• ٧ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٧ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

عتاب إلهي بليغ

الشيخ حبيب الكاظمي

عتاب إلهي بليغ

يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (الحشر/ 18).

إنّ هذه الآيات من أبلغ الآيات المُشيرة إلى مسألة مراقبة النفس.. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ...) ليست التقوى إلّا الكفَّ عمّا لا يُرضي الله عزّوجلّ: عملاً بالواجب، وإنتهاءً عن المحرَّم.

(وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ...) إنّ الأمر بالتقوى خطاب للمسلمين وللمؤمنين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ...)؛ ولكن عندما يصل الأمر إلى المحاسبة، فإننا نلاحظ التغيير في لحن الآية: (وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ...)، ففي صدر الآية هناك خطاب وهو: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ)؛ ولكن (وَلْتَنظُرْ...) فإنّه كلام مع الغائب، وليس هناك مواجهة في الخطاب.. يقول البعض – ونِعم ما يقول – بأنّ هذه الآية لا تخلو من عتاب، ومن تقريع مُبطَّن.. وكأنّ الله عزّوجلّ يُريد أن يقول: أُخاطب مَنْ؟! .. فالأمر بالتقوى يمكن أن أخاطب به المؤمنين؛ لكن مراقبة النفس أمرٌ صعب..

(وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ) فيه تنكير، وكأنّ هذه النفوس التي تنظر إلى ما قدّمت لغد، نفوس في غاية القلّة وفي غاية الندرة..

(وَاتَّقُوا اللهَ...) فمن دون الاهتمام البليغ بمحاسبة النفس ومراقبتها، كأنّ هذه التقوى لا تتم..

ثمّ تقول الآية: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، إنّ نسيان الله – عزّوجلّ – قد يجتمع مع الطاعة.. فإنّ الإنسان قد يعمل في شركة لسنوات طويلة، ويؤدّي واجبه اليومي.. وينسى صاحب العمل.. فهو يعمل بشكل تلقائي؛ ولكن لا يذكر صاحب الأمر.. وهكذا فإنّ بعض الناس قد يطيع ربَّ العالمين؛ ولكنه لا يعيش حالة الذِّكر الدائم. فإذن، إنّ نسيان الله – عزّوجلّ – يكون تارة بعدم الاعتراف به والتحدّي، وهو الكفر.. وتارة يكون نسيان صاحب العمل في مقام العمل.

(أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) إنّ هذه الآية لا تقول: أولئك هم الخاسرون.. فالذي نسي الله – عزّوجلّ – في عرفنا أنه إنسان غافل؛ ولكنّ القرآن الكريم يقول: (أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) فنسيان الله – عزّوجلّ – إمّا هو فسقٌ خفي، أو مقدّمة لفسق جليّ.

(لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ...) إنّ هذه الآية فيها أيضاً عتاب مُبطَّن.. إنها تقول: يا بني آدم! لقد أنزلنا عليك القرآن الكريم، وأمرناك بتلاوته، وجعلناك أهلاً لتحمل معانيه.

ولكننا كيف نتفاعل مع القرآن الكريم، إنّ بعضاً منّا لا يعيش أدنى درجات الخشوع مع كتاب يتصدّع الجبل له. ثمّ يبدأ بختام بسورة الحشر بآيات ربوبية: (هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فحسب الظاهر أنّ هذه أسماء الله الحسنى؛ ولكن هناك ترابط بليغ مع آيات المراقبة، فقد بدأت الآية بذكر الله – عزّوجلّ – ، وهو أن لا ننسى الله – عزّوجلّ – (وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ...)؟ لماذا؟ لأنك ستُلاقي هكذا رب، أي بما أنّي مادمت أرجع لربّ بهذا الجلال فهو أهل لأن يُراقَب، وأهل لأن يُذكر.. فكأن ختام هذه الآيات تشجيع للعبد على أن يلتزم بالمراقبة الدقيقة المستوعبة لكل لحظة من لحظات الحياة.

إنّ التدبُّر في القرآن الكريم، هو مفتاح التكامل.. وهذه الآيات مفتاح الفلاح، لأنها تؤكِّد على عنصر جوهري، وهو مسألة المراقبة، والمراقبة متوقفة على معرفة المراقَب.. فإذن، علينا التدبُّر في هذه الآيات، واتخاذها ورداً في كلّ يوم.. لتكون عنصر ردعٍ وتذكير للمؤمن، كلّما أراد أن ينسى ربَّه جلَّ وعلا.

 

ارسال التعليق

Top