• ١٤ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ٢٣ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

مقرر أخلاقيات البحث العلمي

صفاء صادق*

مقرر أخلاقيات البحث العلمي
زاد الاهتمام في السنوات الأخيرة بأخلاقيات البحث العلمي، وتثقيف العاملين في مجال البحث العلمي بتقاليدها وقيمها. ولذلك كان من الطبيعي أن تفرض الجامعات في معظم دول العالم مقرراً بهذا المُسمى كأحد المقررات الجامعية الأساسية. وقد فرضت جامعة عين شمس هذا المقرر اخيراً على طلاب الدراسات العليا.
والمقصود بأخلاقيات البحث العلمي، القواعد الواضحة لمعرفة ما هو صواب في السلوكيات الجامعية وفي سلوكيات القائمين بالبحث العلمي.
ولا يمكن تأصيل هذه القواعد واستيعاب وفهم كيف آلت إلى ما هي عليه، إلا في إطار رؤية شاملة. فمن الطبيعي أن يتم التعريف بماهية العلم، والقوانين العلمية، والمنهج العلمي، وخصائص المعرفة العلمية، والقضايا الراهنة المطروحة أمام العلم. وكذلك بالخطوط العامة لمسيرة التطور العلمي، ابتداءً من الحضارات القديمة، إلى المرحلة اليونانية، إلى مرحلة ازدهار العلوم التي أعقبت ظهور الإسلام، إلى الثورة العلمية والتكنولوجية الحديثة. وكذلك التعريف بالطبيعة الاجتماعية للعلم، باعتباره نشاطاً تمارسه مجموعات من أفراد المجتمع يرتبطون بمشاكله وقضاياه ويتأثرون بما يسوده من قيم، ويسعون لتحقيق الرخاء له. كما أنّه عمل جماعي مؤسسي يرتبط بالمساهمات السابقة التي قدمها العلماء على مدى التاريخ، وتوضيح تطور العلاقة بين العلم والتكنولوجيا بما يفيد في فهم سمات العلاقة الراهنة بين العلم والمجتمع، ومناقشة مفهوم البحث العلمي، والملامح العادة للبحث العلمي في العصر الراهن.
ومن الضروري تناول المعيقات التي اعترضت مسيرة العلم في الفترات الزمنية المختلفة، سواء جاءت هذه المعيقات من رؤى دينية جامدة متزمتة، أو جاءت من سلطة سياسية، أو جاءت من رؤى علمية متصلبة يصعب عليها تقبل تطوير رؤاها أو جاءت من جانب رؤى اجتماعية متخلفة.
ومن المناسب دراسة وجهات النظر المختلفة المتعلقة بفهم تطور العلاقة بين الفكر الديني والعلم، والمراحل المختلفة التي مرت بها العلاقة بين العلماء والسلطات السياسية والدينية. وفي هذا الإطار يمكن مناقشة مفهوم الحريات الأكاديمية وأهميتها لاستقلال البحث والتقدم العلمي، وارتباطها بالحريات العامة في المجتمع. ومناقشة العملية الإبداعية بين العلم والفن وبين الذاتية والموضوعية.
يرتبط الالتزام بأخلاقيات البحث العلمي في المجتمع الأكاديمي بمستوى الالتزام بالأخلاقيات العامة في المجتمع. وإن كان من المفترض أن تكون درجة الالتزام أعلى بين الأكاديميين، باعتبارهم نخبة تعمل من أجل معرفة الحق والحقيقة وتتمتع بمستوى عال من الوعي. وترتبط الأخلاقيات في مجال البحث العلمي بالتنشئة الجامعية الأخلاقية في إطار علاقة صحية بين الطالب الجامعي وبين زملائه، وبينه وبين أساتذته، وبينه وبين المؤسسات الطلابية الجامعية (اتحاد الطلاب)، وبينه وبين قيادات المؤسسة الجامعية (الكلية والجامعة).
