• ٣ حزيران/يونيو ٢٠٢٠ | ١١ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

عندما يظلم الفلسطينيون أنفسهم

د. إبراهيم أبراش

عندما يظلم الفلسطينيون أنفسهم

في ظل الانقسام والمناكفات السياسية وبوعي أو بدون وعي يظلم الفلسطينيون أنفسهم ظلماً فادحاً لا يقل خطورة عن ظلم الاحتلال لهم، وذلك من خلال ما يمارسونه ضد بعضهم البعض، أفراداً وأحزاباً، من اتهامات وتشكيك عبر وسائل التواصل والإعلام تصل أحياناً لدرجة التخوين والتكفير. إن كان كلّ طرف فلسطيني يسعى من وراء تخوين وتكفير خصمه والتشكيك بشرعيته تسجيل نقاط لصالحه ليكسب مزيداً من الأنصار أو ليخفي سلوكاً خاطئاً تجاه الشعب أو في تعامله مع إسرائيل، أو ليبرئ ذمته من رداءة المرحلة ويُحملها للآخرين، أو لتسجيل موقف ينال إعجاب أحد المحاور العربية والإقليمية التي تمده بالمال إلخ، إلّا أنّ كلّ الأطراف تتجاهل تأثير هذا النهج من التشكيك ببعضها البعض على صورة الفلسطينيين عند العالم وما يستفيده العدو من خلال توظيف ما تتناقله وسائل الإعلام الفلسطينية الحزبية من معلومات عن بعضها البعض ليبني عليها إستراتيجيته في حربه الشاملة عسكرياً وثقافياً ونفسياً ضد الفلسطينيين.

ليس هذا فحسب بل إنّ صورة الفلسطينيين تتضرر كثيراً عند شعوب العالم وخصوصاً العربية، حيث تنقل وسائل الإعلام الرسمية ما يتناقله الفلسطينيون عن بعضهم البعض ويضخمونه ويزيدونه ليبرروا من خلاله تقاعسهم عن القيام بواجبهم القومي تجاه الشعب الفلسطيني وليبرروا أيضاً التطبيع مع إسرائيل رسمياً وبالخفاء، كما أنّ موقف الشعوب العربية المؤيدة للفلسطينيين يصبح ضعيفاً عندما يدافعون عن الفلسطينيين ويطالبون حكامهم بالتحرك لنصرة الشعب الفلسطيني، هذا ناهيك عن تفكيك وضعف جبهة التأييد العالمي للفلسطينيين.

إنّ الأحقاد والضغائن والحسابات الحزبية الضيقة تعمي بصيرة الأحزاب وبصيرة بعض الكَتبة والعاملين في وسائل الإعلام بحيث يشوهون صورة الشعب وهويته وتاريخه عندما لا يُظهرون من الفلسطينيين إلّا الوجه القبيح كأُناس يتصارعون على السلطة والمال والمصالح الشخصية ويتحوّلون إلى مرتزقة في خدمة هذه الدولة أو تلك، وتتوارى صورة الفلسطيني الفدائي والمناضل والمجاهد والملايين ممّن يعملون من أجل الوطن بصمت، ويغيب تاريخ طويل من النضال المُشرف والمعاناة طوال أكثر من قرن من الزمن، بل أحياناً تطغى أخبار الخلافات الداخلية على أخبار ممارسات الاحتلال وجرائمه.

في خضم خلافات حركة حماس مع حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية بسبب الصراع على السلطة وانعدام الثقة والاتهامات الموجهة لحركة فتح بأنّها اعترفت بإسرائيل وتنسق أمنياً معها إلخ يتم تجاهل التاريخ المُشرّف لحركة فتح التي أطلقت الرصاصة الأولى ضد إسرائيل وفجرّت الثورة الفلسطينية المعاصرة واستنهضت الهوية الوطنية وثبتت اسم فلسطين دولياً وقدّمت الآلاف من الشهداء والأسرى والجرحى حتى قبل أن تظهر حركة حماس إلى الوجود، وفي المقابل وفي خضم خلافات تنظيم فتح مع حركة حماس يتم تجاهل أنّ حركة حماس ليست فقط تنظيم إخوان مسلمين انقلب على الشرعية الفلسطينية وتسعى لفصل غزة عن الوطن وصيرورتها أداة بيد كلّ مَن يقدّم لها المال، بل هي حركة تقاتل العدو الإسرائيلي وقدّمت العديد من الشهداء والجرحى والأسرى  ومقاتلوها وموظفوها جزء من الشعب الفلسطيني، والأمر ينطبق على بقية الفصائل الفلسطينية.

