• ١٤ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ٢٣ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

مرض السكري والصيام Diabetes and Fasting

أ. د. عصام بن حسن عويضة

مرض السكري والصيام Diabetes and Fasting
يحرص جميع المسلمين في أرجاء العالم على صيام شهر رمضان الكريم؛ لأنّ الصيام ركن من أركان الإسلام الخمسة. ولكن مرضى السكري ينتابهم بعض القلق والخوف من عدم القدرة على الصيام خلال هذا الشهر الكريم؛ لهذا فإنّه من الضروري جدّاً أن نتحدث في هذا المقال عن مدى قدرة مرضى السكري على الصيام خصوصاً وأن مرض السكري يعد من الأمراض المزمنة التي تزداد معدل الإصابة بها يوماً بعد يوم في جميع أنحاء العالم وفي المملكة العربية السعودية خاصة (17% من سكان المملكة مصابون بالسكري). وسوف نتحدث بالتفصيل عن مدى إمكانية وقدرة مرضى السكري المصابين بالنوع الأوّل أو النوع الثاني أو سكري الحمل على الصيام خلال شهر رمضان كالآتي:
أ- صيام مرضى السكري غير المعتمدين على الأنسولين:
يستطيع مرضى السكري غير المعتمدين على الأنسولين (السكري من النوع الثاني) الصيام بسهولة باتباع نظام الوجبة الغذائية المعتادة قبل الصيام سواء كان هؤلاء المرضى يسيطرون على المرض بالوجبة فقط أو بالوجبة الغذائية مع تعاطي الأدوية كالجلوكوباي والجلوكوفاج أو غيرها (لا حاجة لتغيير جرعة الدواء). ولقد وجد أن صيام هؤلاء المرضى مفيداً جدّاً، ولا يسبب لهم انخفاضاً في مستوى سكر الدم أثناء الصيام. ويجب على مرضى السكري غير المعتمدين على الأنسولين مراجعة الطبيب المعالج قبل البدء في الصيام لمعرفة الإرشادات والتعليمات الضرورية أثناء الصوم، وكذلك لإعادة توزيع الأدوية أحياناً. كما أنّه من الضروري جدّاً على مريض السكري الصائم التوقف الفوري عن الصيام والإفطار عند الشعور بأعراض انخفاض (هبوط) مستوى السكر في الدم كالدوخة والرعشة والتعرق زغللة العينين، وفقدان التركيز، مع الإسراع بتناول أي مادة سكرية.
ب- صيام مرضى السكري المعتمدين على الأنسولين:
يجب على مرضى السكري المعتمدين على الأنسولين (السكري من النوع الأوّل) مراجة الطبيب المعالج قبل بدء الصيام؛ وذلك لإجراء تعديل في جرعة الأنسولين ونظام الوجبات الغذائية. ومريض السكري المعتمد على الأنسولين يأخذ إما جرعة واحدة أنسولين يومياً قبل موعد الإفطار أو جرعتان أنسولين يومياً، الأولى قبل موعد الإفطار (المغرب) والجرعة الثانية قبل موعد السحور (تعادل نصف جرعة المساء المعتادة). ويجب على مرضى السكري المعتمدين على الأنسولين (السكري من النوع الأوّل) مراجعة الطبيب المعالج قبل البدء في الصيام لمعرفة الإرشادات والتعليمات اللازم اتباعها أثناء الصوم، وكذلك لإعادة توزيع جرعات الأنسولين ومواعيدها لتتوافق (لتتزامن) مع مواعيد الإفطار والسحور. كما يجب على مرضى السكري من النوع الأوّل الالتزام الدقيق بمواعيد الوجبات الغذائية وكميات الأغذية في كل وجبة. كما أنّه من الضروري جدّاً على مريض السكري الصائم التوقف الفوري عن الصيام وقطعه عند الشعور بأي من أعراض انخفاض مستوى السكري في الدم المذكورة آنفاً، حتى قبل موعد الإفطار بدقائق قليلة جدّاً. والجدير بالذكر أن قيام مريض السكري الصائم بحقن الأنسولين تحت الجلد أو قياس مستوى سكر الدم في المنزل لا يفسد الصيام بإذن الله.

