• ١٧ نيسان/أبريل ٢٠٢١ | ٥ رمضان ١٤٤٢ هـ
البلاغ

ما هو الأكثر أهمية.. الوراثة أم التربية؟

كريستينا أولسون/ ترجمة: د. أحمد فاضل

ما هو الأكثر أهمية.. الوراثة أم التربية؟
   كما "كان الأمر سابقاً، ما زال التوائم يشغلون مكانة رائجة في أوساط الباحثين". حتى بعد أن جرى فك شيفرة جين الإنسان، أو "كتاب الحياة" كما يدعى رمزيا، يتواصل النقاش بين العلماء للتوصل إلى جواب عن سؤال، ما هو الأكثر أهمية، الوراثة أم التربية؟ هناك أمل بأنّ التوائم سيقدمون لهم العون في التأمل بالقضية وإدراكها. وحول أبحاث السلالات في الطبيعة تحدثنا كريستينا أولسون في كليفلاند – ولاية أوهايو. تستقبل مدينة توينسبورغ في ولاية أوهايو سنوياً التوائم القادمين للاشتراك في المهرجان التقليدي، الذي يتواصل منذ 27 عاماً من دون انقطاع. وكان المهرجان السابق قد ضم أكثر من ألفي نسخة. ومن المنتظر ألا يقل عدد المشاركين في المهرجان الحالي عن ثلاثة آلاف نسخة. لقد اكتسب المهرجان شعبية واسعة وأضحى جاذباً للسياح، حيث يقام في شهر أغسطس، في يوم ميلاد التوأم ويلكوكس، اللذين كانا متزوجين من أختين وتوفي أحدهما إثر الآخر في اليوم ذاته، وبسبب المرض نفسه. وعلى شرفهما سميت المدينة، التي يتوجه إليها حالياً توائم آخرون ليعلنوا فيها تماثلهم. وفي المهرجان، يمكن الالتقاء بنسخ من كل الأصناف، من المرتدين بزات واحدة، الشبيهة بأغلفة اللبان، حتى الزوج الجالسين فوق دراجة ذات معقدين. وهناك حيث تجتمع "النسخ"، يظهر العلماء بشكل ثابت للبحث في وضع من هم قيد التجربة، ثمّ إنهم يستدرجون التوائم بطريقة إغرائهم بالهدايا، ليطرحوا عليهم بعدها الأسئلة التي تشمل ميادين واسعة بشكل خاص، ثمّ يسجلون أسماء الراغبين بالمساهمة في التجارب العلمية. إنّ الكثير من هؤلاء التوائم يعربون بشغف عن موافقتهم على المشاركة فيها، ويماثل رغبة التوائم شغف العلماء في معرفة أيّة خصائص تكتسب بالوراثة، وأي منها يجري اقتباسه وتمثله.   - الوراثة والأذن الموسيقية: تتمتع دراسة وبحث التوائم اليوم بشعبية كبيرة. فعلى أساسها يبني العلماء طروحات بدءا من بحث المرض بسرطان الغدة اللبنية، وانتهاء بالميول السياسية الصادقة. ففي السنة الماضية مثلا، توصل الباحثون في مشفى القديس فوما في لندن إلى الاستنتاج بأنّ الرغبة في سماع الموسيقى يرتبط 76% منها بالوراثة. وعلى هذا، فقد خرج الصحفيون باستنتاج، مفاده أن إعطاء بعض الأولاد دروساً في الموسيقى ليس إلا مضيعة للوقت. تتوزع اليوم في العالم نحو 20 قاعدة ضخمة لجمع المعطيات من التوائم، حيث تحوي إحداها معلومات عن 150 ألف زوج منهم. وفي عشرات القواعد الأخرى هناك معلومات عن عدد أقل من المجموعات الكثيرة العدد من التوائم، الذين يعانون من الأمراض المتماثلة. ومنذ زمن قريب عملت اللجنة الأوروبية وبعض الجمعيات الدولية الأخرى على تخصيص رصيد لميزانية قدرها 18 مليون يورو. والهدف منها هو توحيد سبع قواعد معلومات أوروبية حول التوائم في منظومة معلوماتية واحدة (600 ألف وحدة حفظ) من أجل دراسة قضايا التشحم والسمنة، والشلل والشقيقة وأمراض أخرى. تتصف وسيلة