• ٢٧ أيار/مايو ٢٠٢٠ | ٤ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

كيف نعيش السعادة الحسية؟

ميثم السّلمان

كيف نعيش السعادة الحسية؟

لدينا خياران في بلوغ السعادة الحسية:

الخيار الأوّل: السعادة الحسية المحدودة: وهي سعادة اللذة الجسدية كلذة الطعام والشراب والجنس وهي لذة يشترك فيها الإنسان والحيوان وهي سعادة وقتية، ولو طلبت لذاتها لأدّى ذلك إلى الإسراف فيها، ثمّ إلى فقد الإحساس باللذة، وقد تنتهي بالألم والمرض، فتحققها ليس من السعادة بشيء.

وتتحقق هذه السعادة أيضاً بمشاهدة المناظر الجميلة وسماع الأصوات الجميلة ولمس القماش الناعم والراحة والدعة. ولذا نلاحظ أنّ القرآن يسعى لنقلنا إلى عوالم السعادة الحسية في الآخرة على مستويات متعددة:

1-    سعادة حس البصر:

قال تعالى: (وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) (الواقعة/ 22-23).

2-    سعادة حس السمع:

قال تعالى: (لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا) (الواقعة/ 25-26).

3-    سعادة حس الذوق:

قال تعالى: (بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) (الواقعة/ 18).

وقال تعالى: (وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) (الواقعة/ 20-21).

4-    سعادة الراحة:

قال تعالى: (عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ) (الواقعة/ 15-16).

الخيار الثاني: السعادة الحسية الكاملة: وهي أن نرى كل جمال تصويري من خلال الحواس انعكاساً لجمال الله وكلّ لذة حسية في دائرة المباحات هدية من عند الله. نحن نلتفت إلى المشاهد الجميلة والأصوات اللطيفة ونعيش لذائذ عديدة، ولكن هل تُذكرنا هذه الالتفاتات الحسية بالله أم لا؟

فالمطلوب من الإنسان أن يصل إلى الخيار الثاني أي الوصول إلى السعادة الحسية الكاملة. وعليه أن يربط بين كلّ مشهد جميل وبين الله ويربط بين الجمال في التصوير وبين الله وأن لا يرى جمالاً في الأرض إلا ويعتبره انعكاساً جزئياً لجمال الله المطلق. فالإنسان إذا رأى مشهداً جميلاً وقال: سبحان الله. فهو يربطه بما أنتجه الصانع. بل يسبح باسم الصانع وهو الله سبحانه وتعالى، وإذا رأى في وجهه جمالاً لا ينبهر بهذا الجمال بل يصل إلى نتيجة أنّ هذا الجمال ما هو إلا انعكاس جزئي لجمال الله المطلق.

المرأة مظهر لجمال الله أيضاً، فالمطلوب منها إذا سعُدت بهذا المنظر أن تعيش سعادة حسية كاملة ولا تفصل بين هذا الجمال وبين جمال الله سبحانه وتعالى. والمطلوب أن يكون الربط دائماً مع الله في كلّ مشهد جميل وفي كلّ صوت جميل وفي كلّ طعم جميل.

عندما آكل التفاحة وأتلذذ بطعمها لماذا لا أتذكر ربي لأنّه أسعدني حسياً بهذه التفاحة؟ عندما أرى منظراً جميلاً هل أنبهر بالمنظر وأغفل بظاهر المنظر عن باطن المنظر؟ باطن المنظر يتمثل في قيمة المصوِّر وفي كمال الخالق والبارئ لهذا المنظر، فالمشكلة تكون عندما ننعزل ولا نبني جسراً بين المُنتج وبين الصانع والله سبحانه وتعالى اختار لنفسه اسم الصانع، والصناعة الإلهية تُمثِّل الكمال وأنت في كلّ الأحوال عندما تشتري مُنتجاً تلتفت إلى الماركة وتلتفت إلى المُصنِّع والله هو الصانع وينبغي أن نلتفت إلى أنّ الله سبحانه وتعالى الذي يُتقن صنعه، (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) (النمل/ 88). وإذا التفتنا إلى المنتج وقدَّسنا المُنتج ولم نُقدِّس المُصنِّع الذي أنتج المنتج فإننا لا نعيش سعادة حسية بل إنّ الحس هنا يعزلنا عن الله سبحانه وتعالى لذا ينبغي دائماً أن نرجع إلى الله سبحانه وتعالى.

تعرفون أنّ الصانع هو الموجد للشيء من العدم أي إنّ الله سبحانه وتعالى هو المُخترع فكيف بي إذا رأيت منظراً جميلاً أن لا أُقَدِّر هذا المخترع وأن لا أحترم حق الملكية؟! كل المصانع اليوم لديها ملكية حكرية لفكرة المنتج، ولديها احترام اعتباري للصانع وللمخترع فكيف بي لا أُبدي هذا الاحترام الاعتباري لهذا المخترع الذي اخترع الكون وجمال الكون ورفع السماء ووضع الأرض وصنع كلّ جميل فيها؟ فيجدر بي أن ألتفت التفاتة معنوية لهذا البعد.

