• ٢٢ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٠ | ٤ صفر ١٤٤٢ هـ
البلاغ

كيف تنتشر الابتكارات في المجتمع؟

محمد قاسم عبدالله

كيف تنتشر الابتكارات في المجتمع؟
 
 إنّ فهم الطريقة التي تنتشر فيها الأفكار الجديدة والممارسات العملية الاجتماعية في المجتمع أو انتقالها وبثّها من مجتمع إلى آخر، له تأثيره المهم في التغيير الشخصي والاجتماعي. التقدّم المتميّز في تكنولوجيا الاتصال يوسّع وينشر بسرعة الآثار الاجتماعية لعملية الانتشار الاجتماعي Social Diffusion (أي انتشار السمات والمنتجات الثقافية والتجديد بالاستعارة أو الهجرة أو بالتعلم ووسائل الاتصال من منطقة إلى أخرى أو من جماعة إلى أخرى في المنطقة عينها).
 
- الشبكات الاجتماعية والتبنّي للجديد:
يرتبط الناس بشبكات من العلاقات الاجتماعية Social Networks تضمّ رفاق العمل، وأعضاء المنظمات والمؤسسات، والأصحاب والأصدقاء... وهم لم يرتبطوا بعلاقات شخصية من الطراز الأول بطريقة مباشرة؛ فالكثير من الأشخاص يرتبط بهم الفرد بطريقة غير مباشرة؛ وتتضمّن البنى الاجتماعية مجموعات من الشبكات الاجتماعية التي ترتبط في ما بينها، كما هو الحال بين الأشخاص. وقد تختلف هذه الشبكات الاجتماعية من العلاقات من حيث عدد نوع الروابط الاجتماعية بين المجموعات. وقد يكون للأفراد عدد كبير من المجموعات بينها عدد متنوع من العلاقات والوظائف. ويختلف الناس، من حيث مراكزهم التي يشغلونها ضمن شبكات العلاقات الاجتماعية. إنّ الآراء التي تصور هؤلاء الناس تتأثر بدرجة كبيرة بآراء وسلوكيات الأفراد الذين يتفاعلون معهم أكثر من الأفراد الآخرين الذين تربطهم علاقات سطحيّة.
أشار روجرز إلى الدور المسيطر لشبكات التواصل الاجتماعي في تبنّي المبتكرات والجديد من المنتجات والمعارف. تصل المعلومات والدعاية المتعلقة بالأفكار والأدوات الجديدة في معظم الأحيان من خلال عدد كبير من العلاقات وأشكال التفاعل. لقد شدّد روجرز على نضج التواصل البينشخصي Interpersonal communication وآثاره. يشترك الناس في المعلومات، كما يقدّمون معاني عن طريق التغذية الراجعة التي تحصل خلال التغير الحاصل والفهم المتزايد في ما بينهم. يقدّم تحديد قنوات التأثير التي تنشرها المبتكرات والجديد فهماً إضافياً إلى عملية انتشارها. لقد حلّل كرانوفيتر (Granovetter 1983) قوة العلاقات البنائيّة، مفترضاً أنّ الجديد والمبتكرات من المنتجات ربما تنتشر بشكل مكثف عبر العلاقات الاجتماعية الضعيفة. قد يكون سبب ذلك التناقض أو الأثر المتناقض هو أنّ الناس الذين تربطهم علاقات قوية يملكون وجهات النظر والآراء عينها حيال الأشياء والموضوعات أو المبتكرات، كما يتبادلون التأثير في ما بينهم. وعلى العكس من ذلك، فإنّ الذين تربطهم علاقات ضعيفة ميالون إلى الدخول في شبكات اجتماعية يمكنهم أن يتعلّموا فيها الكثير من الأشياء المتنوعة؛ فالبعض يتعلّم ويكتسب أفكاراً وممارسات جديدة في علاقاته المتكررة والمتنوعة أكثر من العلاقات الثابتة مع المجموعات أو الأفراد عينهم. وتتيح العلاقات بين هذه المجموعات المزيد من انتشار التجديد وتبنّيه بالرغم من العلاقات الضعيفة. ومثل هذه العلاقات الضعيفة قد تزيد بالفعل من درجة الترابط الاجتماعي بحيث يتعرف هؤلاء على بعضهم ويتم التساؤل عن شخص غير معروف، أو جديد بالنسبة إليهم، مما يزيد من المعرفة الشخصية؛ فالعلاقات الاجتماعية الضعيفة والقوية تؤدّي وظائف متنوعة لناحية انتشار الجديد. يبدو أثر بناء الشبكة الاجتماعية في انتشار التجديد والمنتجات الجديدة، أكثر تعقيداً مما يبدو للوهلة الأولى. وهناك تساؤل حول، أي نوع من الشبكات أكثر ميلاً إلى انتشار التجديد؛ ويستمر الناس في أنشطتهم خلال السياق الاجتماعي إذا يتمّ الكثير من التعارف. إضافة إلى ذلك، فإنّ كل فرد، إضافة إلى علاقته الاجتماعية الثابتة، له شبكات اجتماعية متبدلة باستمرار: في السوق والتسوق، في الحي، مع الجيران، في النادي، في الشارع.. وله مع كلٍّ منهم علاقة بنائيّة من نوع ما.