من المفيد للباحث العلمي مناقشة أسس قضيتين تفرضان نفسيهما على العلم الحديث: أولاهما ترييض العلم، باقامته على أساس منضبط من التعبير الرياضي والاستفادة من الرياضيات الحديثة وعلوم الحاسب. وثانيهما النموذج (الإطار) العلمي الذي تقوم عليه النظرية العلمية.
ومن الضروري للباحث العلمي فهم العلاقة بين العمل الأكاديمي والمجتمع والدولة. وكذلك فهم تباين طبيعة البحث العلمي في الدول النامية والدول المتقدمة.
ويجب مناقشة علاقة التطورات التي تحدث في العلوم المختلفة بالفكر الفلسفي والقيم الأخلاقية. مثل مناقشة العلاقة بين أفكار اليقين الميكانيكي واليقين الاحتمالي والقدر. ومناقشة ما يترتب على هذه التطورات في عالم الطب في مجال الهندسة الوراثية والخلايا الجذعية من انعكاسات أخلاقية وفلسفية.
ومن المفيد إعطاء اهتمام خاص بأخلاقيات التعامل مع الإحصاءات، حيث أنها طريقة بحثية تُستخدم في كافة العلوم. كما أنّه إن لم يتم القيام بها في إطار القواعد العلمية لاستخدامها، فقد تقود إلى نتائج خادعة. كما أنها قد تُستخدم لتحقيق أهداف غير علمية، كاستغلالها لترويج بعض المنتجات، أو لتبرير سياسات ما.
وأهم مبادئ وأخلاقيات البحث العلمي هي الصدق، والدقة، والانضباط، والأمانة، والحرية، والاهتمام بالأصالة، وبتقديم البرهان، والثقة، والاحترام، والجرأة في إبداء الرأي بلا وجل، والدفاع بقوة عن هذا الرأي حتى الاقتناع بغيره، توافر الخبرة والتوافق الطوعي بين الزملاء، ومراعاة مشاعر الآخرين، والشعور بالانتماء للمجتمع وللجماعة العلمية، والاقتناع بالحق في الانسحاب من العمل المشترك، وعدم إشاعة أمل زائف، والابتعاد عن التعالي والرياء، والعمل على التجويد المستمر. والمراعاة، عند الاقتباس، بالنقل بدقة وأمانة، وعدم البتر، والتعريف بالمصدر، وعدم نسبة عمل الغير للنفس. والتمتع بالقدرة على ممارسة النقد والنقد الذاتي، والاعتراف بالخطأ بصراحة وشجاعة وبلا خجل عند وقوعه. وتهدف هذه القيم الأخلاقية إلى توفير الإطار المناسب لتحقيق التقدم العلمي.
كما أن هناك واجبات يتعين على المؤسسات العلمية القيام بها كالتخطيط للنهضة العلمية، وتقدم البحث العلمي، ووضع التنظيمات الخاصة بذلك، وتكوين الهيئات العلمية المتخصصة، وإصدار الدوريات العلمية، وتنظيم المؤتمرات العلمية. والتمسك بصيانة استقلال الجامعة وحياد المؤسسات التعليمية والعلمية في الصراع السياسي في المجتمع، فلا يجب، على سبيل المثال، أن يستهدف البحث تأييد أي حزب، وخاصة الحزب الحاكم، ولا لمعارضته. وكذلك عدم استخدام البحث العلمي، كغطاء لأنشطة أجهزة مخابرات أو أجهزة أمنية. وقيام المؤسسات العلمية والتعليمية، ومؤسسات الدولة، بتوفير الحماية القانونية للباحثين، فيما يتعلق بحرياتهم الأكاديمية.