 

لماذا التركيز على السعادة الحسية؟

نشعر بالسعادة الحسية من خلال الحس أما قناتا السعادة المعنوية فهما القلب والعقل. فالعقل هو القوة الإدراكية في الإنسان. والقلب هو العقل الجامع للإنسان الذي يحمل الذكريات والعواطف والوجدان والتجارب. والإنسان عليه أن يبني جسراً ما بين القلب والعقل إذا أراد أن يثبت على موقفه.

والسؤال الآن لماذا يركز القرآن هذا التركيز كله على السعادة الحسية؟ فإذا كان أمير المؤمنين (ع) يقول بما معناه بأنّ السعادة المعنوية هي ألذ ما في الآخرة. فلماذا هذا التركيز على أوصاف الجنة (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ) (محمَّد/ 12)؟

في هذه الآية وأمثالها تصوير، كأنّ الإنسان يدخل ليرى لوحات فنية أو يدخل في مسرحية ذهنية أو يدخل في سينما تصورية ليرى الجنة ويرى صورة حسية خلابة. (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) (الرحمن/ 68)، والجنة فيها ما لا أذن سمعت، ولا عين رأت، ولا خطر على بال بشر، وهنا التركيز على اللذة الحسية.

هل لأن لذائذ الجنة والسعادة الحسية في الجنة أكثر من السعادة المعنوية، أم هناك سبب آخر؟ واقعاً القرآن يركز على هذه الأبعاد لكون الإنسان خلق حسياً أكثر من كونه عقلياً والإنسان حسي بالطبع يلتفت إلى الصورة ويلتفت إلى الكلمة.

 

الغذاء المادي والمعنوي:

نحن للأسف في الغالب ما نلتفت إلى الغذاء المادي ولا نلتفت إلى الغذاء المعنوي. الغذاء المادي وإن كان في بدايته جميلاً من ناحية التصوير الحسي ومن ناحية الإثارة الحسية وربما تأجُيجه للقوة الشهوية فيحرك الإنسان لينال اللَّذة المرتبطة بتلك الشهوة. ولكن تأملوا في التفاحة ففي بداية تناول التفاحة ربما يرى الإنسان صورة جميلة ويتلذذ بطعم جميل ولكن نهاية هذا الغذاء بعيد كلّ البعد عن اللّذة. والغذاء الروحي بدايته صعبة وقد لا يستشعر الإنسان لذة حسية، ولكن عند نهايته يجد لذة معنوية تفوق كلّ اللذائذ.

ومن هنا فإنّ اللذة الحسية مدفوعة بشهوة لتحقق المنفعة الجسدية بينما تكون اللذة المعنوية مدفوعة بدافع عقلي غير شهواني لتحقق اللذة المعنوية. ومن هنا فإن شرط أن يسعى الإنسان للذة الروحية هو أن يلتفت بعقله إليها. والمشكلة تكون بالتفاتنا إلى الذائذ الحسية، وغفلتنا وافتقار قلوبنا للذائذ المعنوية. ومتى ما التفتنا إلى اللذائذ المعنوية فسوف نسعى إلى السعادة المعنوية.

 

السعادة الحسية والأنماط السائدة:

ما هو المطلوب لنعيش السعادة الحسية؟ البشر بطبيعتهم يميلون إلى نمط مفضل في التلقي المعلوماتي وفي التبادل المعرفي وفي الإستجابة الوجدانية، فهناك من يفضل رؤية الصورة، وهناك من يفضل الاستماع إلى الكلمة، وهناك من يفضل كتابة الرسالة، ولذلك هناك نمط سمعي وبصري وحسي.

وفي التعاطي مع السعادة الحسية، تارة تكون سعادة الإنسان في رؤية لوحة فنية لبيكاسو، أو ليوناردو ديفنشي فسعادته البصرية في رؤية لوحة، أو في رؤية منظر خلاب كشلالات نياجرا في أمريكا، أو في رؤية منظر جميل. وتارة تكون سعادته الحسية سمعية بسماع كلمة جميلة بهدوء أو بالإستماع إلى شلال الماء.

وتارة تكون سعادته ذوقية بتذوق الاطعمة والفواكه، فكل إنسان يستجيب لنمط معيّن وتلاحظون بأن غالبية المجتمعات الغربية لها تقديم للنمط البصري في بلوغ السعادة. وفي تصوير السعادة. لماذا؟ لأنّ البيئة هي التي تحكم، وهي التي تفضل. وعلى سبيل المثال: إنسان يعيش في جنوب فرنسا، أو في "كان" ويرى شلالات جبالٍ وبحر فكل الصور البصرية جميلة جدّاً ومحسوسة. فمن الطبيعي له أن يستجيب اكثر للذائذ البشرية وبصور الجمال وبصور اللذة البصرية.

 

المصدر: كتاب صناعة السّعادة

ارسال التعليق

Top