إنّ الشخص الذي يكون له دور محوري ورئيس في شبكة اجتماعية معيّنة Social Network، يكون له دور ثانوي في أخرى. لقد أوجد كاتز (Katz 1983) الآثار الناتجة عن العلاقات المهنيّة أثناء العمل في المرحلة الأولى للانتشار، وخلال العلاقات بين الأصدقاء في المراحل الأخرى والبديلة.
يحتاج فهم الدور الذي تلعبه شبكة العلاقات الاجتماعية في انتشار التجديد Diffusion of innovations إلى أساس نظري وبحوث كثيرة؛ ويجب قياس البنى الاجتماعية قبل بدء انتشار الجديد. وتخدم خصائص الشبكة الاجتماعية، كمتنبّىء بدرجة ونوع السلوك الذي يتمّ تبنّيه ونوع التجديد الذي تتم ممارسته. والهدف هو شرح سلوك التبنّي والتنبؤ به، أكثر مما هو لتحديد الطرق التي ينتشر فيها. ولإجراء مثل هذه البحوث والمقاييس، نُواجه بعدة تساؤلات منها: أي الناس نرجع إليهم لإجراء هذه الدراسات والمقاييس؟؛ خصوصاً أنّه لا توجد شبكة اجتماعية واحدة في المجتمع تخدم لتحقيق تلك الأغراض المطلوبة، خصوصاً إذا تعلق الأمر بنوع الشبكات الاجتماعية، ونوع الجديد والمبتكر المنتشر فيها؛ فالتجديد يرتبط بشبكات اجتماعية متنوعة أيضاً؛ فقد تبيّن أنّ أساليب التربية (تربية الأطفال)، وكذلك المتبتكرات والمنتجات الزراعية، تنتشر ضمن شبكات اجتماعية محدّدة في المجتمع؛ فدرجات تبنّي التجديد يمكن التنبؤ بها بشكل أفضل عن طريق الشبكات الاجتماعية التي تخدم جزئياً مبتكراً أو تجديداً معيّناً أكثر من شبكات التواصل الاجتماعي العام. إنّ تقدير كون الأشكال المختلفة للمبتكرات والتجديد لا ينتشر في الشبكة الاجتماعية نفسها؛ ولا يتضمّن القول عدم وجود مبادئ عامة لوظيفة الانتشار وعلاقته بالبناء الاجتماعي؛ فإذا تبيّن وجود أنشطة متنوعة في جماعة أو شبكة اجتماعية معيّنة، فإنّنا نستدلّ على إمكان انتشار التجديد والمنتجات المبتكرة في ما بين أعضائها بالدرجة نفسها؛ وإذا أدّى التجديد وظيفة عالية، فبإمكانه الانتشار في حيِّز كبير بين أعضاء هذه الشبكة الاجتماعية وجد دارلي (Darly 1978) أنّ الأشخاص الأوائل من الذين تبنّوا التجديد، قد نشروا هذا الجديد بين أصدقائهم أولاً ثمّ بين رفاقهم في العمل، ولكن ليس بين الجيران الذين يقتربون منهم ولا تربطهم بهم علاقات اجتماعية.
أشارت معظم الدراسات التي أُجريت حول بحث العوامل المختلفة المؤثّرة في سلوك التبنّي إلى أنّ طريق انتشار التجديد ومجراه، يتمّ فهمه بشكل أفضل من خلال فهم المحدّدات النفسية الاجتماعية psychosocial determinants وخصائص الجديد والمبتكر الذي يتم تبنّيه وانتشاره، وفهم البنى الاجتماعية. يجب إدخال المحدّدات النفسية الاجتماعية والبنى الاجتماعية (تركيب الشبكة الاجتماعية) لسلوك التبنّي، كعوامل أساسية في نظرية انتشار التجديد.
لقد بُذلت بعض الجهود العلمية لتقدير العوامل المتعلّقة بشبكة العلاقات الاجتماعية ودورها في تبنّي الجديد؛ وقد أشرنا إلى بعضها في هذا السياق. لقد أظهر روجرز، أنّ الشبكات الاجتماعية تؤثّر من حيث عدد العلاقات والروابط الاجتماعية بين أفرادها أكثر من نوع هذه العلاقات؛ وبيّنت الدلائل أنّ الناس الذين لهم عدد كبير من العلاقات الاجتماعية أكثر ميلاً إلى تبنّي التجديد من أولئك الذين لهم علاقات ضعيفة أو محدودة. وتزيد معدلات تبنّي الجديد بازدياد الناس الذين لهم علاقات وشبكات اجتماعية متنوعة تتبنّى هذا الجديد؛ كما أنّ العلاقات المتنوعة قد تسرّع من تبنّيه لأنها تقدّم معلومات أكثر واقعيّة ونتائج اجتماعية كبيرة. وربما يكون الناس الذين يتصفون بعلاقاتهم المغلقة أكثر تلقّياً للأفكار الجديدة من الناس المُبعدين أو الغرباء اجتماعياً؛ وفوق ذلك، فإنّ الناس الذين يرتبطون بهم اجتماعياً ويتبنّون الجديد أكثر تواصلاً وإياهم وأكثر حديثاً معهم. إنّ التقليد والتعلّم الاجتماعي ورؤية نماذج بإمكانها وحدها أن تزيد من سلوك تبنّي الجديد مثلما أكّد باندورا. وبالرغم من أنّ الدراسات والمقاييس السيكومترية التي أُجريت قد نظّمت في ضوء الناس الذين يتحدثون مع بهضمن، إلا أن قياس الروابط الاجتماعية يقدّم دليلاً على دور الاقتداء بنموذج (التعلّم الاجتماعي) وأثر العلاقات البينشخصية (الشبكات الاجتماعية) في انتشار التجديد.
 
