• ٣٠ تشرين ثاني/نوفمبر ٢٠٢٠ | ١٤ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

مجرد سمكة

أسماء الطناني

مجرد سمكة

وقفت أمامها غارقة في بحر من الذهول، كلّ حواس جسدي انتفضت لها فجأة في وقت من دون أن أنبس ببنت شفة، جعلت أراقبها، عيناي أخذتا تمعنان النظر فيها، أذني تركت كلّ من حولي وذهبت لتستمع إلى صمتها، شعرت أن إحساسي يرسل عباراتها الصامتة إلى عقلي تتسلل بها إلى قلبي، أكاد أجزم أن كلّ من حولي لم يلتفتوا إليها البتة، كانت كائناً ضعيفاً ولم أدرك مدى روعتها وقوتها إلّا في تلك اللحظات.

سمكة يحتويها حوض أسماك، تتلون بألوان عدة باهرة تسر الناظرين، الجميع يعتبرونها سمكة زينة وكفي، لكنها تحمل معاني بشرية نادرة لن نصدق أن نراها في هذا المخلوق الضعيف، ولن نصدق أن تلك السمكة تحارب وتصارع داخل هذا الحوض السمكي وحدها.

ذلك الحوض الذي نظن أنّها سعيدة فيه ولكن الحقيقة أنها سجينة بين جدران مصمتة وهي تعافر وتعافر علها تستطيع أن تهرب من بين براثنها، تفكر وتفكر هل تخرج إلى حياتنا وتواجه مصيرها المحتوم بالموت منعاً من الماء أم تبقى وتستسلم إلى مصيرها في ذل وانكسار؟ إنّها كالذي يفكر في المفاضلة ما بين الموت والموت، رأيتها تنظر للسمك القليل الذي يجاورها والصدفات المزيفة المتناثرة عن يمينها ويسارها، كلّ شيء هادئ مستكين، ولكن كانت هناك ثورة في الأعلى، في الأفق البعيد، ذهبت لأعلى الحوض لترى ماذا يحدث فوجدتها نافورة ضخ المياه لهذا الصندوق الزجاجي، إذن هذا هو شريان الحياة لهذا الوحش الكاسر الذي يحبسها بين زواياه الأربع، إن هذا هو هدفها، إنّها كي تعيش حرة أبية يجب أن تقطع هذا الشريان وتقاوم.

تبادرت هذه الأفكار إلى عقلها في لحظة صمود، الباقون من حولها كما هم لم يتحركوا، لم يعترضوا، ظلوا ينظرون إليها ويستنكرون ما يحدث، أحياناً يشفقون عليها ويتداولون العبارات: «يا لها من حمقاء؟»، «ماذا تفعل تلك المجنونة؟»، «لماذا لا تعيش مثلنا وترضى بحالها؟»، لكنهم لا يعلمون أنّها، تريد أن تتحرر، تريد أن تحيا حياة طبيعية آمنة وسط البحار والأنهار وسط هذا الكون الواسع، تريد أن تمارس طقوس حياتها. بدأت تستجمع قواها وتتخذها زاداً لها في رحلة التحدي لذلك الشريان، رأيتها تذهب إلى النافورة بكل قوتها تقف أمامها، تتحداها، تواجهها، تحاول الصمود، ولكنها قذفتها بقوة، حاولت مرة أخرى ودون جدوى، مرة ثالثة ودون جدوى، تصرخ، تحاول الاستعانة بالسمكات المستسلمة حولها، لكن لا حياة لمن تنادي، شعرت أنها تنظر إليّ تقول لي أنقذيني.

فجأة وجدتها تنزوي في أحد أركان الحوض، شعرت أن قواها قد خارت، ضاعت جهودها هباء دون جدوى، انتصرت عليها قوة دفع المياه في النافورة، كنت أنتظر اللحظة التي ستعاود فيها المقاومة، انتظرت دقيقة، دقيقتين، ثلاث دقائق، ضاع الأمل مني ولكنه ظل متوهجاً بضوء خافت من بعيد، وبالفعل حققت ما تمنيت وفعلت المستحيل، رأيتها بكل قوة تعاود المقاومة ثانية، علمت أن جزاء هذه الصامدة أن تتحرر من قيدها، أخذت حوض السمك وأنا أودعها فرحةً وحزينة في آن واحد، فرحة لتحريرها، وحزينة لكوني لن أراها ثانية تلك التي أعطتني حكماً ومعاني ستظل باقية معي مدى الدهر، تلك التي تفوقت على مفاهيم البشر، أمسكت بالحوض وجعلت مياهه تنزلق بين أحضان النهر وانزلقت السمكة معها إلى عالمها الطبيعي إلى الحرية والمجد والعزة والكرامة، شعر قلبي بفرحتها وكأنها تقول لرفيقاتها في الكون الفسيح لقد غبت عنكم طويلاً في غيابات الحياة، لكني كنت أسير في درب التحدي، ذلك الدرب الذي علمني أن الإرادة تصنع المعجزات.

ارسال التعليق

Top