• ٢٤ تشرين ثاني/نوفمبر ٢٠٢٠ | ٨ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

ليلة القدر.. دائرة للعبودية

عمار كاظم

ليلة القدر.. دائرة للعبودية

ثمّ فضّل ليلة واحدةً من لياليه على ليالي ألف شهرٍ، وسمّاها ليلة القدر، تنزّل الروحُ فيها بإذن ربّهم من كلّ أمر، سلامٌ دائمُ البركة حتّى طلوع الفجر على مَن يشاءُ من عباده بما أحكَمَ من قضائه». وإذا كان الله قد فضَّل شهر رمضان على غيره من الشّهور لحكمةٍ يعلمها في تنظيمه لعلاقة الإنسان بالزمن، فقد فضّل الله ليلةً من هذا الشهر على سائر لياليه، فجعل له ميزةً كبيرةً تتّصل بالنظام المنفتح على حياة الناس في التخطيط الإلهيّ، لما يقضي لهم أو يقدّر لحركتهم في الحياة في أعمارهم وأرزاقهم وأوضاعهم العامّة والخاصّة، من حربٍ أو سلمٍ، أو خصبٍ أو جدبٍ، أو موتٍ أو حياةٍ، أو أمنٍ أو خوفٍ، أو فقرٍ أو غنى.. وهكذا كانت هذه الليلة موضعاً لحركة التقدير الإلهيّ، مما يمكن لنا أن نصطلح عليه ببداية السنة الإلهيّة التي يتحرّك فيها البرنامج التنفيذيّ للنظام التقديري لحركة الحياة والإنسان. وقد أُريد للملائكة وللروح الذي اختلف الرأي في تحديد طبيعته، أن يكون لهم دورٌ في ذلك، في ما أوكله الله إليهم من المهمّات المتنوّعة الخفية التي لم تُكشف لنا تفاصيلها، كما أُريد التركيز على السلام الذي يحيط بأجواء هذه الليلة، في ما يلقيه الملائكة والروح من السلام على مَن يشاء الله من عباده، أو في ما يثيره من أجواء السلام الذي يخيِّم على القلوب بالطمأنينة والصفاء، ليعيش الناس معها تجربة الروح الخالية من العناصر السلبية التي توحي بالعداوة والبغضاء، عندما يتفرَّغون لعبادة الله في دعائهم وابتهالهم وصلاتهم، فيتحوّل الإنسان من شخصٍ يعيش نوازع الأنانية في ذاته، إلى شخصٍ يعيش رحابة الإنسانية في حياته، كما يتطلّع إلى آفاق الروح التي تنفتح به على كلّ الناس من حوله، عندما يتحسَّس موقعه منهم في دائرة العبودية لله، ليطلع الفجر عليه في يوم جديد، من أجل البدء بحياةٍ جديدة خالية من التخطيط السلبي للعلاقات بين الناس، مليئة بالتخطيط الإيجابي في تلك الدائرة، ولينطلق مع الله في قناعة يقينية بقضاء الله وقدره، وفي رضى نفسي يُطمئنه إلى أنّ الله لا يريد له إلّا الخير، في ما قسمه له من الرزق ومن الموقع في الحياة، فلا ينفذ إليه الشك في كلّ ذلك. وبهذا تتأكّد علاقة المخلوق بخالقه في نطاق الإيمان المنفتح على الثقة المطلقة به، الأمر الذي يتحوّل إلى عنصر من عناصر الثبات الفكري والروحي البعيد عن أيّة حالة من حالات الاهتزاز... وهذه هي فائدة الأجواء الروحية التي يستغرق فيها الإنسان المؤمن في ليلة القدر، ليستفيد من مضمونها المنفتح على الكون والإنسان.

ارسال التعليق

Top