- الآثار الاجتماعية للتجديد وانتشاره:
يجب على تحليل انتشار التجديد والمبتكرات أن يميّز بين العوامل النفسية – الاجتماعية التي تميّز سلوك التبنّي عند الأفراد، وبين أثر التبنّيات والممارسات الأخرى الكثيرة في المجتمع في العموم. وقد تخلق تجديدات ومنتجات معيّنة صناعات جديدة أو تبدّل الممارسات المؤسساتية أو تعيد تشكيل أنماط الحياة؛ وتطور الكمبيوتر والمعلوماتية أحد الأمثلة على ذلك؛ لكن الفوائد دائماً تكون على حساب الآثار غير المرغوبة. وعلى سبيل المثال، التلفزيون التفاعلي، والحواسيب المنزليّة، ستمكّن الناس من التسويق والمعاملات المالية والحجز وتبيان الآراء حول بعض الموضوعات وهم في منازلهم. وجميع المعلومات عن آراء الناس وعاداتهم وقيمهم وأحوالهم المالية مخزّنة في الكومبيوتر. وستتيح التقارير المخزّنة في الحواسيب عن أفعال الناس إمكان تحديد الكيفية التي تؤثّر فيها على سلوك الناس. وجذبت الآثار الاجتماعية للتجديد والمنتجات المبتكرة والأفكار الحديثة الانتباه في البرامج المصممة لنشر التقنيات الغربية في المجتمعات النامية. ويساعد الكثير من هذه التقنيات والمنتجات الغربية الجديدة التي يتمّ تبنّيها وممارستها، في تحسين حياة الناس، هذا، بالرغم من أن بعض هذه التقنيات والمنتجات المستوردة قد ينتج آثاراً مناوئة للمجتمع وإفقاراً للثقافة بدلاً من إغنائها. لقد وُجِّه الكثير من الانتقادات إلى المذاهب الإيديولوجية الموجّهة إلى هذا التغيير عبر الثقافي Cross-Cultural change. وغالباً ما تهدف البرامج التكنولوجية إلى تحديث المجتمعات في صورة الغرب عبر التدفق متعدّد التوجهات. وكثيراً ما تمّ تعريف التحديث في ضوء التمدن والتحضير والتصنيع. ويسرِّع النموذج الصناعي للتحديث من الاعتماد على الاستيراد الأجنبي والتكنولوجية والخدمات؛ وعندما يتمّ إنتاج تكنولوجية جديدة بدون إعادة بناء للظروف الاجتماعية التي تضبط وتوجه انتشارها، فإنّ البرامج التنموية التي تتوجّه إلى البضائع العامة تسرِّع من المشكلات الاجتماعية وتضخّمها. لقد بيّن هافينز وزملاؤه (Haveens and others 1975) أنّ إنتاج التكنولوجية الزراعية قد وسّع من التفاوتات والتناقضات الاجتماعية والاقتصادية: كما أن نمو هذه البرامج، بدلاً من أن يزيد من المشاركة والتقارب الاجتماعي والاقتصادي أفقدها الكثير من المزايا؛ وثمة طرق ساعدت على تفاوت القوى داخل البناء الاجتماعي.
شدّد جوس (Goss 1979) على وجوب تقييم برامج الانتشار في ضوء التوزيع الاجتماعي للفوائد والمزايا وفي ضوء الاستعمال المتكرر. أنّ مؤشر التوزيع بحدّ ذاته، لا يقدّم بالضرورة دليلاً على كيفية انتقاء الجديد والمبتكرات التي بإمكانها أن تلبّي الحاجات بشكل أفضل، أو حول أحسن تطبيق لها وممارسة. والتوزيع عينه الذي للفوائد والخيرات التي تُحدث المنتجات الجديدة والمبتكرات قد ينظر إليها بشكل مرغوب أو غير مرغوب استناداً إلى الحكم على منفعتها أو منظورها العادل والمنصف. ويُعتبر عدم العدل والإنصاف في توزيع منافع التكنولوجية الزراعية بالنسبة للمزارعين كما يُنظر إليها في ضوء التطبيقات عبر الثقافية الحضارية وفي المجتمعات المختلفة، صدمة ثقافية اجتماعية.
تبتدع قوى النمو والتطور عن طريق بثّ المبتكرات وانتشار التجديد؛ فبإمكان التجديد وتطبيق المبتكرات أن يحدّد سهولتها وسرعة انتشارها. وتزود مثل هذه القوى بمساعدات كبيرة لأولئك الذين يتصفون بأنهم الأفضل لأنهم يميلون إلى أن يكونوا معروفين وأكثر شهرة. إنّ تحليل الانتشار عبر الثقافي للتجديد والمبتكرات يدحض ثلاث قضايا بحاجة إلى حلّ هي: قيم ومذاهب البرامج التنموية الموجّهة، وطريقة تطبيقها، وطبيعة نظرية انتشارها. وعندما يثنقل التجديد والأنماط الثقافية الاجتماعية بدون أن يخدم الناس جيِّداً، فإنّ الخطأ يقع في الأساس على المذهب أو العقيدة التي ينتشر من خلالها الجديد.
في مثل هذه الحالات، تدخل المبتكرات والتجديد ثقافة المجتمع بحيث تخدم الخارجين (الذين ليسوا من المجتمع) أكثر من خدمتها لسكان المجتمع الأصليين.
عندما يكون تجديد ما أو منتج معيّن عمليّاً وفعالاً في المجتمع المتلقّي، ولكن فوائده قليلة بالنسبة لسواه من المجتمعات، فإنّ العيب والخطأ يقع في الممارسة والتطبيق.
يجب النظر إلى تطور أو تعديل القوة الاجتماعية لتأكيد فرص تسهيل التجديد كجزءٍ من المبتكرات والمنتجات الجديدة كالتكنولوجيا ذاتها. يصبح المطورون تقنيين ومبدعين بحيث يحدثون تغيّرات في المجتمع بغض النظر عن الآثار الاجتماعية لعملهم. في الغالب يُنظر إلى المحدّد الاجتماعي لأسلوب الانتشار في ضوء الحاجة المتزايدة والانتشار لكامل النظام الاجتماعي. وربما يحتاج المجتمع إلى تغيّرات رئيسة؛ لكن حالما يُحدث المجددون والمبدعون تغييرات مجتمعية مباشرة، فإنّ القواعد المتنوعة تزوّد بتبريرات ومسوّغات لهذه التغيُّرات الحاصلة.
يتطلب نمو التجديد والمنجزات الإبداعية والمنتجات الحديثة المهمة في العادة توظيفاً ووقتاً طويلاً وجهوداً كبيراً. لذا يجب أن تعتمد نوعيّة التطور والرقي الإنساني جزئياً على الأقل، على العلماء وجهود المبدعين والمجددين. وقد أكّد على ذلك الكثير من علماء النفس أمثال روجرز ووليم جيمس. قال وليم جيمس: "لا تفعل الإنسانية شيئاً إلا بمبادرات المبدعين الذين يقلّدهم البقية منّا، إنّ الإبداع هو العامل الوحيد الفاعل في التقدّم الإنساني؛ فالأفراد العباقرة يدلّون على الدرب ويضعون التخطيطات التي يتبنّاها عامة الناس، ويقطفون ثمارها".
بعض التحديات والمنتجات الاقتصادية مثلاً، بالرغم من منافعها العالية، قد تبقى غير منظورة أو ثابتة، لأنّ المجتمع يعمل بإرادته على إخمادها أو إيقافها. ويكون التجاهل والإهمال كبيراً في حالة التكنولوجية النفسية – الاجتماعية، وكثيراً ما يُساء استخدام هذه التكنولوجية من أجل الضبط الاجتماعي.
لا تقدّم التكنولوجية فوائد اقتصادية كثيرة لأنّ المعرفة النفسية عادة تنظّم العمليات والتقنيالت الاجتماعية للتأثير في التغيّر الشخصي والاجتماعي، أكثر من إنتاج منتجات سوقية ومادية مباشرة. ونتيجة عدم التوازن في النمو بين هذين المجالين: المادي التقني والنفسي والاجتماعي، فإنّ القدرة على إيجاد تكنولوجية مادية ذات آثار مؤذية يسبق ويفوق القدرة الاجتماعية على ضبطها وتسيرها بشكل إيجابي لخير الإنسان. وهنا تبرز المسألة الأخلاقية المتعلقة بجدوى العلوم الاجتماعية والنفسية وفوائدها للإنسانية. وقد أكّد أوغست كونت أنّ الإنسان استطاع إصلاح أحواله المعيشية والمادية عبر طريق دراسة العلوم الطبيعية والتقنية، وأحواله الصحية عن طريق العلوم الحيوية، لماذا إذن لا نتوقع الخير وراء دراسة العلوم الاجتماعية والإنسانية؟
هذه العلوم حديثة النشأة وهي لم تدخل المرحلة الوضعية التجريبية إلا حديثاً، ولو أتيح لها من التقدّم وجهود الباحثين والسياسيين مثل الذي تحقق للعلوم الطبيعية لاستطاعت أن تقدّم إلى الإنسانية الخير والتعايش السلمي بدلاً مما هي مفتقرة إليه الآن.
أكّد أجرن منذ عام 1922 على ما أسماه التخلف الحضاري (تأخر العلوم الإنسانية والاجتماعية عن العلوم الطبيعية والحيوية)؛ فالإنسانية تقدّمت في مضمار الصناعات والمنتجات التقنية والمبتكرات المادية حتى بلغت حد الاقتدار على التدمير والتخريب الهائل واسع النطاق، على حين أنها لا تزال متخلفة في ميدان العلوم النفسية والاجتماعية حتى إنها لا تزال حتى الآن عاجزة عن أن يساكن بعضها بعضاً في سلام وأمن. وهذا التخلف هو السر في تعاسة البشرية وشيوع الحرب والويلات الاجتماعية والآثار السلبية للمبتكرات والمنتجات المادية الجديدة (مخول 1982).
 