الأبحاث الكلاسيكية للتوائم بالبساطة الشديدة، ويقسم العلماء التوائم إلى مجموعتين: المتولدين من بويضة واحدة والذين ولدوا من بويضتين. فالأولون يولدون من خلية بويضة مخصّبة واحدة، ولديهم جين (أماتي – أو قالب) واحد، والآخرون – من خلية بويضة مخصبة مزدوجة، وفي هذه الحالة يتخذ نصف الجينات لديهم صفة النوع الواحد. وبالارتباط مع هدف أبحاث التوائم، تجري تجربة مختلف الأطروحات بأمل تقدير دور الوراثة والوسط المحيط في ظهور تلك الخاصية أو غيرها لدى الإنسان.   - تعليم الأغبياء – مضيعة للوقت: كان العالم الإنجليزي فرانسيس غالتون أول من طرح منذ أكثر من قرن مضى السؤال التالي: الطبيعة أم التربية؟ واضعاً بذلك بدء أول ولوج في دراسة التوائم. وقد أثبتت بحوثه أن خاصية الإدراك تكتسب بالوراثة، كما لا يجوز بالمناسبة التفكير بأكثر من هذا، موضحاً في دراساته أثر سيطرة الطبقات القائدة في بريطانيا. كما اتّخذ أيضاً موقف الدفاع عن أحد المواقف، الذي هو من وجهة النظر المعاصرة خاضع للشك والريبة: ذلك أنّه دعا إلى تحقيق برامج حكومية لاصطفاء الإنسان. لقد أراد غالتون القول إنّه يجب التمهيد والمساعدة على استنساخ أناس عباقرة (كما هو جار مع الأرانب البرية) والوقوف بوجه تكاثر "الجمهور الجاهل والخامل". كانت هذه البداية الأولى في علم التحكم بالوراثة، غير أنّ النازيين ألحقوا العار بهذا العلم، خصوصاً حين شرع العالم الوحش جوزيف منغلييه بتدقيق نظرياته الوراثية عبر تجارب أجراها على التوائم في معسكرات الاعتقال. في أعقاب الحرب العالمية الثانية أجرى عالم النفس سيريل بيرت من لندن دراسة على بعض مجموعات التوائم المتحدرين من بويضة واحدة، الذين شبوا بعيدين واحدهم عن الآخر. اتضح أن معامل نموهم الذهني IQ قريب كثيراً من بعضه بعضاً، بغض النظر عن الاختلافات والفروقات في شروط الحياة الاجتماعية والاقتصادية. وبمرور الوقت كانت البداية الطبيعية المثبتة بالبرهان الخالد "الطبيعة – التربية"، قد احتفظت بقصب السبق. غير أن عالم النفس الأمريكي ليون كامين سرعان ما صرح أن نتائج بحوث بيرت غير دقيقة وتعرضت للغش. اتفق العديد من العلماء على إمكانية العودة إلى هذا الاتجاه في البحوث والدراسات، غير أن كامين العامل  في جامعة "كيب تاون" في جمهورية جنوب إفريقيا أصر على موقفه بعناد، مؤكداً "أنّ الأمر الرئيسي في العلم اليوم – ليس التعمق في الأبحاث، بل الأيديولوجيا السائدة". إنّ ما يقلق العالم هو أنّ المشروطية الوراثية لمعامل التطور الفكري IQ يستخدم بشكل يؤثر على السياسة الاجتماعية للدولة. وهو يؤكد ذلك بمثال النفقات التي تصرف على تعليم الأفراد ذوي تطور فكري منخفض، ويعتبرها أداة إنفاق لأهداف تافهة. وهناك آخرون ينازعون نتائج الأبحاث في ميدان الذاتية والإدراك ولا يرغبون بالاعتراف بأنّ هذين التصنيفين ذوي الأهمية في مصير الإنسان يمكن أن يصبحا مبرمجين أيضاً في حالات الحمل. أما أصحاب الريبة والشك، فيؤكدون أن دراسات التوائم لا تعمل على استبعاد الانتباه الضروري لفاعلية العائلة والوسط الاجتماعي. وتتركز ملاحظاتهم بالقول إنّ علاقة الأهل والميول