إنّ أكثر السياسيين والكُتّاب بذاءة وذماً وتخويناً لخصمهم الوطني هم الأقل وطنية وفهماً ومصداقية، بل إنّ بعضهم يبالغ في التحريض وإثارة الفتنة ليخفي فشله وفساده إن لم يكن تواطؤه  مع إسرائيل، ومَن يتهم خصمه الوطني بالخيانة العظمى أو بالكفر ويُثير الكراهية بين أهلنا في الضفة وأهلنا في غزة إنّما يقطع الطريق على أية فرصة للمصالحة الوطنية وبالتالي يعزز حالة الانقسام.

لذا فإنّ الخطاب السياسي الفلسطيني الحزبي والشعبي يحتاج إلى إعادة تهذيب وتقويم وإلى تحريره من أسلوب البذاءة السياسية. إنّ الزعامة واكتساب صفة الوطنية لا يتأتيان من خلال خطاب سياسي موتور وحاقد بل من خلال سلوك وطني في اتجاهين: الأوّل تجاه الاحتلال من خلال مواجهة ومقاومة سياساته الاستيطانية والعدوانية بما هو ممكن ومتاح من أشكال المواجهة في إطار إستراتيجية وطنية، والثاني تجاه الداخل الوطني من خلال العودة للشعب وانجاز الوحدة الوطنية، وللوحدة الوطنية مداخل متعدّدة غير تقاسم مغانم سلطة ليس فيها من مقومات السلطة الحقيقية إلّا فتات من المال المشبوه .

الشعب الفلسطيني كان وما زال وسيبقى عظيماً ونبيلاً وسياسة كي الوعي التي تمارسها إسرائيل ونخب سياسية فاشلة وأنظمة عربية ليفقدوا الفلسطينيين ثقتهم بأنفسهم وبعدالة قضيتهم لن تنجح تماماً حتى وإن وقع تحت تأثيرها البعض بسبب الفقر والبطالة والأيديولوجيات المشبوهة. لو قارن الفلسطينيون حالهم بحال كثير من دول العالم من حولهم والتي لا تخضع للاحتلال كما هو حالهم، ولو استحضروا تاريخهم المُشرف في النضال العسكري والبناء الحضاري في الدول التي يتواجدون فيها في الشتات، ولو أخذوا بعين الاعتبار أنّهم لوحدهم يواجهون إسرائيل أقوى قوّة عسكرية في الشرق الأوسط والرابعة على العالم، وأنّ عددهم داخل فلسطين التاريخية يتساوى مع عدد اليهود، وأنّه حتى اليوم لم يجرؤ أي مسؤول أو قائد فلسطيني من كلّ الأطراف والاتجاهات على التنازل عن الثوابت الوطنية.

 لو أخذ الفلسطينيون بعين الاعتبار كلّ ما سبق فسيستعيدون الثقة بأنفسهم وسيدركون أنّهم من أنبل وأفضل وأعظم شعوب الأرض وأنّ ما يجري لهم ومعهم مجرد حالة طارئة لا تعبر عن أصالتهم وحقيقتهم، هذا ينطبق على كلّ الشعب الفلسطيني داخل الخطّ الأخضر وفي الشتات وفي الضفة والقدس وفي غزة الصابرة والصامدة على ما ابتليت به من نُخب سياسية عاجزة وفاشلة ومن احتلال تقف غزة شوكة في حلقه فلا هو قادر على كسرها وهضمها ولا هو قادر على تجاهلها.

ارسال التعليق

Top