ج- صيام مرضى السكري الحوامل:

 

يجب على المرأة الحامل المصابة بالسكري من النوع الأوّل أو السكري من النوع الثاني مراجعة الطبيب المعالج لتحديد إمكانية الصيام من عدمه. أمّا بالنسبة للمرأة المصابة بسكري الحمل (نوع من السكري يظهر في المدة الأخيرة من الحمل ويختفي بعد الولادة) فإنّه لا يوجد مانع من صيامها سواء كانت تسيطر على المرض بنظام الوجبات الغذائية فقط أو بتعاطي جرعة واحدة من الأنسولين يومياً.
وبشكل عام فإنّه يجب على مرضى السكري الصائمين اتباع التعليمات والإرشادات الآتية:
1- مراجعة الطبيب المعالج قبل بدء الصيام للتأكد من عدم وجود مضاعفات لمرض السكري قبل تحديد إمكانية صيامه من عدمه.
2- عدم الصيام بنشاط جسماني أو رياضي مجهد أثناء الصيام.
3- التعجيل بتناول وجبة الإفطار وتأخير وجبة السحور، وأخذ حقن الأنسولين في مواعيدها المحددة.
4- التقيد الدقيق بمواعيد الوجبات الغذائية وكمياتها.
5- ملاحظة ظهور أعراض انخفاض مستوى سكر الدم وقطع الصيام فوراً بتناول أي مادة سكرية حتى لا يتعرض المريض إلى مضاعفات خطرة كالغيبوبة.
ويحصل الشخص الصائم على الطاقة اللازمة لأداء المجهود الجسماني وقيام أجهزة الجسم بوظائفها من احتراق سكر الجلوكوز (الناتج من هضم الغذاء) بمساعدة هرمون الأنسولين الذي يحفز دخول سكر الجلوكوز إلى داخل الخلايا. ويقوم الجسم أثناء فترة الصيام بالحصول على الطاقة اللازمة من تحويل الجليكوجين المخزن في الكبد إلى سكر جلوكوز يندفع إلى الدورة الدموية، ومنها إلى خلايا الجسم ليتم احتراقه وإنتاج الطاقة. وتكفي كمية الجليكوجين المخزنة في الكبد للمحافظة على مستوى سكر الجلوكوز في الدم لمدة تصل إلى 16 ساعة بمساعدة هرمون الأنسولين. وبعد استنزاف الجسم للجليكوجين المخزن في الكبد، فإنّه يحصل على احتياجاته من الطاقة من الأنسجة الدهنية، ويؤدي ذلك إلى تكون مادة الأستون (الكيتون) في الدم والبول.
ولقد رخص الله تعالى الإفطار للمريض، حيث قال في كتابه الكريم: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة/ 185).
 
- هيبوجلاسيميا الصيام (انخفاض مستوى جلوكوز الدم بسبب الصيام Fasting Hypoglycemia):
هيبوجلاسيميا الصيام هي أحد أنواع انخفاض مستوى سكر الجلوكوز في الدم التي تحدث إما بعد فترة طويلة من تناول الوجبة الغذائية (حالة الصيام غالباً بعد 8 ساعات)، أو في منتصف الليل، أو قبل الإفطار. بمعنى آخر لا يحدث هذا النوع من الهيبوجلاسيميا كاستجابة للوجبة الغذائية. تتمثل أعراض هذه الحالة في الغباء (الكسول) الذهني Mental Dullness والإجهاد Fatigue والارتباك Confusion وفقد الذاكرة Amnesia والصداع والتشنج Convulsionsوالخجل (الشعور بالإثم Consciousness) وتظهر هذه الأعراض نتيجة قلة كمية الجلوكوز المتدفقة (المتجهة) إلى الدماغ، وذلك بسبب إفراز كميات كبيرة من الأنسولين. هناك عوامل كثيرة تسبب الإفراز المفرط للأنسولين من أهمها وجود ورم خبيث غير سرطاني في البنكرياس (وتسمى هذه الحالة Insulino ma) أو عدم فعالية الكبد في أداء وظائفه بسبب إصابته بالسرطان Cancer، أو تليف الكبد Cirrhosis، أو التهاب الكبد الحاد Sever Hepatitis.
تعمل هرمونات رفع مستوى الجلوكوز في الدم (الجلوكاجون Glucagon والابنفيرين Epinphrine) التي تفرزها الغدة الكظرية الموجودة فوق الكلية غالباً على تحفيز تكسير الجلايكوجين Glycogen في الكبد في حالة انخفاض مستوى الجلوكوز في الدم Hypoglycemia، ولكن في حالة وجود ضرر أو إصابة في الكبد وعدم قيام الكبد بوظائفه بفعالية فإن هذه الهرمونات لا تعمل على رفع مستوى الجلوكوز في الدم. ولمعالجة هيبوجلاسيميا الصيام فإنّه يجب أولاً تشخيص مصدر المشكلة مثل: الورم الخبيث في البنكرياس Pancreatic Turmon، أو العجز في عمل الكبد، أو غيرها ومعالجته. وتجدر الإشارة أنّ المعالجة الغذائية لها تأثير ثانوي.
 
