• ٢٦ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٠ | ٨ صفر ١٤٤٢ هـ
البلاغ

عظمة فريضة الحجّ

عمار كاظم

عظمة فريضة الحجّ

يقول تعالى: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (الحجّ/ 27). فرض الله عزّوجلّ على عباده فرائض عدّة، بعضها بدني كالصلاة والصوم، وبعضها مالي كالخُمس والزكاة، وجمعهما معاً في فريضة الحجّ فكان مشتملاً على الواجبات المالية كبذل الهدي. وعلى الواجبات البدنية كالطواف والسعي. وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدل على عِظم هذه الفريضة وأهميّتها عند الباري عزّوجلّ. وممّا يمتاز به الحجّ أيضاً أنّه عبارة عن زيارة لله عزّوجلّ، بذهاب الحاجّ والناسك إلى بيت الله تعالى زائراً له، وعبّر عنه في الروايات بضيف الله، وهذا شرف عظيم لمن تفكّر وفكّر في ذلك، وهذا بدوره يزيد في أهميّة الحجّ ومنزلته. الحجّ أعظم أركان الدِّين، وهو من أهم التكاليف الإلهيّة وأثقلها، وأصعب العبادات البدنية وأفضلها.. فالغرض الأصلي من إيجاد الإنسان معرفة الله والوصول إلى حبّه والإنس به، والوصول إليه بالحبّ والإنس يتوقف على صفاء النفس وتجرّدها. فكلّما صارت النفس أصفى وأشدّ تجرّداً، كان إنسها وحبّها بالله أشدّ وأكثر. وصفاء النفس وتجرّدها موقوف على التنزه عن الشهوات، والكف عن اللذات، والانقطاع عن الحطام الدنيوية، وتحريك الجوارح وإيقاعها لأجله في الأعمال الشاقة، والتجرّد لذكره وتوجيه القلب إليه.

وها نحن نستقبل شهور الحجّ، والتي فيها العشر من ذي الحجة، وهي خير أيام السنة، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما من أيام العمل الصالح فيهنّ أحبّ إلى الله من هذه الأيام العشر..»، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «ولا الجهاد في سبيل الله، إلّا رجل خرج بنفسه وما له فلم يرجع من ذلك بشيء».

ويرجع سبب تفضيل عشر ذي الحجة عن بقية أيام السنة لاجتماع أُمّهات العبادة فيها من صلاة، وصيام، وصدقة، والحجّ الذي لا يأتي مجتمعاً مع غيره من العبادات إلّا في العشر من ذي الحجة، وبها يوم عرفة الذي يباهي الله سبحانه وتعالى ملائكته باجتماع عباده للتضرع إليه بالدُّعاء، وهو خير يوم يدعو فيه العباد ربّهم سبحانه وتعالى، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «خير الدُّعاء دعاء يوم عرفة»، وهو اليوم الذي يتكرّم الله فيه على عباده، فيستجيب لهم ويشهد ملائكته بالغفران لمن بذل وتضرّع في هذا اليوم، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما من يوم أكثر عتيقاً من النار من يوم عرفة».

فعلينا أن نحسن استقبال هذه الأيام المباركة بالتوبة الصادقة، والعزم على اغتنامها، بكلّ سُبُل الطاعة المتاحة حتى نجني الخير الكثير إن شاء الله. وما أجمل أن نتفكر في مناسك الحجّ لنأخذ منها دروساً وعِبراً في تطويع النفس، على طاعة الله سبحانه، حتى ولو لم نكن من الذين أنعم الله عليهم بزيارة بيته الحرام هذا العام، ومع هذا نستطيع أن ننهل من مدلولات الحجّ، وأسراره، ما يغيرنا إلى الأفضل.. فالعبادات المفروضة علينا هي نفسها التي فُرضت على صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن تأثيرها عليهم أعظم من تأثرنا نحن بها؛ لأنّهم أدركوا وفقهوا الحكمة وسرّ كلّ عبادة، فبرغم الانتهاء من العبادة أو النسك، إلّا أنّهم يحيون ويتحرّكون بأثره عليهم في فكرهم ومعاملاتهم، وهذا ما لا نحسنه نحن، وكأنّ أثر العبادة ينتهي منّا بمجرد انتهائنا من أدائها، ونعود من العمرة والحجّ بآثار مادّية، من حلق رأس أو تقصير، أكثر منها آثار على الروح والخلق، ولهذا لم نسجل في صفحات تاريخنا مجداً يذكر في شهورنا وسنواتنا، كما مُلئت نفس الشهور بأحداث مشرقة وبطولات مجيدة، حفرت في صفحات تاريخ صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

ارسال التعليق

Top