- الانتشار الثقافي – الاجتماعي:
تواجه المجتمعات بصورة مستمرة عوامل وضغوطات من أجل تغيير بعض ممارساتها التقليدية وذلك لتحسين نوعية حياتها. وليس بالإمكان تحقيق هذه الفوائد بدون بعض العادات التحصينية والتنظيمات الاجتماعية والتقنيات الحديثة والتجديد. تحمل فوائد هذا التغيير نفقات وتكاليف؛ وقد تتمّ العمليات الأساسية التي تغطي انتشار التجديد في المجتمع بشكل مشابه لإعلان ونشر الأفكار والممارسات الجديدة داخل المجتمع وثقافته. ومع ذلك، هناك بعض الفروق؛ فالممارسات الغريبة نادراً ما يتمّ تبنّيها بشكل كامل. فوق ذلك، فإنّ الأشياء المستوردة الداخلة إلى المجتمع تكون مركّبة من أنواع محلية وأخرى جديدة بشكل متفاعل وهناك أمثلة عديدة توضح التجانس الوظيفي بدلاً من إعادة التكرار نفسها لطريق التبنّي، وتقاوم الاعتراض القوي لانتشار السلوك من ثقافة أو مجتمع إلى ثقافة أو مجتمع آخر بدلاً من تبنّيها وانتشارها في الثقافة والمجتمع عينهما.
 