- الهيبوجلاسيميا الفعالة Functional (Reactive) Hypoglycemia:
يحدث هذا النوع من الهيبوجلاسيميا (انخفاض مستوى السكر في الدم) بعد 3-4 ساعات من تناول الطعام، أي كاستجابة إلى الوجبة. وتظهر الأعراض في صورة تهيجية Irritability وتعرق Sweating وخفقان القلب بسرعة Palpitations والارتعاش Shakiness وقلق Anxiety ولا تحدث هذه الأعراض بسبب انخفاض مستوى الجلوكوز في الدم، ولكنها نتيجة لارتفاع مستوى هرمونات رفع جلوكوز الدم Glucose-Raising Hormones التي تفرزها الغدة الكظرية Adrenal Gland مثل الابنفيرين والنوربينفرين Norepinephrine، وهذه الهرمونات لا تحفز على تكسير الجليكوجين، ولكنها تزيد من نشاط بعض أعضاء الجسم Organs والغدد Glands، مما يسبب ظهور الأعراض المذكورة أعلاه. إنّ الأشخاص المصابين بهذا النوع من الهيبوجلاسيميا يكون لديهم معدل إفراز الأنسولين وامتصاص الجلوكوز طبيعياً؛ لهذا فإن هذا النوع من الهيبوجلاسيميا يكون سببه استئصال المعدة (أو جزء منها) Gasthrectomy، أو الإفراط في تناول الكحول، أو الإجهاد، أو التغذية المتعجلة Crash Dieting يعد الكحول مادة مخفضة لمستوى الجلوكوز في الدم Hypoglycemic Substance لأنّه يثبط إنتاج السكر في الكبد Liver’s Output of Glucose.
 
- يمكن معالجة الهيبوجلاسيميا الفعالة Functional Hypoglycemia:
بواسطة تحوير (Modification) (تعديل) الوجبة الغذائية الذي يؤدي إلى إفراز الأنسولين البطيء والتدريجي، مما يقلل من احتمال حدوث انخفاض سريع في مستوى جلوكوز الدم. يجب على الشخص المصاب بالهيبوجلاسيميا الفعالة أن يتناول كميات كبيرة من الكربوهيدرات المعقدة (حوالي 75-100 جرام/ يوم)، وكميات قليلة جدّاً من السكريات البسيطة. بالإضافة إلى ذلك، فإنّه يجب عليه تناول 70-130 جراماً بروتين يومياً، والباقي من إجمالي السعرات اليومية يتناولها في صورة دهون.
تتكسر الكربوهيدرات المعقدة وتمتص ببطء، مما يؤدي إلى إفراز الأنسولين التدريجي. وهذه الكمية من الكربوهيدرات هي أقل من الحد الأدنى (100-125 جراماً) المطلوبة للوقاية من الكيتوسيس Ketosis (إرتفاع حموضة الدم)؛ لهذا فإنّ الجسم يحول كمية كافية من البروتين إلى جلوكوز لتعويض الناقص منه. إن مميزات الحصول على جلوكوز بالطريقة السابقة هي أنها تسبب تحفيز قليل جدّاً لإفراز الأنسولين. يجب على الشخص المصاب بانخفاض مستوى جلوكوز الدم تناول 5-6 وجبات غذائية صغيرة يومياً مع توزيع الكربوهيدرات.
 
