• ٣١ أيار/مايو ٢٠٢٠ | ٨ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

مشاكل نفسية سببها السمنة

مشاكل نفسية سببها السمنة

    لماذا هناك أشخاص بعينهم يصابون بالسمنة دون غيرهم؟ وما هي طبيعة الأسباب المحددة لذلك؟ يقول الدكتور الفرنسي جون فيليب زيرماتي، المتخصص في التغذية "مشكلة السمنة لا تعود في أصلها إلى طبيعة المستوى الاجتماعي فحسب، بل هي متعلقة أيضاً بمدى قوة الضوابط والقواعد التي يفرضها الآباء على الأبناء"، إذ ينبغي أن يتدخل الوالدان في تحديد نوعية وكمية الأغذية التي يتناولها أطفالهم، حيث لاحظ هذا الدكتور المتخصص في التغذية أن عدد الأطفال والمراهقين، الذين يترددون على عيادته، في تزايد مستمر.

    

    - الحاجة إلى الحماية:

    تفهم تطور السمنة ليس أمراً سهلاً، فالأسباب المتدخلة في الموضوع معقّدة جدّاً. أحياناً تقود الصعوبة، التي يواجهها الفرد في التعبير عن مشاعره، إلى تفريغها بطريقة أخرى، وخاصة عن طريق الأكل، بحثاً عن الراحة المفقودة. وأحياناً يكون للجسم الضخم في حد ذاته دلالة، فهو يمكن أن يشكل وسيلة دفاعية، وأحياناً يستعمله صاحبه كوسيلة لإثبات مكانته. ومن جهة أخرى، قد تكون للجسم الضخم دلالة أنه أداة تمكن الشخص من حل مشاكله "الوجودية"، التي عجز عن حلها بأشكال أخرى. وفي ظل هذه الظروف، أن يتحول الشخص البدين إلى شخص نحيف يمكن أن يشكل بالنسبة إليه مغامرة محفوفة بالمخاطر، من شأنها أن تضع الشخص المعني في مواجهة الصعوبات، التي كان جسمه الضخم يساعده على مراوغتها والتحايل عليها أو حتى يحميه منها.

    إذن، المشكلة ليست في السعي إلى تخفيض الوزن، بل في أن يتعلم الشخص المعني، قبل أي شيء آخر، كيف يحل مشاكله المعلقة، سواء منها النفسية أم العاطفية أم التواصلية. وفي بعض الحالات، يفشل أخصائيو التغذية، بكل ما أوتوا من قوائم الأغذية التي يسمحون بها، والأغذية التي يمنعونها في التوصل إلى إجابات. وحتى الأخصائيون النفسيون كثيراً ما يفشلون في إصلاح العلاقة المضطربة الرابطة بين نفسية الفرد والتغذية. وهكذا، فإنّ الحل الأفضل هو اللجوء إلى معالج يجمع بين التخصصين، علم النفس وعلم التغذية.

    

    - الدعم النفسي:

    لا ينفي الدكتور دانييل ريغو، وهو طبيب متخصص في التغذية، أن عدد الكيلوغرامات الزائدة في وزن الشخص يؤثر في نفسيته، ويقول: "كثيراً ما نكتشف بعض الاضطرابات النفسية لدى الأشخاص البدينين، ولكن هذه الاضطرابات ليست من النوع الخطير، مثل الشيزوفرينيا، بل الأمر يتعلق هنا باضطرابات مزاجية وتوتر عصبي وصعوبة في النوم..". ويكون ظهور هذه الاضطرابات النفسية مرتبطاً بشكل مباشر بالزيادة في الوزن، حيث أثبتت دراسات عديدة أن هؤلاء الأشخاص، قبل أن يزيد وزنهم بشكل ملحوظ، لم يكونوا يعانون أي مشاكل نفسية زائدة عما يعانيه غيرهم. ويضيف الدكتور دانييل ريغو: "رغم أنه في بعض الحالات يكون صحيحاً أنّ الاضطرابات النفسية قد تقود إلى السمنة، إلا أن هذا ليس قاعدة ثابتة، حيث أثبتت الدراسات الطبية أنّ الزيادة في الوزن ليست مرتبطة بأي نوع من أنواع الضعف النفسي.