1- عوائق التغيير:
قد يخلق تبنّي ممارسات جديدة مبدئياً آثاراً سلبية تُعتبر عقبات أمام التغيير؛ بعضها يتعلق باكتساب العمليات عينها خلال المراحل المبكرة للتغيّر والانتقال. ومن أجل تعلُّم طرق وأنماط جديدة للحياة، يحتاج الأمر وقتاً طويلاً وجهوداً كبيراً للتخلص من الروتين؛ ويقاوم الناس الدخول في عمليات وممارسات مضجرة لتطوير عادات جديدة. ويتضمّن تبنّي التجديد مهارات معقدة قابلة للتعلم ببطء. إضافة إلى ذلك، هناك المطاليب التي يفرضها الأداء الجديد والآثار الناتجة عن طرقها غير المألوفة. وعندما يكون هناك تأخير بين السلوك التجديدي وبين فوائده، فإنّ إرادة محاولة ممارسات جديدة ستضعف؛ وإذا قدّم الجدي فوائده آنيّاً، فسيتم الترحيب بالتغيّر. لكن الطرق لا يمكن نقلها من مُناخ إلى آخر بدون تجريب؛ إذ إنّ التطبيقات الأولية غالباً ما تكون موضع جدل والنجاح لا يمكن بلوغه إلا بعد تكييفات وتصحيحات متعددة تتيحها الممارسة في المُناخ الجديد. وحتى بعد تبنّي الممارسات الجديدة ضمن الظروف والحاجات المحلّية، فإنّ الفوائد التي بالإمكان جنيها ليست قابلة للملاحظة بسهولة؛ ذلك أنّ تقدير الفوائد أمرٌ معقد بسبب الوظائف الاجتماعية المتداخلة مع بعضها بدرجة وثيقة، وغالباً ما يحدث تغيّر مرغوب في مجال ما آثاراً متفاعلة، يظلّ الناس حذرين حول ممارستهما الخاطئة. كما أن أكثر العقبات أو العوائق في وجه التغيير النفسي – الاجتماعي، يحصل من قِبَل المجموعات المتميّزة وصاحبة الامتياز والمركز، فإنّ الوائ الحاصلة من التدبيرات الاجتماعية الموجودة تخلق اهتماماً شرعياً بالحفاظ عليها.
 
