• ٧ كانون أول/ديسمبر ٢٠٢٢ | ١٣ جمادى الأولى ١٤٤٤ هـ
البلاغ

في انتظار جيل جديد من الجامعات

د. أمينة التيتون

في انتظار جيل جديد من الجامعات

تسعى الجامعات حول العالم إلى التجديد ومواكبة التغييرات المتسارعة على جميع الصُّعد، ولا سيما تلك المتعلقة بالتطورات التكنولوجية التي عادة ما تلقي بظلالها على المجتمعات، فتغير من طبيعتها ومن احتياجاتها، وتفرض معايير مختلفة للدور الجديد الذي تلعبه الجامعة بصورة تلائم نظم العيش والعمل بكل ما يتصل بذلك من طرق تواصل وسكن وطاقة ومواصلات وغذاء وأمن.

هكذا انتقل عديد من الجامعات من جيل إلى جيل وبات الحديث الحالي حول جيل جديد متوقع من الجامعات يكون بمنزلة الفضاء الديناميكي المنفتح على التجديد، والمحفز للمشاركة المجتمعية من خلال التشبيك والتمكين والتصنيع وريادة الأعمال وأنشطة أخرى ذات قيمة، تفضي في النهاية إلى تعزيز الموقف التنافسي على الصعيدين العالمي والمحلي وتؤثر إيجابياً على التنمية الاقتصادية المحلية في المناطق الأقل نمواً، ولا تقتصر على تخريج مهنيين وعلماء، بل تقوم بإعداد روّاد أعمال ومبدعين ومشاركين في مختلف جوانب الحياة، مستعينة بقيادة إحترافية وخبرات محلية.

 

* الجيل الأوّل من الجامعات

حسبما يشير ويسيما، أستاذ التجديد وريادة الأعمال الفخري بجامعة دلفت للتكنولوجيا بهولندا، في كتابه "نحو جامعة الجيل الثالث"، إنّ جامعات الجيل الأوّل بدأت في العصور الوسطى منبثقة من ميراث المدارس اللاتينية كأكاديمية أفلاطون والمدرسة المشائية التي أسسها أرسطو، وكان هدفها الأساسي التركيز على التعليم بنقل الحقائق القائمة والدفاع عن حكمة الماضي بلغة لاتينية، عبر محاضرات ومناقشات ومحتويات كتب ومعرفة تحفظ وتسترجع دون التفكير في إنتاج معرفة جديدة.

ونجحت هذه الجامعات في تخريج متخصصين في إطار توجه عالمي. ومن أوائل جامعات هذا الجيل جامعة بولونيا التي أسست عام 1088 في إيطاليا. ومع بداية القرن الخامس عشر، حدثت تحولات على أثر بداية حركات فكرية جديدة في عصر النهضة كالحركة الإنسانية التي أكدت على الكرامة الإنسانية والحرّية وقيمة الفرد.

وشهد القرن السادس عشر مراجعة للأسس الدينية، ساهم فيها مارتن لوثر؛ وفي القرن اللاحق، شهدت الجامعات اهتماماً بالطبيعة، وبرز نيوتن وسواه من العلماء، وبزغت العلوم التطبيقية كالهندسة، ثمّ امتدت التغيرات حتى عصر التنوير مع نهاية القرن الثامن عشر ليولد جيل جديد من الجامعات.

 

* تعليم وبحث

تعد جامعة هومبولت في برلين التي أسست في عام 1810 أشهر جامعات الجيل الثاني التي أضافت البحث العلمي كهدف جديد إلى جانب هدف نقل المعرفة، وراحت تكتشف الطبيعة من خلال علوم أحادية استهدفت تخريج مهنيين وعلماء، واعتمدت اللغات المحلية لتصبح ذات توجه محلي.

وفي وقت لاحق من القرنين التاسع عشر والعشرين، ركزت الجامعات على البحوث التجريبية وأصبحت فاعلة مؤثرة في معترك الثورة الصناعية، وراعية للتفكير العلمي المنطقي بعيداً عن سيطرة الفكر الديني؛ ولكن سرعان ما تعرض هذا الجيل من الجامعات لضغوط متزايدة تعلقت بمتطلبات الجودة مع ارتفاع أعداد الطلاب بدرجة كبيرة منذ الستينيات الماضية، واستحالة الإدارة بالطرق التقليدية، وفرض ظهور العولمة ضغوطاً أخرى تطلبت التصدي للمنافسة على مستوى الطلاب والأكاديميين والبحوث.

كما شهدت الجامعات بدايات الاهتمام بالبحوث على أساس علوم بينية متعددة التخصصات، وارتفعت تكاليف البحث العلمين وتزايدت تحديات وجود مؤسسات ومراكز بحثية خارج الجامعة ككيانات منافسة؛ بالإضافة إلى قوائم المطالبات الحكومية الداعية لأن تلعب الجامعات دوراً فعالاً في التنمية الاقتصادية القائمة على التكنولوجيا لخدمة اقتصاد المعرفة، وانفتحت من جانب آخر فرص تعاون بحثي مع القطاع الصناعي، ورعاية وتعاون داعم لريادة الأعمال من جانب شركات تكنولوجيا معلومات، وهكذا انطلقت الدعوة لتبني الجيل اللاحق من الجامعات.