المحيطة بالتوائم المتحدرين من بويضة واحدت تماثل علاقة نصفي كامل واحد، مثلا، حين نعمد إلى إلباسهم ثياباً متشابهة تماماً. وهذا يعني أن معظم التشابه والتماثل بين التوائم المتحدرين من بويضة واحدة يرتبط بالتربية التي يتلقونها وليس بالوراثة. إليكم ما يفكر به حول هذا الباعث الاختصاصي في علم النفس والعامل في مؤسسة الخدمة الاستشارية للعائلة في كاليفورنيا "جي جوزيف" مؤلف كتاب "أسطورة المورثات The Gene Illusion": من المستبعد أن تبين لنا دراسات التوائم شيئاً ما أكثر من أن توائم البويضة الواحدة يجري نموهم في وسط أكثر تجانساً من الوسط الذي ينمو فيه توائم البويضتين". وللبرهان على ذلك، يعرض نتائج الأبحاث التي جرت في النروج عام 1967: لوحظ أن لدى تسعين في المائة من توائم البويضة الواحدة ظاهرة فذة في طفولتهم، وهي ما يسمى "التماثل المتشابك"، فهم عادة يتلفظون بكلمة "نحن" بدلا من "أنا"، وكان يصعب عليهم فصل أنفسهم عن "نصفهم" الآخر. وقد لوحظت ظاهرة مماثلة لدى عشرة في المائة فقط من توائم البويضتين "يلزم القول إن من المشكوك فيه بأنّ هذه الأبحاث توضح الأخطاء والانحرافات أكثر مما تكشف عن تأثير الوسط الخارجي" كما يرى العالم المذكور.   - أصدقاء البطن: ما زال هناك إحدى الوقائع الناتجة عن المراقبة، وهو أنّ التماثل بين توائم البويضة الواحدة ناتج ليس فقط عن موروثهم الواحد، بل عن ذاك الذي اكتسبوه من نموهم في بطن واحد. وطبقاً لـ"نظرية باركر" المعروضة في أعوام ثمانينات القرن الماضي، فإن نظام غذاء المرأة الحامل "يعلّم" عن طفل المستقبل، وبأيّة ظروف سيجد نفسه فيها بعد الولادة. إنّ هذا يمارس تأثيره على تبادل العناصر وعن وضعه الصحي. مثلا، إذا كانت المرأة تتغذى بشكل سيئ، فلربما فكر الطفل أن بانتظاره أياماً ليست أفضل، وفي أواخر سني حياته سيحدث انعطاف بتراكم الكالوريات بشكل ترسبات شحمية. لقد ظهرت هذه النظرية إلى الوجود بالعلاقة مع العلماء الذين لاحظوا، أنّ المواليد الجدد خفيفي الوزن أكثر ميلا إلى البدانة في سن النضوج، مما يؤدي إلى حدوث مرض السكري وأمراض الشرايين القلبية. وبمقتضى دراسات التوائم، نستخلص نتيجة مفادها، عما إذا كان من المفترض إعادة تقييم تأثير الوراثة في ظهور هذه الأمراض. تتخذ دراسات التوائم موقف المدافع بقوة عن الوسائل التي تستخدمها، سواء الأيديولوجيا، أم ما يتم استناداً إلى المفاهيم العلمية. ثمّ إنّ البحاثة يشيرون إلى وجود اختلاف عادة بين توائم البويضة الواحدة تميز أحدهم عن الآخر: في الوزن حين الولادة وبالحالة الصحية العامة. ويترافق هذا مع احتمال ظهور ذبحة قلبية لديه، ومرض السكري بشكل متشابه مما يشير إلى نقائص معينة في فرضيات باركر. أما مديرة مركز أبحاث التوائم في جامعة ولاية كاليفورنيا في فوليرتون نانسي سيغال فلفتت الانتباه إلى أنّ التوائم من بويضة واحدة كثيرو الشبه ببعضهم بعضاً، بغض النظر عن تلك الفروقات الحاصلة ما قبل المخاض. حين يجري الحديث عن نزوع الناس إلى التماثل، وأن تصرفهم مرده جزئياً كونهم توائم البويضة الواحدة، يجب الانتباه إلى أنّ سبب هذه الظاهرة يعود جزئياً إلى