• ٢٦ تشرين ثاني/نوفمبر ٢٠٢٠ | ١٠ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

مفهوم الوحدة في سيرة الرسول محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)

أسرة البلاغ

مفهوم الوحدة في سيرة الرسول محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ رسول الإسلام وخاتم النبيّين (صلى الله عليه وآله وسلم) شخصية تجمع المسلمين بكافة مللهم وأعراقهم، فهو رسولهم جميعاً، وكلّهم متّفقون على أنّه القائد الأوّل والملهم، والقدوة والرجل الإلهيّ الأكمل، وأنّه دعا إلى أن يكون المسلمون يداً واحدة في مواجهة أعدائهم وقوى الشرّ الطامعة. وهذا ما بيّنه الإمام الخميني (قدس الله سره) في الكثير من الخطابات: «أراد رسول الإسلام أن يحقّق وحدة الكلمة في كلّ العالم. أراد إخضاع جميع بلدان العالم لكلمة التوحيد. أراد أن يخضع الربع المسكون بكامله لكلمة التوحيد. بيد أنّ أغراض سلاطين تلك الفترة من جهة، وأغراض علماء النصارى واليهود وأمثالهم من جهة أُخرى، منعته من تحقيق ذلك...». فدعوة الرسول الأكرم  (صلى الله عليه وآله وسلم) هي دعوة لنا جميعاً لنبذ خلافاتنا. وهل هناك أفضل من كلمة التوحيد التي زرعها في نفوسنا كلمة باقية خالدة لتوحدنا؟

مثال عن مفهوم الوحدة: في سبيل ترجمة الرؤية النظرية في الإسلام إلى واقع معاش، وفي سبيل التمهيد لولادة الأُمّة الجديدة بتركيب مجتمعي ذي صيغة منظورة ذات ملامح، وفي سبيل توكيد وحدة المسلمين والتغلّب على التناقضات الداخلية القائمة بين الأوس والخزرج، والتناقضات المتوقعة بين المهاجرين والأنصار، وفي سبيل تحطيم الاعتبار الطبقي، والاقتصادي، وعلاج مشكلة التفاوت في المستوى المعيشي، والتعبير العملي عن مبدأ المواساة والمساواة الإسلامي، إلى جانب تعميق العلاقة الإيمانية بين المسلمين: أقدم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) على أوّل خطوة تنظيمية للمجتمع الجديد هي المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.

فقد دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه من المهاجرين والأنصار بعد خمسة أو ثمانية أشهر من وصوله إلى المدينة وقال لهم: «تآخوا في الله أخوين أخوين»، فتأخى هو (صلى الله عليه وآله وسلم) مع الإمام عليّ (عليه السلام) حيث أخذ بيده وقال: «هذا أخي»، وآخى بين المسلمين وكان يؤاخي بين كلّ منهم ونظيره.

وكان الهدف الذي توخاه الإسلام من هذه الأخوّة هو أن يتحوّل الأوّلون من مجتمع مفكك يعيش أبناؤه البغضاء والعداوة إلى مجتمع متماسك متآلف يعيش المحبّة والمودة. وكانت لهذه الخطوة المؤاخاة نتائج هامّة على المستوى الجهادي، فقد استطاع المسلمون المتآخون تحقيق انتصارات كبرى في معركة بدر والخندق وغيرها برغم قلة العدد وبساطة العتاد.

ثمة أسباب عديدة تفسر لنا الكثير من الانتصارات التي حقّقها المسلمون على أعدائهم الذين يفوقونهم عدداً وعتاداً، ليس في عصر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فقط، بل فيما تلاه من عصور وحتى عصرنا الحالي، وهذه الأسباب هي:

أوّلاً- وحدة القيادة: فقد كان الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) هو القائد العام للمسلمين في معركة بدر، وكان المسلمون يعملون كيدٍ واحدةٍ تحت قيادته، يوجههم ويحدّد لهم التكاليف للقيام بعمل حاسم، وكان انضباط المسلمين في تنفيذ أوامر قائدهم نموذجاً رائعاً للانضباط الحقيقي، ومعنى الانضباط هو إطاعة الأوامر وتنفيذها بالتكاليف المحدّدة بحرص وأمانة وعن طيِّبة خاطر.

ثانياً- العقيدة الراسخة والمعنويات العالية: فقد تمتع المسلمون في بدرٍ بروحٍ معنوية عالية نابعة من عقيدة راسخة وإرادة قوية، وإخلاص وتفانٍ في سبيل الله قلّ نظيره.

لثد أثبتت بدر وكافة الحروب التي خاضها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمون أنّ التسليح والتنظيم الجيِّدين والقوّة العددية، غير كافية لنيل النصر ما لم يتحلّ المقاتلون بالإيمان والتوكّل والصبر والشجاعة والثبات والإخلاص والطاعة والوعي والتضحية والتعاون والإيثار والروح العالية.

ثالثاً- كان المسلمون في بدر يقاتلون في سبيل رضوان الله، وطلباً للآخرة، وكانت لديهم أهداف واضحة يعرفونها ويؤمنون بها وهي إزالة كلّ الحواجز المادّية أمام الدِّين الجديد، وترك الحرّية الكاملة لهم لنشر الإسلام الذي يحرّر الإنسان من العبودية للطاغوت لتكون كلمة الله هي العليا. 

ارسال التعليق

Top