• ٣ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ١٢ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

كيف تفسد حياتك؟

كيف تفسد حياتك؟

إفساد الحياة حقّ معترف به لكلّ إنسان ولكن أي فائدة نجني منه؟ هو فن مؤذٍ نكرّس له الكثير من الطاقة ونسلك فيه طريقاً مملوءاً بالحفر. نحن نفسد حياتنا لأنّنا نفكّر بطريقة سيئة ولا نغير شيئاً أو لأنّنا نتصرف بطريقة غير مناسبة. كيف. السبيل للخروج من هذا السجن؟ ومتى يجب التخلي من عادة التشبث بأمور لا تفيدنا؟

 

فيما تعتقده شفاؤك أو دمارك

التشبث ليس رديفاً للمثابرة أو الشجاعة. التشبث هو شكل من العناد الذي يرهق صاحبه ويتسبب بالأضرار، للنفس وللغير، في حين أنّ المثابرة أو الشجاعة يدعمان جهوداً فعّالة بهدف إحراز تطور ممكن وقابل للقياس. أعني بالتشبث الاحتفاظ بشكل عنيد بمفهوم أو بموقف ما على الرغم من عدم فاعليته وعدم فائدته وتعكير المزاج الذي يتسبب به.

قد نتشبث بـ:

-         فكرة نؤمن بها من دون أن نتأكد من صحّتها فنفكر بطريقة مغلوطة.

-         موقف نفسي لا نزيح عنه حتى لو كان مزعجاً، فنراوح مكاننا.

-         سلوك لا يقود إلى الهدف المرجو ولكننا نكره بشكل منافٍ للمنطق ونتشبث به.

 نحن نتعرف بسهولة إلى خطأ الآخر المتشبث بآرائه إلى درجة أنّنا لا نرى الخطأ الأكبر الذي قد نرتكبه والذي يعمي بصيرتنا. فهل نحن منطقيون على الدوام؟ من الداخل، يبدو لنا الجواب إيجابياً، وككلّ الناس نستمر في ملاحقة هدف بحكم العادة وفي الاحتفاظ برأي بحكم الجمود فلا نتخلى عن أحكامنا المسبقة. نحكم أحياناً من دون أن نعرف حقاً وننتقد من دون أن نفهم ونعتنق آراءً من دون أن نفكر بها... فهل هذا مفيد حقاً لنا؟

نحن نصدّق أشياء كثيرة. وحتى نتقدم بالحياة يجب أن نستند إلى أفكار مثبتة. كما في المجال العلمي مثلاً، نقبلها من دون أن نضطر إلى اختبارها بأنفسنا. نعلم أنّ الأرض تدور حول الشمس، نؤمن بهذا من دون أن نشك فيه لأنّنا نملك ما يكفي من العناصر لنعلم أنّ هذا الاعتقاد ثابت في حين أنّه معرفة. بالطريقه ذاتها، نتعلم الأحداث التاريخية بوصفها بديهيات حتى لو أمكن مراجعتها أحياناً، نعتبرها حقيقة من دون أن نحتاج إلى العودة إلى الوثائق التاريخية. كيف نميز بين المعرفة والمعتقد؟ المعايير التي نستخدمها، من دون أن نفكّر بها بالضرورة، لإسناد معتقداتنا تحمل طبيعة متنوعة ولا تتسم دائماً بالموثوقية التي ننسبها إليها.

نحن نمنح ثقتنا للأفكار التي نتعلمها في بيئة جدية كالمدرسة أو الجامعة، فنصدّق ما يقوله أساتذتنا ونكرره وتنشره وسائل الإعلام ما يعزز الاعتقاد الجماعي بالحقائق كما بالأخطاء التي يتفوهون بها. نحن نمنح ثقتنا لما هو مكتوب ويكفي أحياناً أن نرى فكرة مطبوعة حتى نعتبرها قيمة، في حين أنّ الكثير من الترهات موجودة في الكتب! وهكذا لقدتم الاعتراف بأخطاء علمية فظيعة لأنّها كانت مكتوبة ومنشورة. الكثير من الناس يصدقون ما يجدونه على الإنترنت ويعتقدون أنّ المعلومات تنظّم نفسها بنفسها. وللأسف، إنّ الكثير من المواقع، وبالأخص المدونات، تضم كلّ شيء وأي شيء، فما من لجنة تحكيم أو قراءة تضبطها. كما أنّ لا أحد يجهل تأثير التلفزيون في العقول وبالأخص حين يدعو "الخبراء" إلى التكلم في موضوع ما. ونصدّق كذلك ما يؤكده لنا الناس الذين نحبهم، فالعاطفة التي نكنها لهم تشكل نوعاً من ضمانة بالنسبة إلينا قد تقودنا أحياناً إلى الهاوية. ونصدّق أيضاً غاليبة ما يقول ضمن بيئتنا الاجتماعية ونخضع من دون أن ندري لتأثيرات الناس الأقوى ونتبعهم من دون تفكير.

وهكذا، فإنّ مراجعنا هشة نسبياً والخطأ وارد دائماً. ويترسخ فهمنا للعالم ويحتول ما نعتقده إلى إيمان لا نعود نخضعه للشك. من دون وعي منا، نفلتر الأحداث حتى لا تهز أفكارنا التي يعمل الزمن على تأكيدها. هذا هو أساس معتقداتنا وهي تبدولنا بديهية طالما أنّ لا شيء يبعث حقاً على مراجعتها.

لكن، ذات يوم، يقع حدث يهزنا، ولا تعود تصوراتنا الداخلية كافية لتفسير ما يجري معنا. كما أنّ معتقدانتا لا تعود متطابقة حقاً مع الواقع الذي يفرض نفسه علينا، فتشكل كابحاً لتطورنا. وهنا يحين وقت التفكير فيها ولكن هذا يتطلب جهداً إذ ليس من السهل مراجعة أمور آمنا بها لزمن طويل.

