• ١١ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢١ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

كيف نفهم شهر رمضان؟

كيف نفهم شهر رمضان؟

نحن نفهم شهر رمضان من خلال تعريف المولى له بقوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة/ 185). نفهمه علاجاً للجهل، نفهمه شهر ندوات ومحاضرات علميّة في الإذاعة والتلفزة والمساجد والأندية الثقافية، يحاضر فيها علماء في مختلف فروع العلم ويتناولون فيه المعاني الكامنة في كتاب الله العظيم، وفيه تبيان كلّ شيء.

نحن نفهم شهر رمضان شهر عبادة، وطلب كلّ علم مفيد هو من أرقى درجات العبادة. فلقد مرّ الرسول (ص) على مجلسين فرأى أحدهما يدعو الله سبحانه وتعالى، ورأى الثاني يعلَّم الناس فيه فقال: أمّا هؤلاء فيدعون الله تبارك وتعالى ويرغبون إليه، فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأمّا هؤلاء فيعلّمون الناس، فرغب عن المجلس الأوّل وجلس مع أهل المجلس الثاني وقال: "إنما بُعثت معلّماً". والأحاديث في فضل العلم كثيرة منها:

-         "اغْدُ عالماً أو متعلِّماً أو مستمعاً أو محبّاً ولا تكن الخامس فتهلك".

-         "الناس اثنان: عالِم ومتعلّم. وما عدا ذلك همج رعاع لا يعبأ بهم الله".

-         "طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة".

-         "فقيه واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد".

-         "من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع".

-         "مَن طلب العلم كان كفّارة لما مضى".

-         "من سئل عن علم ثمّ كتمه أُلجم يوم القيامة بلِجام من نار".

-         "الكلمة الحكمة ضالّة الحكيم فحيث وجدها فهو أحقّ بها".

-         "نضّر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأدّاها، فرُبَّ حاملِ فقه غير فقيه، ورُبّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقه منه".

-         "نضّر الله امْرءً سمع منّا شيئاً فبلّغه كما سمعه، فرُبَّ مبلِّغ أوعى له من سامع".

-         "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله له به طريقاً إلى الجنّة، وما اجتمع قوم في مسجد من مساجد الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّت بهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده. ومن بطأ به علمه لم يسرع به نسبه".

أما أن يغدو شهرُ رمضان كما يفهمه بعضهم اليوم مع الأسف، شهر المآدب السخيّة يُدعى إليها الأغنياء ويُحرم منها الفقراء، شهراً يتحضّر له الصائمون بكلّ ما لذّ وطاب من مأكل ومشرب ليملأوا به شرّ وعاء من أذان المغرب إلى الفجر، فهذا ليس من الصيام في شيء.

وفي الصوم وقاية وشفاء من عقدنا النفسية، في طليعتها عقد الحرص والشّحّ. فشهر رمضان هو شهر الزكاة والإحسان، والصيام وقاية وشفاء من عقد التعالي والغرور. ففريضة الصوم، كبقيّة أركان الإسلام، تساوي بين جميع المكلّفين وتجعلهم سواسية أمام الخالق في أداء هذا الركن. والصوم وقاية وشفاء من عقدة العَجَل والتسرّع وحرقة الطلب، فهو يحوّل هذه العقد إلى فضيلة الصبر، وهي من كبريات الفضائل: "الصوم هو نصف الصبر، وشهر رمضان هو شهر الصبر". والصوم وقاية وشفاء من عقد النقص والحرمان المادّي التي تحوّل غالباً إلى عقد شراسة وتهديم وإيذاء للذات وللغير. وبواسطة الصوم – وهو إحسان وبذل وعطاء مادّي ومعنويّ – نمحو الكثير من هذه العقد النفسية الهدّامة. والصوم وقاية وشفاء من عقدنا الجنسية. وقد أثبت الواقع أنّ الصيام يخفّف الشهوة الجنسيّة. وفي الحديث الشريف: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغضّ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء".

وعندما يتخلّص الإنسان من عقده النفسية يشفى من القلق النفسي المرضي الذي يلفّ المجتمعات غير المؤمنة. فالإنسان نفس وعقل وروح، والمولى سبحانه وتعالى جعل من العقل سيِّداً على النفس. والروح، سرّ المولى في الخلق ومفتاح الإحساس بالسعادة أو الشقاء، لا تسعَد إلا إذا اتّبع الإنسان تعاليم خالقها ومالِك سرّها. وخلال الصوم يكون الصائم، قبل الإفطار وبعده وفي كلّ أيّام السنة وشهورها، إذا فهم معاني الصوم والتزم بها، سيّداً على نفسه ونزواتها ورغباتها وليس عبداً لها، وبذلك يكون في الصوم العلاج الشافي من القلق. والصوم، عندما تفهم معانيه في العمق ويلتزم بها الصائم، يصل بنا إلى أرقى درجات الطمأنينة والسعادة والصفاء الجسدي والفكري والنفسي. فالإنسان لا تسعد روحه أو يرتاح جسده إلا إذا جعل من عقله سيّداً على نفسه، وهذا هو في الحقيقة مفهوم الصيام. وكلّ صائم لا يشعر بهذه السعادة والطمأنينة خلال صيامه عليه أن يفتّش عن الخلل في صيامه، فربما لم يفهم معاني التقوى والخير واليسر والهدى الكامنة في الصوم أو يحسن تطبيقها مصداقاً لقول الحبيب المصطفى (ص): "رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورُبَّ قائم ليس له من قيامه إلّا السهر".

ارسال التعليق

Top