العلاقات المشتركة الواضحة لوراثتهم. "إن ذوي التوائم المتولدين من بويضة واحدة يتخذون موقف المساواة في العلاقة معهم، ذلك أنّ التوائم يتصرفون بشكل واحد، - كما تعتقد سيغال – لكن هذا الموقف لا ينبع عموماً من اتفاق مسبق بين الأهل للتوجه إلى أولادهم على قدم المساواة". فيما يتعلق بالأيديولوجيا، يعتقد أنصار أبحاث التوائم بأنّ الموقف الذي اتخذه الناس من وسائلهم العلمية انطلاقاً من قناعات سياسية غير راسخة بدقة قد انتهى منذ زمن بعيد. يتحدث روبرت بلومين من معهد السيكولوجيا في لندن قائلاً: "إنّ قضايا الوراثة تسبب القلق للناس. وأنا لا أعتقد أنّ الوراثة ستتمكن يوماً ما من ارتكاب الخطأ، المقابل لذاك الذي ارتكبته نظرية "ذنب الأمومة"، بدراسة أسباب ظهور الانطواء لدى الأطفال". والمقصود من قول العالم هذا هو بطلان نظرية "الأمومة الباردة"، القائلة إن منشأ الانطواء لدى الطفل هو نتاج عدم اهتمام الأهل به، إنما فقط وبفضل الدراسات التي أجراها العلماء على التوائم أمكن التوصل إلى الاستنتاج، بأنّ تسعين في المائة من حالات الانطواء مرتبط بالوراثة. جدول: إنّ التأثير المطلق لكل من العوامل يتحدد بالدراسات (بالنسبة المئوية). في حالة تعارض التقديرات، يؤخذ متوسط القيمة. "لقد أصبحت دراسات التوائم فائقة الأهمية باعتبارها حقيقة من أجل فهم موضوعة الاختلاف الشديد بين جميع الناس، وقد ساعدت على تنظيم دراسات أكثر عقلانية حتى في البرامج الاجتماعية – كما يصرح نيك مارتين مدير قسم الأبحاث الوبائية الوراثية في معهد كوينسلاند للدراسات الطبية في ضاحية بريسبين والمدير العام لمجلة – Twin Research. أمّا ما يتعلق بالانطواء، فالوسيلة المستخدمة في دراسة التوائم على درجة عالية من المقدرة لإعادة النظر بالاتجاه الخاطئ في الأبحاث العلمية، ونزع الشعور بالذنب عند الأهل حين يصاب طفلهم بالمرض". بينت دراسات التوائم عن أهميتها بالاستثنائية أيضاً في أبحاث الأمراض، التي بدت وكأنها سر وراثي. إنّ أطباء جراحة الأمراض العرقية (الأمراض الناتجة عن صبغي واحد، مثل اللزوجة المخاطية أو فقر الدم المنجلي) تخضع لدراسات كافية بمقدار ما تنتقل بوساطة مخططات مندلييف البسيطة للدراسات. غير أنّ الأمراض الأوسع انتشاراً مثل ترقق العظام والسمنة والانهيار – الهوسي – الاكتئابي، تنمو حين يرث الإنسان بعض الجينات (السيئة). إنّ الأبحاث النموذجية الجارية على العائلات العادية غير جديرة بتوضيح درجة تأثير المورثات على هذه العمليات، بمقدار ما أن ظروف الحياة في العائلة تفرض عدم إمكانية فصلها عن فاعلية العوامل الوراثية. لدى توائم البويضة الواحدة شيفرة وراثية موحدة مما يسمح للباحثين بتحديد مستوى تأثير العامل الوراثي في ظهور أمراض عصية. "لم تجر حتى الآن أبحاث على التوائم، فتقديراتنا حول المؤشرات الوراثية والمكتسبة متخلفة إلى حد ما" كما يؤكد بلومين.   - التدخين يُهرم التوأم: إنّ اعتماد تكنولوجيات جزيئية حديثة في ميدان الأبحاث الوراثية لا يعني إطلاقاً أنّ الدراسات الكلاسيكية للتوائم قد تقادمت وأضحت لا فائدة من ورائها. بل العكس هو الصحيح، فقد أصبحت مطلوبة أكثر من السابق. واليوم من أجل دراسة الآليات، التي تكمن خلف الاختلافات الشخصية، يمكن استخدام وسائل بحثية مختلفة. "نحن اليوم نجري دراسات أكثر عمقاً في ميدان الحمض النووي DNA – كما يصرح تيم سبيكتور مدير قسم أبحاث التوائم في مشفى القديس فوما، حيث تم تجميع أكبر قاعدة في بريطانيا العظمى مليئة بالمعطيات عن التوائم – ونحن نرتقي بعملنا إلى مستوى جديد، وللقيام بالدراسات يكفينا زوجان – ثلاثة من التوائم، في الوقت الذي يتطلب إجراء أبحاث مماثلة على الناس العاديين مئات أو آلاف الأفراد ممن يخضعون لهذه التجارب". إحدى الطرق تتجلى في إجراء دراسة التوائم من بويضة واحدة، مع وجود خلافات بينهم في البارامتر (تغير بكمية القيمة) أو المرض. حينئذ يتم استخدام تكنولوجيا الحامض النووي الأكثر صعوبة، مع وسائل مساعدة مما يمكن من دراسة آلاف الصبغيات بشكل أسرع وأكثر فعالية. ويسعى العلماء للعثور على اختلاف لدى التوائم في تعبير Express المورثات، فهم يطمحون لإيجاد عامل خارجي أو تغير فجائي جديد، المعتقد أنهما يتسببان في ظهور هذه أو تلك الحالة. والداة الأقوى في أبدي البحاثة لن تتوافر إلا حين يعاني واحد فقط من الزوج التوأم من مرض محدد، في هذه الحالة، فإنّ كل مورث، سيظهر نفسه في نسيج محدد، ويحظى بتقدير أستثنائي من أجل الدراسة. وعلى سبيل المثال، قام جيف موري من جامعة ولاية أيوا بدراسة توأم من بويضة واحدة، وعثر على السبب الوراثي لظهور شرم الشفة الذي عانى منه أحدهما. الوسيلة الأخرى في الأبحاث هي دراسة التوائم من بويضة واحدة بنموذج عيش مختلف، فمنذ خمس سنوات لفت العلماء الذين عملوا بقيادة سبيكتور الانتباه، إلى أن واحدا من التوأم من بويضة واحدة كان من المدخنين، والثاني غير مدخن، فمع تقدم العمر سيغطي وجه المدخن بشبكة من النمش أكثر كثافة من الآخر. لقد أصبح معلوماً لدى الأطباء أنّ التدخين يؤثر سلباً في حالة الجلد، غير أن مقارنة التوأم بالنظر، تبين أن أحدهما بدا أكبر سناً بكثير من الآخر، وكانت هذه الملاحظة أكثر إقناعاً من جميع الأقوال. إنّ تطبيق التكنولوجيا البيولوجية الجزيئية (بيوتكنولوجي) في دراسات التوائم يمكن كذلك أن يلقي ضوءاً على واحد من أكثر الميادين مدعاة للحيرة في الوراثة، فهناك تقدير مثلا بأنّ السمنة، تحدد بالوراثة، في 70% من الحالات و30% فقط بالعامل الخارجي، غير أنّ الأمر يختلف حيث توجد صعوبات في تأمين الناس الغذاء لأنفسهم بغض النظر عن عامل الوراثة، إذ إنّهم يظلون ضامري الأجسام. وما من شك، في أنّ الوسط المحيط سيمارس تأثيره في هذه الحالة، ويزيد من نسبة الـ30%. أما الشخص الذي يتصف بتغير وراثي مفاجئ فلن يتعرض للسمنة إطلاقاً، مهما تناول من طعام، وستكون فاعلية وسط التغذية في هذه الحالة شديدة الضعف. غير أن بحاثة التوائم يصرحون أنّ التعميم حول وراثة معظم الخصائص البشرية، كان يمكن أن يحدث فيما لو أخذ متوسط الشروط الإحصائية لحياة مجموعة معينة من السكان، ورصيدها الوراثي النموذجي، إضافة إلى أنّ التوائم يتصفون بكونهم مادة مثالية من أجل دراسة هذه العلاقات المعقدة بين الوراثة والوسط