منذ بدء الخليقة والإنسان يفكّر فيما يساهم في تحقيق سعادته. الحكماء والفلاسفة والعلماء وعلماء الاجتماع والنفس قد انكبوا على هذه المسألة. وثمة تيارات حديثة في عالم النفس تحاول أن تدخل نهجاً منظماً في هذا المجال ولكن معيار الحياة السعيدة موجود في كلّ مكان. فالشاشة الصغيرة تقدمه لنا مخلوطاً بكلّ شيء: حتى تكون سعيداً يجب أن تطبخ مثل الطباخ الماهر وتزيّن منزلك مثل مهندس الديكور وتقتني ألعوبة ممتعة وغير ضروية وهكذا دواليك. قد لا نهتم للأمر ونقول إنّ هذا مفيد للاقتصاد ولكن انتبه.

للرسائل الواضحة أو الخفية التي تؤطر حياتنا. ما من شيء أصعب على التحديد أكثر من السعادة، التي يجب أن تكون معيارها شخصياً بالكامل، أي لا معيار لها لأنّها مستمدة مما يخصنا وحدنا. قد يشكل الإيمان بالأشباح لعبة ممتعة جداً ولكن أن تعيش في منزلك وأنت تعتقد أنّه مسكون بمجرد أن تسمع طقطقة أو نافظة تطرق هو مثال على الأضرار التي تنجم عن الحفاظ على مفتقد خاطئ ومضر على الرغم من أي إثبات علمي على خطئه.

وكذلك بالنسبة إلى العلاقات الإنسانية: حين تظن أنّ شخصاً ما يناقضك بهدف الاعتداء عليك أو تدميرك يعني أنّك تقوم بتفسير قد يكون حقيقياً أحياناً ولكنه باطل في أكثر الأحيان، فالناس الذين يعترضون على ما تقوله يفعلون هذا غالباً انطلاقاً من أسباب شخصية لا تهدف إلى الإساءة إليك بالتحديد. لكن الإنسان مركزي الذات بطبيعته، ويضع نفسه في وسط أي تفسير ويصدق بأنّ شخصاً ما يخسر منه في حين أنّ المسألة مخالفة تماماً.

ليس من السهل التمييز بين فكرة حقيقية وأخرى خاطئة! وفيما بتعلق بالإنسان وبالمعتقدات التي تساعده على إيجاد السعادة أو التي تفسد حياته، تكون الحقيقة صعبة جداً وحتى أحياناً مستحيلة. فما من منفعة في هذا الاتجاه، إذ يبقى المعيار الأساسي هو الأثر الذي تتركه هذه الأفكار فينا. بعضها يريحنا وبعضها الآخر يؤذينا وبعضها الأخير لا يعني لنا شيئاً. وسواء أكانت قابلة للإثبات أو مشتركة بين الكثير من الناس، فإنّ تأثيرها لا علاقة له مع صحّتها الذاتية.

فلنأخذ مثال الطب بالأعشاب، بعضهم يؤمن به وبعضهم الآخر يحاربه وينتقده. الفريقان يمارسان حقهما والنقاش بينهما يشبه المجابهة المباشرة أحياناً وعملية تدمير متبادلة حيث لا يحاول أي منهما فهم أو تقييم تفكير الآخر بشكل موضوعي. بيد أنّ أثر "البلاسيبو" ليس خرافة ومن الغناء أن نسخر منه. فالكثير من الدراسات العلمية تثبت كم أنّ الاعتقاد بفاعلية علاج معين يحعله شديد الفاعلية ويتخطى هذا الأثر خزانة الأدوية المتنوعة.

تمتلك المعتقدات سطوة هائلة، فهي قادرة على أن تشفي أو على أن تدمر.

 الاعتقاد بالطب التقليدي أو بالطب البديل أو بنهاية العالم أو بأنّ بعض الأمور فأل حسن وسواها فأل سيئ وأنّ المال يجلب السعادة وأن الربيع يأتي مع السنونو... لا فرق، المهم أن نحظى بالأثر المنشود.

وفي هذه المرحلة، إذا كنا نرغب في أن نفسد حياتنا، ولو كان هذا على مستوى الأفكار فقط، ينبغي بالتالي أن نظل أوفياء لمعتقدات تجلب إلينا التعاسة ولا تخدمنا في شيء. فلنتشبث بالأفكار التي تجعلنا نشعر بالعار أو التي تخيفنا أو تغضبنا أو تحبسنا في داخل تعاستنا وتجعل كلّ محاولات العمل عقيمة، فلنتشبث بها بثبات ومثابرة حتى الشلل. سنأتي على دراسة بعض هذه الأفكار وسنعطي مثالاً هنا عن فكرة بسيطة وهي الاعتقاد بأنّ الآخرين أكثر سعادة منا، في حين أنّنا في مجتمع يعطي أهمية كبرى للمظاهر، وحيث نكون مجبرين على الظهور بمظهر السعادة بينما نحن لا نشعر بها في الداخل. يكفي أن نؤمن بما نراه حتى نقنع أنفسنا بأنّنا وحيدون في حزننا أو اكتئابنا. هذه الآلام الصغيرة والتي ترافق كلّ الناس، لا يمكن التعبير عنها بسهولة، لكننا لا نبذل جهداً للتأكد من صحّتها لأنّنا نعتمد على "فيسبوك" مثلاً لنرى السعادة التي ينشرها أصحاب الصفحات، في حين أنّهم يكتمون تعاستهم حقيقة. 

ارسال التعليق

Top