2- مقوِّمات برامج الانتشار:
تتطلّب الجهود الناجحة لإنتاج التغيير الثقافي الاجتماعي عوامل دافعيّة وبنائيّة تعمل على تجاوز الشروط والظروف غير المواتية وغير المرغوبة من أجل تبنّي الطرق الجديدة المرافقة للتغيير؛ فبرنامج الانتشار الناجح يتألف من أربع مراحل هي:
1- إنتقاء المكان النموذجي لإنتاج التجديد والمنتجات المبتكرة والتغيير.
2- إيجاد الظروف الضرورية الممهّدة للتغيير والتجديد.
3- تطبيق البرامج بفعاليّة.
4- توزيع التجديد والمنتجات المبتكرة أو التغيير لمناطق أخرى من خلال النماذج والأمثلة الناجحة.
يُلاحظ أنّ بعض العناصر الاجتماعية في المجتمع أكثر تقبلاً للطرق والأشياء الجديدة من البعض الآخر. كما أن بثّ ونشر أشياء وممارسات جديدة إلى أناس يرفضونها، يُحدث آثاراً سلبية. إنّ التجديد والممارسات الجديدة والمنتجات المتطورة أفضل تقديماً في المواقف والحالات التي يرغب الناس في محاولتها وممارستها بإرادتهم، ويخدم نجاحهم اللاحق باعتباره مظهراً ونموذجاً لأولئك الذين رفضوها في البداية بسبب عدم تأكدهم من نتائجها. وقد تحمل الفوائد الحاصلة قوة كبيرة أكثر من النصح والتحذير لتجاوز مقاومتها.
تزيد الشروط والظروف السابقة للتغيير من خلال وعي الناس ومعرفتهم للتجديد والتغيير والمبتكرات. إنّهم في حاجة إلى مزيد من المعلومات عن هذه التجديدات والمبتكرات ومزاياها وكيفية تبنّيها وممارستها وآثارها في حياتهم. ويخدم كلٌّ من المعرفة الشخصية والإعلام في إثارة اهتمام الناس بالتجديدات والمبتكرات.
غالباً ما تفشل برامج التغيير الاجتماعي والثقافي، لأنها لم تساير ولم تنبثق من المرحلة السابقة الهادفة إلى إخبار الناس وتعديل اتجاهاتهم نحو التجديد. ويفترض التركيز على تغيير الاتجاه باعتباره خطوة أساسية لبثّ الجديد ونشره أنّ الاتجاهات تُعتبر محدّداً أساسياً للسلوك ومقدِّماً رئيساً فيه. وقد أثبتت الدراسات أنّ السلوك يتعدّل بتعدّل الاتجاهات. ويتمّ كلٌّ من تعديل السلوك والاتجاهات بصورة جيِّدة عن طريق خلق الظروف التي تسرّع من حدوث السلوك المطلوب. وبعد أن يتصرّف الناس بطرق جديدة، فإنّ اتجاهاتهم تحدّد سلوكهم وأفعالهم. من جهة أخرى، فإنّ الإقناع بمفرده Persuasionغير كافٍ لتحقيق سلوك تبنّي التغيير والتجديد. ولتأكيد التغيير الاجتماعي، يجب خلق الظروف والشروط النموذجية لتعلم الأساليب والممارسات الجديدة، وتزويد الدوافع والحوافز الإيجابية لتبنّيها ودعمها في النظا الاجتماعي. ويُستخدم الإقناع والحوافز الإيجابية كدوافع مهمة أيضاً؛ كما أنّ تطبيق برنامج التغيير الاجتماعي الثقافي يتطلّب نقل الأداء والفعاليات المطلوبة من الأفراد كي يحصل تبنّي التجديد. هذا أحد المظاهر الرئيسة للعملية، خصوصاً عندما يتضمّن التجديد تقنيات جديدة وطرقاً حديثة وأساليب لفعل أشياء يومية أكثر من مجرد تعديل ممارسات موجودة مسبقاً؛ فإذا وجب تعلُّم أشكال السلوك، حينئذٍ يكون تزويد نماذج الأداء والكفاءة مهارات ضرورية في سلوك تبنّي التجديد. وأهم التقنيات السلوكية المعتمدة في تطبيق سلوك التبنّي هي مبادئ نظرية التعلُّم الاجتماعي ومنها: الملاحظة والتعلم بالاقتداء والتقليد، والتشريع الموجّه، والمباشرة والتطبيق الذاتي للمهارات المتعلّمة.
هناك الكثير من المهارات الفرعية التي تنتظم بشكل هرمي تسلسلي للحصول التعلُّم المطلوب والتقدم فيه؛ وأكثر هذه المهارات الفرعية والأنشطة تكون منظّمة بطريقة سهلة إذ يتم إتقانها عبر خطوات متسلسلة تصاعدية، بعضها موجود في أشرطة الفيديو، وبعضها في الإعلام، وبعضها رمزي وجميعها تساهم في تعلّم التجديد وممارسته (عبدالله، 1988).
 