ويجب توعية المتقديمن للتسجيل للدرجات العلمية بالنصائح عند اختيار موضوع البحث من حيث أن يكون الموضوع مناسباً لشخصية الطالب ومثيراً لاهتمامه وحماسه، ومن حيث توافر أدواته، ومن حيث حجمه، وأن يكون البحث فيه ممكناً، فضلاً عن التحديد الواضح للأهداف المطلوب التواصل إليها، وكذلك بقواعد ونظم كتابة الأبحاث والرسائل العلمية.
ومن المفيد كذلك توضيح الأخلاقيات التي يجب أن يتمتع بها الأستاذ الجامعي ليتمكن من أداء دوره العلمي ودوره التنويري في المجتمع، وتجنب إحداث أي أضرار بيئية فيه. كأن يتسم بالسمو عن المكسب المادي قدر الإمكان، والمحافظة على كرامة المهنة، في كل ما يتصل بالبحوث والرسائل والسلوكيات الاجتماعية، وربط البحوث بخدمة الأهداف الجامعية والمجتمعية. وعدم الإساءة إلى زملائه، وتكوين الرأي الحر والمستقل في القضايا العامة. وعدم الإشراف على رسالة بعيدة عن التخصص، وإلا لأسباب إضطرارية، وعدم الإشراف على عدد كبير من الرسائل. وعدم فرضه لآرائه السياسية أو الدينية على طلبته والباحثين المساعدين. كما يجب أن يتصف بالتواضع وأن يُشيد بكل من ألهمه فكرة أو ساعده من تلاميذه وزملائه. ويجب أن يكون على استعداد دائم للحوار والتعاون مع المتخصصين في العلوم الأخرى. ويجب كذلك أن يهتم بالثقافة العامة، وهو أمر قد يكون صعباً؛ فنظراً لاتجاه العلم نحو التخصص الدقيق، فإن تفكير بعض العلماء قد ينحصر في التخصص الدقيق، وهناك من يعجز عن الخروج من إطاره. بينما قد تساعد الثقافة في اكتشاف العلاقات بين فروع العلم المختلفة.
وفيما يتعلق بعلاقة الأستاذ بشباب الباحثين، فإن عليه أن يدفع طلابه لتكوين الرأي المستقل، وأن يخلق لهم الفرص لتحقيق أقصى إنجاز. وعليه أن يعمل على تنمية ملكات التفكير المنطقي المنضبط في طلابه. وأن يقبل إمكانية توصلهم لنتائج، مخالفة لرأيه، وأن يعتبر ذلك، من دلالات نجاحه في أداء مهامه التربوية والعلمية، بل عليه أن يفخر بذلك. كما يجب أن يتسع صدره وعقله للاختلاف معه ويسمح بالمناقشة والاعتراض وفق أصول الحوار العلمي البنّاء.
وفيما يتعلق بالباحثين، فإن عليهم التدرب على الالتزام بالأمانة العلمية والأخلاقيات العلمية، واليقظة والحذر من التحيز اللاشعوري عند تسجيل النتائج. وحثهم على التعاون مع الباحثين داخل نفس المعمل أو في نفس المجال، والمسارعة بمد يد العون لمن يحتاج إليه، وعدم التواني عن تقديم النصيحة، ويجب أن يكون ذلك فقط، فيما يمتلك فيه الدراية والخبرة، وإلا فليحل الأمر إلى من هم أكثر منه دراية وخبرة. والانفتاح على النقد وقبول الأفكار الجديدة. واستخدام الموارد بفعالية، وعدم انتهاك حقوق الغير عند إجراء التجارب. والاعتراف بالفضل والتقدير لكل من عاونه في إطراء بحثه معاونة فعلية، أو قدم له مشورة أو نُصحاً، وأن يُدوّن ذلك، بشفافية كاملة في صفحة الشكر والعرفان في حالة الرسالة العلمية، أو في مقدمة الورقة البحثية العلمية. وعلى الباحث أن يتعامل مع وقته وجهده بشكل رشيد، ويعتبرها قضية استثمار، كذلك الأمر في التعامل مع المال العام.
 
*أستاذ الرياضيات التطبيقية بجامعة عين شمس
 
المصدر: مجلة العربي العلمي/ العدد العشرون لسنة 2013م

ارسال التعليق

Top