وقطعت الأرحام، واختفت الابتسامة الصادقة، وانزوت الكلمة الحانية، وكثر الطلاق بسبب كلمة واحدة تخرج من فم الزوج سهماً يمزق حياة الزوجة.. لم أحبها!

فباسم هذا الحب السطحي الساذج كم من بيوت هدمت، وقلوب كسرت، وأطفال شردوا!

ونحن في عصر الحب – كما يدعي بعضهم – لم نسمع عن قلب رق، ودمعة سقطت رأفة بأم كبيرة أفنت شبابها سهراً على وليدها.. ولم نر قُبلة وضعت بين عيني أب لا يجد للراحة طعماً وحوله صغار حتى يحقق رغبتهم.

وضنَّت الألسن بكلمة المجاملة والنصيحة الصادقة للصاحب والجار.. وندر أن تجد من يفشي السلام على من يعرف ومن لا يعرف! بل اختلف من أيامنا – السعيدة – ممازحة الصغار والمسح على رؤوسهم، وتقبيلهم، وإسعادهم بالهدايا.

وتوالت قسوة القلوب، فلم تعد تلقي بالاً لأُمّة الإسلام وهي تُقَتَّل في أنحاء الأرض شرقاً وغرباً.. فأصبح الدم مستباحاً، والكرامة مُهانة، والعزَّة ضعفاً وخوراً.

وهكذا سارت الأُمّة – مع الأسف – كما يريدون في عاطفة غير منضبطة الاتجاه، ولا معروفة النهاية.. ولا شك في ذلك، وهي قد تغافلت ونسيت كتاب الله عزّ وجلّ، وسنة نبيه (ص)، فأين المحبة الصادقة من إقامة الشعائر والالتزام بالأوامر؟! وأين المحبة للأبناء، والحرص على تربيتهم وتنشئتهم النشأة لصالحة، والله عزّ وجلّ يدعو إلى ذلك (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) (التحريم 6)؟!

والمحبة للمؤمنين في المجتمع المسلم تنبض بعاطفة مزمومة مخطومة لا نرى لها واقعاً ملموساً في حياتنا من حديث الرسول (ص): "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".

وقل لي بربك ما أجمل من مودّة ورحمة وسكينة مع زوجة صالحة يستشعر الزوج فيها أجر رفع اللقمة إلى فمها تودداً وتقرباً، وهي تحتسب أجر خدمته والبحث عن سعادته.. بل أين هذا الحب الجميل، والعاطفة الجياشة عن انّه مريض، وسؤال جاهل، وإعانة ملهوف، وتفريج كربة!

لقد تقطعت السبل، وتاهت الدروب، وفقدت الكلمة الحلوة أسمى معانيها.. ويبقى الحب في عالم المادة ادعاء يسقط مع أوّل معصية لله ولرسوله، ويزول مع أوّل عارض صحي يغشى الزوجة.

ونحن في زمن تتردد معه أنفاسنا، ولا تزال تنبض فيه قلوبنا. لا تثريب عليك – أخي – فالخير موجود.. أعد الكرَّة وتحسس قلبك، وأفض على نفسك وعلى من حولك نسمات صادقة من المحبة الإيمانية، ونفحات من الأخوة الإسلامية، وتفقَّد من لهم عليك حقوق عظيمة من أبوين، وأخوة، وزوجة، وأبناء.. ولا تحرم نفسك أجراً ومثوبة. بل أمطر الخير مطراً.. وفي كل معروفٍ صدقة.

 

ارسال التعليق

Top