3- التواصل والتجديد وانتشار الأفكار والمهارات:
يتسع مدى الانتشار الاجتماعي من خلال تكنولوجية الاتصال المتنوعة؛ فأجهزة الفيديو، يمكنها أن تصور كل مظاهر الحياة ونقل المعلومات والأنشطة المتنوعة عن طريق التواصل بالكومبيوتر. وقد تسرِّع أجهزة الكومبيوتر بقدرتها التخزينيية الهائلة، كثيراً من المعلومات والخدمات المتنوعة؛ كما أنّ الاتصال عبر المحطات الفضائية Satellite يعمل على نقل المعلومات بشكل آنيّ فوريّ إلى كلّ الأمم؛ وعندما تتفاعل هذه الآليات التكنولوجية في الاتصال تقدّم نظاماً يساعد في التعلُّم ونقل التجديد بشكل فوري وهذا ما يحصل عبر شبكة الإنترنيت Internet.
 
4- البثُّ عبر المحطات الفضائية، والتعلُّم بالملاحظة والاقتداء بنموذج خارج الثقافات:
يُعتبر التلفزيون الأداة الفعالة للنمو الإنساني وإغنائه؛ فبإمكانه أن يعلّم الناس الطرق والمنتجات الجديدة، ويوسع مداركهم، ويبيّن لهم الأشياء المؤثّرة في حياتهم. يُستعمل التلفزيون في الواقع العملي في الأغراض التجارية والاقتصادية أكثر من استعماله في التقدّم الثقافي والشخصي. وحتى في الدول التي تستعمل أجهزة البثّ فإنّها محكومة بهذا الاتجاه، واستناداً إلى الأغراض التجارية والإعلانية والدعائية الاقتصادية يتمّ تشكيل قرارات البثّ والانتشار. وقد ركّز الجدل حول الدور الذي يلعبه الإعلان الإلكتروني في التغيير الثقافي داخل المجتمع نفسه على محتوى وكميّة تدفق الآثار والنتائج التلفزيونية؛ كما أنّ أكثر الأقطار تتبنّى أجهزة تلفزيونية دون أن تملك ضمانات إنتاج مناسبة لدعم احتياجاتها وبرامجها؛ وهكذا يتمّ انتقاء المحطة أو البرنامج المبثوث يومياً.
أُجري الكثير من الدراسات حول الآثار التي يحدثها التلفزيون في القيم والسلوك والتفكير. بالإمكان تقدير أثر التلفزيون الأجنبي على عادات المجتمع عن طريق تحديد أشكال السلوك الغربية في الثقافة المحلية، مما يعني تعلّمها بالملاحظة والاقتداء وهذا ما يدلّ على انتقالها عبر الثقافات والمجتمعات.
لا يضعف نمو الإنتاج المحلي بالضرورة استناداً إلى حالة الاستيراد. وكثيراً ما يكون استيراد المنتجات الأجنبية أرخص وأقلّ تكلفة من إ نتاجها محلياً. والنتيجة الجوهرية هي أنّ الأشياء المستوردة كثيراً ما تحلّ بالقوة محل المنتجات المحليّة في المجتمع. ويشاهد الناس في كل بقاع العالم (الأوروبي، الآسيوي، الأفريقي، الأميركي، الأوسترالي...) المسلسلات التلفزيونية الأميركية للأعوام الماضية. لقد تقلّص استيراد البرامج والمسلسلات الأجنبية إلى حدٍّ ما، لكنّ الحماس الوطني لم يستطع أن يوقف تدفقها. وفي أكثر بلدان العالم الثالث، يشكّل الاستيراد نصف المنتجات التلفزيونية المحلية. وقد أثبتت عدة دلائل الطرق التي يؤثّر فيها التلفزيون في قيم الناس ومعتقداتهم وطرق تفكيرهم وسلوكهم. ومن وجهة نظر الاتجاه المعرفي الاجتماعي Social cognitive theory بالإمكان توقُّع قوة النموذج التلفزيوني الأجنبي وقيمته الوظيفية والعملية. وتزداد حالات تمثُّل المستوردات الأجنبية وتبنّيها (من أفكار ومنتجات جديدة) خصوصاً إذا كانت تلك المحلية أو الداخلية متخلّفة أو ضعيفة ما يدفع الناس إلى مزيد من تقبُّل الإنتاج الأجنبي باعتباره الجديدة والمتميّز. ويزداد معدّل تبنّي الجديد عن طريق فعالية النماذج التي تتمّ ملاحظتها والاقتداء بها في تحقيق الأهداف المرغوبة.
 
