• ١٤ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ٢٣ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

متى يكون الصبر قوة؟ ومتى يكون ضعفاً؟

سناء ثابت

متى يكون الصبر قوة؟ ومتى يكون ضعفاً؟
 ◄يُقال: إنّ "الصبر مفتاح الفرج؟". لكن، ليس كلّ الناس يجيدون استعمال هذا المفتاح. بعض الناس يستعملون الصبر لتخطي الصعوبات، فيكون الصبر عندهم ميزة، وبعضهم يتحوّل الصبر لديهم إلى استسلام وخُنوع. فهل الصبر ميزة أم نقيصة؟

أمام العقبات الكبيرة والصغيرة التي نواجهها في حياتنا، لابدّ للمرء أن يفقد صبره في بعض الأوقات. ولكنّ ضيق الأفق والاستعجال لا يُفيدان شيئاً في الواقع. في كثير من المواقف نجد أنّ الصبر قوّة جبّارة تساعد الإنسان على أن يعيش بشكل أفضل، غير أنّ لهذه القوة حدودها التي إذا تخطّتها فإنها تتحوّل إلى نقطة ضعف لدى صاحبها. فكيف يمكن أن نعرف هذه الحدود؟ وكيف نتحكم في هذه القوة؟

هل يجب أن نواجه دائماً الأمور التي تؤذينا بالصبر؟ ربما لا، لأنّ الصبر إن كانت له مميزات فإنّ له عيوباً أيضاً. الصبر لا يُولَد معنا، فالطفل الصغير يكون بطبعه غير صبور، فهو يرغب في أن تتحقق كلّ طلباته فوراً ومن دون انتظار، وعلى والديه أن يكونا على قدر من الفطنة والوعي، لكي ينجحا في تلقينه أهمية أن يتقبّل الانتظار، لكي يحصل على ما يريد. ونحن أنفسنا كأشخاص بالغين مازلنا محتفظين بهذه الصفة الطفولية حتى وإن باتت مختبئة في دواخلنا، أو بدت أكثر تَحضُّراً أو أكثر إنسانية، وذلك يختلف باختلاف الطريقة التي تربَّى عليها كلّ واحد منّا. وسواء أكان المرء عالقاً وسط زحمة المرور أم كان واقفاً في صف انتظار طويل، أم تعرَّض لموقف عدواني من المحيطين به، أم لمشكلة عويصة، فإنّه ليس من السهل عليه أن يحافظ على هدوئه ويصبر، فالصبر في مثل هذه المواقف يتطلّب جهداً كبيراً وضغطاً على النفس.

 

عالم مستعجل:

في عالم كلّ شيء فيه يستعجلنا، أصبحنا رافضين أكثر فأكثر للانتظار، أصبحنا أكثر فأكثر غُرباء عن إيقاع نُضوج الأشياء. سينتهي بنا الأمر إلى أن ننسى أنّ لا شيء يكتمل في لحظة واحدة. فحتى فعل الولادة يستوجب الانتظار. الصبر أمر لابدّ منه للوالدين وللمعلم، إنّه مهم في كلِّ عملية تعليم. فهو عامل مهم لنضوج القرارات، وهو يساعد أيضاً على أن نعيش المجهودات التي نبذلها، والظروف الطارئة والصعبة في الحياة، والمعاناة بشكل أفضل، تماماً مثل المرض أو الوفاة. إنّه يعطي للزمان فرصته لكي ينتهي من مهمته، ألا وهي فعل النضوج الطبيعي.