المحيط. إنّ من الصعوبة بمكان فصل فاعلية وتأثير المورثات "الطبيعية" عن المورثات "الحاسة تجاه تغير الوسط المحيط"، من دون دراسة التوائم. فالمورثات الأولى تمارس التأثير المباشر على هذا أو ذاك البارامتر من النشاط الحيوي (مثلاً، الوزن أو ضغط الدم)، أمّا الثانية فتحدد مقدار حساسية هذا وذاك البارامتر تجاه المؤثرات الخارجية. إن توائم البويضة الواحدة يحوزون على مورث موحد، ولذا، إذا كان أحدهما أكثر سمنة من الآخر، فإن هذا يمكن أن يحدث حصراً بتأثير العوامل الخارجية، وبإمكان العلماء "زرع" قواعدهم بالمعطيات والعثور على بعض أزواج من التوائم بأوزان مختلفة، فإذا كانت هناك فرضيات محددة للصبغية X – وهي صبغيات وراثية تحدد العلامات الموروثة – متعلقة باختلاف كبير أو صغير بالوزن فيمكن القول إنكم عثرتم عما تبحثون.   - الجينات الحساسة للوسط المحيط: بدأت دراسات المورثات الحساسة لتأثير الوسط المحيط بالضبط منذ زمن ليس بعيد، ويرى نيك مارتن من معهد كوينزلاند للأبحاث الطبية، أنهم سيكونون مبلغين أكثر بكثير مما هم دارسون للجينات العادية. وحسب كلماته، فإنّ المورثات الحساسة ذات المستوى ما فوق المصداقية، قادرة على إيصال برامتر فيزيائي محدد حتى حالته النهائية. إن واحداً من أكثر النماذج المعروفة لظاهرة كهذه – هو العلاقة المتبادلة بين منسوب الكوليسترول في الدم ومجموعات الدم من مجموعة M/N التصنيف، ممتازة قياساً للتصنيف المعروف جيِّد لمجموعات الدم من مجموعة I – II – III – IV. وبدراسة التوائم، أثبتت مجموعة مارتن أنّ الأشخاص من فصيلة الدم M. ومع أنّ الأسباب الحقيقية لهذه الظاهرة ما زالت غير معروفة، فقد نجح العلماء في التوصل إلى نتيجة عملية مهمة: وهي أنّه إذا جرى تحويل الأفراد من فصيلة الدم N إلى نظام تغذية منخفض الدسم (بكلمات أخرى، تبديل شروط العيش)، فسيكون انخفاض نسبة الكوليسترول لديهم في الدم أكثر بكثير مما لدى الأفراد من فصيلة الدم M. كذلك الأمر في تلك "التحريات الاستكشافية" التي جرت على المستوى الجزيئي وسارت قدماً لسنوات عديدة بدءاً من الدراسات الكلاسيكية للتوائم التي قام بها غالتون، إنما لا أحد يعلم متى سيتحقق اكتشاف جميع أسرار الوراثة، وهل سيحدث على العموم؟ وافق أحد الأزواج على المشاركة في التجارب التي يجريها العلماء، الذين يدرسون الفروقات في إدراك التذوق. وبعد أن أشارت والدة ابنة – توأم/ جوان كاف من بوفالو ولاية نيويورك، إلى ما لاحظته، حول كيف أن توأمها يتذوقان سوائل مختلفة، وأثناء ذلك يتغضن وجهاهما، انطلقت تضحك بكل جوارحها، وبعد مضي ثلاث سنوات لم يظهر خلالها تحليل الحمض النووي DNA الذي جرى في تاينسبورغ، بأنّ أولادها – توأم من بويضة واحدة – فقد قدرت بأنهما خلقا من بويضة مزدوجة. "إنّ إحدى الفتاتين تسعى للكمال وتعمل كثيراً، أما الأخرى فعليها أن تتخلف باستمرار – كما تقول كاف – إحداهما تدرس بجد ومواظبة، بينما تتخلف الأخرى عن الدروس، في الوقت الذي تنال به الشقيقتان درجات متساوية في الامتحانات". كيف يمكن تفسير هذا؟   *هذا المقال نشر في مجلة "لومونوسوف" الروسية 2003

ارسال التعليق

Top