 

* ريادة الأعمال

قادت جامعة كمبردج الجيل الثالث من الجامعات في بداية فترة انتقالية عرفت بما بعد الحقبة الصناعية، أو ما وراء الآلة، حيث ظهرت منتجات ومفاهيم جديدة كخدمات الإنتاج وخدمات ما بعد البيع، وتحول كثيرون من التصنيع إلى قطاعات الخدمات والتجارة والتمويل والتصنيع الإبداعي.

وعمت ثقافة قائمة على الاتصالات والعلاقات الاجتماعية، واتخذت الجامعة صيغة مؤسسية لا تقتصر على نقل المعرفة والبحث العلمي، بل تقوم بحزمة من الأنشطة المتنوعة. وشهدت هذه الفترة تقدماً ملحوظاً للمجالات الاقتصادية والانسانية ودراسات المستقبل والرقمنة على العلوم الطبيعية والعلوم الهندسية التقليدية.

وفي ضوء ذلك، أضاف هذا الجيل من الجامعات هدفاً جديداً يقوم على خلق قيمة من خلال تطبيق المعرفة وتجديد الأسواق وتجسير الفجوة بين الجامعة والقطاع الصناعي، وبين الجوانب النظرية والجوانب العلمية، لتخريج مهنيين وعلماء ورواد أعمال.

وتبنى هذا الجيل من الجامعات تعليماً قائماً على علوم بينية متداخلة باللغة الإنجليزية، تحت إدارة إحترافية تجيد التواصل مع المؤسسات والمراكز المختلفة في الداخل والخارج، محلياً وعالمياً؛ وأصبحت من معالم جامعات الجيل الثالث، حضانة الأعمال والحدائق التكنولوجية، ومنصات التواصل واسعة النطاق.

 

* الجيل المنتظر

في الوقت الذي لا تزال جامعات عالقة في ممارسات الجيل القديم التي لا تتخطى التعليم والبحث العلمي، تحاول جامعات أخرى اللحاق بجامعات ريادة الأعمال والجامعات المنتجة للمعرفة الجديدة، وتلك التي تسعى إلى خلق فرص لتحسين الواقع المحلي من الجيل الرابع الجديد.

وتشير الأدبيات المتعلقة بتطور الجامعات إلى قرب ظهور هذا الجيل الذي سيغلب على ملامحه المدخل الاستراتيجي، والقدرة على التجديد، وطرح الحلول الإبداعية لمشكلات حقيقية، مما يعيد تشكل البيئات المحيطة، ويفتح مجالاً لدعم الأفكار الجديدة، ورعاية التنوع والتعددية والتقاء مختلف الشبكات.

ومن المتوقع أيضاً في هذا الجيل الجديد من الجامعات، ألّا يقتصر البحث والتطوير فيه على الأساتذة والطلاب، بل يشمل مدى واسعاً من المشاركين الخارجيين أفراداً ومؤسسات.

كما لن يقتصر العمل على أساتذة موظفين، بل ستعمل مجموعات مختلفة على تحديد المشكلات وحلها في مناطق متباينة، إلى جانب المشاركة في التدريب والتدريس والمشروعات البحثية. وستكون من مهام الجامعة المنتظرة، صياغة الأهداف والغايات للبحوث، وتطوير نماذج ومفاهيم أساسية، وإطلاق مبادرات، والاهتمام بقضايا الإدراك والذكاء الجمعي واستخدام التكنولوجيا في التفكير، ودمج الذكاء الاصطناعي بالذكاء الإنساني، والواقع الحقيقي مع الواقع الافتراضي، وإثراء التعلم الذاتي والهوايات الافتراضية، وتأسيس منصات التشبيك الاجتماعي الرقمية، ورعاية مختلف الخلفيات الثقافية والمستقبلات المحتملة.

وإذا كانت بعض هذه الملامح موجودة بالفعل في الجيل الحالي – الثالث – من الجامعات بقدر ما، حيث تدعو بعض الجامعات، على سبيل المثال، معلمين ومتعلمين من مصانع ومجالات أخرى لتبادل الخبرات وتسريع عملية التجديد من ناحية والاستفادة القصوى من إمكانيات الجامعات من ناحية أخرى، غير أنّ المتوقع من جامعات الجيل الجديد أكثر بكثير؛ فوفقاً لرؤية بعض الجامعات، ستحتوي جميع البرامج الدراسية على خمسين في المئة مادة تطبيقية عملية، وجميع المعرفة النظرية ستقدم عبر الإنترنت، وسيكون جميع الطلاب جزءاً من فريق عمل طلابي، وسيصمم التعليم على أساس مواصفات فردية للمتعلم، وسيكون تفكير النظم هو المدخل الكلي الأساسي للتحليلات المركزة على طريقة ارتباط مكونات النظام بعلاقات، وكيفية عمل النظم في سياق نظم أكبر.

ومما لا شكّ فيه أنّ السنوات القادمة ستشهد مزيداً من تبلور ملامح جامعات الجيل الرابع وما يمكن أن يصاحبها من تحديات ومواجهة مزيد من التجديد والتغييرات التي تحملها المستقبلات المجهولة.

 

* أكاديمية من البحرين

ارسال التعليق

Top