إلّا أنّ هناك ظروفاً تستدعي أن يفعل الإنسان شيئاً غير أن يضع يده على خده وينتظر أن يحدث شيء. فتخيّل معنا، من دون قلة الصبر، ومن دون التمرُّد على الوضع، ومن دون النضال ضد ما لا يمكن تقبله، ماذا كان سيحل بنا اليوم؟

 

للصبر عيوبه:

الصبر قوّة قادرة على تحريك الجبال، ولكن بعد تجاوز حدود مُعيّنة من الصبر فإنّه يمكن أن يتحوّل إلى عامل ضعف حقيقي. عندما يكون الصبر سبباً، مثلاً في أن يستمر شخص أو شعب يتعرض للظلم في الاعتقاد بأنّ قدرهم هو مَن سيخلصهم، وأنّ عليهم فقط الصبر. فأي قوّة هذه التي لا تقود إلى أي تحسُّن للأوضاع؟ بل على العكس، إنّ الصبر في هذه الحالة يمنع تحسُن الأوضاع، فقد فهمت استراتيجيات الأنظمة الشمولية جيداً كيف تستفيد من هذا النوع من الصبر، وكيف تفرضه باستعمال سلاح القمع، وذلك حتى تجبر الناس على قبول ظروف عيش قاهرة جدّاً. في مثل هذه الظروف تصبح قلة الصبر والتمرد على الوضع شيئين ضروريين من أجل الصحوة وزعزعة مسار الأوضاع الجائرة، والتمرد على ما كان منذ الأزل وضع لا يمكن قبوله لولا الصبر.

 

دليل الاستعمال:

هناك حد أدنى من الصبر لابدّ منه في حياتنا، من دونه تصبح الحياة لا تطاق، ومن دونه لا يمكن للمرء أن يحقق أيّة نتائج تُذكر. ولكن، لكي يبقى قوة يجب أن يكون الصبر مقترناً بالأمل، أو بوعد بالحصول على مستقبل أفضل، فمن دون آفاق، ومن دون حدود يتحوّل الصبر إلى استسلام وانتظار عقيم. وإذا كان الوقت مهماً لتحقيق الإنجازات فإنّ اتخاذ القرار والعمل على تنفيذه أيضاً مهمّان للقضاء على الأمور التي لم يعد في إمكاننا احتمالها. إنّ الصبر وقلة الصبر لا يكونان مضرّين إلا عندنا يتجاوزان الحدود، عندما يصبح الصبر مرادفاً للسلبية، وتصبح قلة الصبر مرادفة للعنف والعدوانية، وكلاهما ضروري في حياتنا بشكل لا غنى عنه، الصبر مهم لأنّه يساعدنا على الصمود، وعدم الاستسلام في وجه الصعوبات، وقلة الصبر تساعدنا في جعلنا ندافع عن أنفسنا في الظروف التي لا تلائمنا.

 

الصبر الجميل:

لكي تكون إنسان صبور، وحتى لا تفقد أعصابك في المواقف التي تتطلب الصبر، تعاطَ مع الأمور بنسبية، ولا تندفع في غضبك أو في حكمك. ابحث عن الجانب الإيجابي في أي موقف تمرّ به ويضطرك إلى الانتظار أو الصبر طويلاً. مثلاً، إذا وجدت نفسك في طابور انتظار طويل في السوبرماركت أو في أي مكان، اغتنم الفرصة لكي تتحدث مع طفلك الذي ربما يرافقك إلى التسوق، أو لكي تراقب ماذا يلبس الآخرون وما هي ميولاتهم في الأزياء. وإذا كنت في الشارع اغتنم الفرصة لكي تُمعن النظر في المكان من حولك، وبالتأكيد ستكتشف شيئاً يلفت انتباهك لأوّل مرّة، على الرغم من أنك سبق أن أتيت إلى هذا المكان مئات المرات من قبل لكنك لم تنتبه. قد تكون في مكان جميل معمارياً، لكنك لم تلاحظ ذلك من قبل. يمكنك أيضاً أن تفتح حواراً مع شخص من الواقفين حولك في الطابور، من باب الترويح عن نفسك والتذمُّر من بطء تقدّم الطابور أو من قلة التنظيم، وهكذا ستشعر أنك لست وحدك وتخلقّ نوعاً من الألفة بينك وبين مَن حولك، حتى وأنت في موقف يفترض أنّه يدعو إلى التوتر. لهذا فالنظرة النسبية تنفع في مواقف كثيرة.►

ارسال التعليق

Top