- الوقاية من مرض السكري Protection of Diabetes:
يمكن للشخص السليم الوقاية من الإصابة بمرض السكري باتباع النصائح الآتية:
1- التخلص من الوزن الزائد بالنسبة للأشخاص البدنين (السمان) لإزالة طبقة الدهن المتراكمة حول جدر الخلايا التي تعيق دخول الأنسولين اللازم لأكسدة الجلوكوز.
2- ممارسة الأنشطة الرياضية بشكل دوري ومنتظم بما يتناسب مع حالة الفرد الصحية؛ لأنّها تحفز الأنسولين على تحريك الجلوكوز إلى داخل الخلايا، مما يقي الإنسان من الإصابة بالسكري.
3- تجنب الضغوط الذهنية أو الجسدية، أو النفسية خصوصاً تلك التي تدوم لمدة طويلة.
4- عدم الإفراط في تناول السكريات والحلويات والمحليات خصوصاً بعد عمر 40 سنة.
5- الإقلال من تناول اللحوم والأسماك المملحة والمدخنة قدر الإمكان.
6- عدم الإفراط في الأكل للمحافظة على صحة البدن وللوقاية من السمنة والأمراض الأخرى، حيث ثبت قطعياً بأن أكثر الناس إصابة بالسكري هم هؤلاء الذين يتناولون كميات كبيرة من الطعام ولا يمارسون أنشطة عضلية.
7- المحافظة على الوزن المثالي للجسم دون أي زيادة أو نقص.
8- إرضاع الطفل الرضيع من حليب الثدي، وتجنب إعطائه حليب البقر (الحليب الصناعي) خلال الشهور الستة الأولى من العمر.
 
- الوقاية من تفاقم مرض السكري لدى الأشخاص المصابين:
إنّ الطريقة الفعالة لوقاية مرضى السكري من المضاعفات الجانبية المصاحبة لهذا المرض هو تقديم البرامج الثقافية الخاصة بمرض السكري. وفيما يلي بعض الموضوعات التي يجب أن يكون مريض السكري مُلماً وعارفاً بها؛ لأنّها تحسن من ثقافته الغذائية ذات الصلة بمرض السكري الأمر الذي يساعده على السيطرة والتحكم في المرض، وهي:
1- استعمال أجهزة قياس الجلوكوز في الدم والبول في المنزل (يتوافر في الصيدليات أنواع متعددة من الأجهزة السهلة الاستعمال).
2- قياس جرعة هرمون الأنسولين التي يحتاجها باستخدام حقن الأنسولين Insulin Syringe وطريقة حقنها تحت الجلد بنفسه في المنزل.
3- الأعراض الناتجة من ارتفاع أو انخفاض جلوكوز الدم ومراجعة الطبيب حالاً دون موعد سابق.
4- الأدوية ذات التأثير السلبي على مرض السكري.
5- طرق حماية الجسم من الإصابة (خصوصاً الأرجل) أو الأذى أو الالتهابات.
6- العوامل الوراثية المسببة للمرض Inheritance Factors والعوامل الأخرى المولدة للمرض Pathogenesis وكذلك العوامل التي تسبب تفاقمه Aggravating Factors، أي التي تجعل المرض أكثر خطورة.
7- طرق تخطيط وجبات غذائية متكاملة لمريض السكري.
8- التحكم في المرض عن طريق فحص البول والدم.
9- ممارسة الأنشطة الرياضية.
10- استخدام نظام البدائل الغذائية ومرشد الغذاء الهرمي لتخطيط وجبات غذائية متوازنة لمرضى السكري. أي ضرورة معرفة مرضى السكري بطريقة استخدام ظام البدائل الغذائية Food Exchange System ومرشد الغذاء الهرمي لتخطيط وجبات غذائية متوازنة لهم؛ لأنّهما يمنحان مرضى السكري حرِّية اختيار مجموعة كبيرة من الأغذية المفضلة لديهم، بالإضافة إلى تزويدهم بجميع احتياجاتهم من العناصر الغذائية الضرورية للجسم كالبروتينات والدهون والكربوهيدرات والمعادن والفيتامينات.
11- مضار التدخين.
12- كيتوسيس السكري (ارتفاع حموضة الدم) Diabetic Ketosis.
13- أدوية خفض جلوكوز Hypoglycemic Oral Drugs.
14- أنواع الأنسولين وصفات كل واحد منه.

15- المحافظة على وزن الجسم المثالي.

المصدر: كتاب (الغذاء لعلاج السكري/ القرن 21)

ارسال التعليق

Top