    

    - نظرة المجتمع:

    هناك سببان يفسران الاضطرابات النفسية، التي يعانيها الأشخاص البدينين: أوّلهما، الزيادة في الوزن، وهو عامل مسؤول بشكل مباشر من حيث نظرة المجتمع إلى الشخص البدين، ونلاحظ هذا بشكل أوضح لدى الأطفال، حيث تكون الزيادة في الوزن لديهم مرادفاً للخجل والإحراج، وتولد لديهم شعوراً بأنهم هم المسؤولون وحدهم عما هم فيه، كما أن مشكلة "صورتهم الخارجية" أو شكلهم الخارجي هي مشكلة تمس كل الأوساط العائلية والمهنية. أمّا العامل الثاني، فهو الحمية الغذائية في حد ذاتها. ففي الواقع عندما تكون الحمية قاسية جدّاً فيها لائحة طويلة من الأغذية المحظورة، وتؤثر في الحاجيات الغذائية للمريض، تحدث لدى المريض تغييرات حسية على مستوى الدماغ، بحيث تتغير مراكز اهتمامه ويفقد ثوابته النفسية، وتظهر لديه مشاكل نفسية ناجمة عن نوعية الحمية التي يتبعها، وكلما كانت تلك الحمية قاسية، ازداد وضعه النفسي سوءاً.

    

    - أهمية الدعم:

    ما سبق ذكره لا يعني أن علينا إرسال كل شخص بدين إلى الطبيب النفسي، كلا، فبعضهم ليس في حاجة إلى ذلك. لكن بالنسبة إلى مَن يعانون فعلاً اضطرابات نفسية، فعليهم أن يعرفوا أن تَلقِّي الدعم النفسي من متخصص خلال مسيرتهم نحو إنقاص وزنهم هو أمر أساسي لكي يصلوا إلى هدفهم.

    المصاب بالسمنة يحتاج إلى الدعم النفسي، خاصة لأن في الأمر معاناة نفسية، ولأن نظرة الناس غالباً ما يصعب احتمالها، ولأنّ المريض أحياناً يجد نفسه مضطراً إلى مواجهة الفشل في اتباع العلاج بحذافيره. يقول الدكتور دانييل ريغو المتخصص في التغذية: "إضافة إلى الدعم النفسي يكون المريض في حاجة إلى إعادة التفكير في سلوكياته، وإلى طرح مجموعة من الأسئلة الحيوية، مثل: لماذا آكل؟ كيف يمكنني أن آكل بشكل مختلف؟ وقد يفاجأ البعض إن قلت إنّ الإقلاع عن التدخين أسهل من التخلص من الوزن الزائد لدى الشخص البدين، حيث يتمكن البعض من شطب السيجارة من حياته بين ليلة وضحاها. أما البدين، فلا يمكنه أن يشطب الكل من حياته، بل عليه أن يستمر في الأكل، لكن بطريقة مختلفة". لهذا يجب الانتباه إلى ألا تكون الحمية قاسية جدّاً وفيها كل شيء ممنوع، مع السعي إلى تلقي مرافقة نفسية من متخصص طال فترة السعي إلى تخفيض الوزن لدى الشخص البدين.

    

    - ماذا بعد فقدان الوزن؟

    بعكس ما نتوقع يقول الدكتور دانييل ريغو: "عرفت مرضى بدينين بعد فقدهم ما يعادل 35 كيلوغراماً من وزنهم، زادت معاناتهم عما كانت عليه عند بداية الحمية، وهذا يثبت أنّ الاهتمام بصورة الشكل الخارجي للمريض والمرافقة النفسية أثناء الحمية أمران مهمان جدّاً". من جهة أخرى، ينبغي الاعتراف بالجهود التي يقوم بها المريض لإتباع الحمية وتقديرها، كما ينبغي الوعي بأنّ المسؤولية لا تتوقف عند فقدان الوزن الزائد، بل ينبغي ضمان متابعة للحالة حتى بعد فقد الوزن على الأقل لدى طبيب عام أو طبيب العائلة، حتى لا ينتكس المريض ويستعيد كلّ الوزن الذي فقده.

ارسال التعليق

Top