5- الانتشار (بثّ الجديد) في أماكن التسوق:
من بين كل الأشياء الجديدة والمستوردة، لا شيء أكثر عرضة للفحص والتمحيص من قِبَل الناس مثل المواد الاستهلاكية في السوق. ويصرف الكثير من الأموال والكثير من الوقت من أجل أن يتمّ قبول المنتجات الجديدة بسرعة فائقة في السوق. وبسبب الدور المهم الذي يلعبه التبنّي الأوّلي (الاعتماد المبدئي للجديد) في عملية الانتشار، فإنّ أكثر البحوث قد استهدفت تحديد الصفات المميّزة لأولئك الأشخاص الذين يكونون أول من تبنّوا الجديد وتقبّلوه في البداية؛ فإذا كانت هناك أنماط معيّنة من الأفراد أكثر تبنّياً وتقبّلاً للتجديد (الأفكار والمنتجات والمواد) عندها يمكن لعملية انتشارها أن تنطلق بقوة عبر الإعلام بسبب استعمالها الاعتيادي من قِبَل هؤلاء؛ وهذا بالتالي، سيؤثّر في الاستعمال العام لهذا الجديد والمنتج الحديث.
كما لاحظنا، فإنّ المحدّدات الأولية لسلوك تبنّي الجديد هي المؤثّرات والنتائج المرتبطة بالبيئة ومغرياتها، والرضى المرافق لها، والفوائد الملحوظة، والقيم الوظيفية والعملية لها، ومخاطرها الممكنة، وتقويمات الذات، والعقبات الاجتماعية الممكنة، والعوائق الاقتصادية.
هذه المحدِّدات والمقوِّمات المؤثّرة ستختلف من جديد إلى آخر ومن منتج إلى آخر ومن تجديد (فكري أو مادي) إلى آخر. إنّ المنتجات التي تكون أكثر عرضة للشك والحذر فيها، كالألبسة مثلاً؛ وفي حال المنتجات والمواد الغالية الثمن، فإنّ العوامل الاقتصادية تفوق قيمتها العوامل الاجتماعية. لهذا السبب ليس بالإمكان تعميم محدّدات الانتشار ومقوماته (المذكورة أعلاه) على كلّ المنتجات. وهناك مبرر يجعلنا نتوقع أن شخصاً ما يُعتبر مجدّداً في الأزياء الباريسية، سيكون مجدّداً أيضاً في رؤية المحطات الفضائية، وذلك استناداً إلى مبدأ مهم في علم النفس هو ثبات السلوك والتنبّؤ به.
أفضل تحليل لسلوك تبنّي التجديد، يتمّ في ضوء المحدّدات النفسية الاجتماعية Psychosocial determinants. وقد بيّنت بحوث عديدة أن قوة شراء المنتجات الجديدة إنما تتحدّد بالسمات الشخصية التي تهدف إلى تبنّي هذا التجديد. واستخدمت مقاييس أخرى دور الصفات الشخصية من خلال تقارير الذات Self-reports فتبيّن أن تقبُّل الجديد وتبنّيه مرتبط بإرادة الشراء، مع أنّ بعض التناقضات قد يحدث بين إرادة الشراء والسلوك الفعلي؛ فقد يوجد عند الشخص إرادة أو رغبة في الشراء لكنه لا يترجم ذلك عملاً. لذلك، فإنّ الدراسات المُستخدمة في هذا الموضوع يجب أن تعتمد على تقارير الذات والاختبارات والمقابلات المتنوعة كي تعطي نتائج موثوقة.
بكلمة، أثبتت كل هذه الدراسات أن تبنّي التجديد (من أفكار ونظريات ومنتجات جديدة) إنما يعتمد على تفاعل العوامل الذاتية (النفسية الاجتماعية) وعلى خصائص التجديد وتبنّيه وعلى سيكولوجية الاتصال.
 
·       باحث واختصاصي نفسي إكلينيلي من سوريا– أستاذ مساعد الصحة النفسية.

ارسال التعليق

Top