• ٣٠ أيار/مايو ٢٠٢٠ | ٧ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

ملاحظات حول موازنة العام 2019

د. حيدر حسين آل طعمة

ملاحظات حول موازنة العام 2019

ما الذي تحقّق في موازنة العراق عام 2019 والمقرة في إطار الحكومة الجديدة؟ رغم نجاح البرلمان العراقي في إقرار الموازنة العامّة مبكراً بعد صراع طويل حول بنود الإنفاق ومصادر التمويل استمر لشهور بين مجلس النواب والحكومة الاتحادية من جهة وداخل قبة البرلمان من جهة أُخرى.

إلّا أنّ الإطار التوزيعي لا يزال يحكم نمط الإدارة المالية في العراق، عبر توزيع إيرادات الريع النفطي على بنود الإنفاق العام المعتادة. مع غياب بارز للبرامج والسياسات الاقتصادية، لتكون هذه الموازنة نسخة عن موازنات الأعوام السابقة مع الاختلاف في الأرقام والعناوين.

أقرت الموازنة الجديدة بنفقات عامّة بلغت (133) ترليون دينار وإيرادات إجمالية لم تتعدَ (105.5) ترليون دينار ليقفز العجز المخطط إلى قرابة (27) ترليون دينار. أيضاً لا يزال الاتكال على المورد النفطي مرتفع فقد لامس نسبة (88%) من الإيرادات المخطّطة اعتماد على سعر (56) دولار ومعدل تصدير قوامه (3.88) مليون برميل يومياً، بضمنه نفط الإقليم والبالغ (250) مليون برميل يومياً.

أمّا فيما يخصّ هيكل الإنفاق العام فقد خصّصت الموازنة مبلغ (100) ترليون دينار للنفقات الجارية في حين تم تخصيص المتبقي (33) ترليون دينار للإنفاق الاستثماري العام. وما يثير الاستغراب حقّاً رفع سقف النفقات العامّة من (128) ترليون إلى (133) ترليون دولار رغم الهبوط الكبير الذي شهدته أسعار النفط من (85) دولار للبرميل إلى (65) دولار للبرميل خلال الأشهر الأخيرة من العام 2018 حين طرحت الموازنة للنقاش والمداولة. وهذا الأمر يعكس بوضح ضعف المؤسّسات الحكومية في التعاطي مع الاقتصاد والموارد بسياسات اقتصادية وقائية سليمة بدلاً من دفع الاقتصاد صوب الأزمات الاقتصادية والمالية.

ومن المفارقات الخطيرة أيضاً، والتي تؤشّر معدل الخلل في الإدارة الحكومية لاقتصاد البلد، اقتصار التخصيصات المالية لقطاعي الزراعة والصناعة على مبلغ (240) مليار دينار وهو ما يشكّل أقل من (1%) من موازنة العام 2019، في حين يشير البرنامج الاقتصادي لسيد عادل عبدالمهدي على التعويل على هذين القطاعين في تحقيق التنمية والتنويع الاقتصادي.

ويلاحظ أيضاً من البيانات آعلاه ما يلي:

1- تزامن التنامي المضطرد للموازنات المالية في العراق مع ارتفاع معدلات البطالة والفقر وتراجع مستوى الخدمات العامّة وهشاشة البُنية التحتية مؤشر خطير حول هدر الموارد النفطية ودخول البلد في نفق المديونية الخارجية.

2- موازنة العام 2019 تكرار لموازنة الأعوام السابقة من حيث غياب الرؤية الاقتصادية وهيمنة منهج الفواتير على أُسس إعداد الموازنة.

3- حجم الموازنة مرتفع جدّاً (ويفوق حجم موازنة العام 2018)، ولا يعكس التعايش مع هبوط إيرادات النفط بشكل كبير مقارنة بالعام الماضي.

4- احتساب سعر برميل النفط بالموازنة بــ(56) دولار مجازفة خطيرة في ضوء أساسيات أسواق النفط وقد يخلف ذلك اتّساعاً في حجم العجز المخطط وشحة في العملة الأجنبية، خصوصاً وأنّ العراق محدّد بمعدل تصدير ثابت (ضمن اتفاق أوبك+) ولا يمكنه التوسع بالإنتاج لتعويض النقص الحاصل في الأسعار.

5- رغم تواضع حجم الإنفاق الاستثماري مقارنة بالإنفاق الجاري فإنّ البلد بحاجة ماسة لإعادة بناء وإعمار وإنجاز المشروعات المعطلة، ويلزم الحكومة إلى توخي أقصى درجات الحيطة والحذر في صرف التخصيصات الاستثمارية، وإلى رقابة ورصد مضاعف من لدن السلطة التشريعية.

6- لا يزال الاتكال مفرط على الإيرادات النفطية في تمويل الإنفاق العامّ رغم التوقعات القاتمة حول مصير أسعار النفط. وهو ما يعكس ضعف الحكومة وفشل جهودها في تعظيم الإيرادات غير النفطية بشكل عادل وغزير، واستمرار الانكشاف الاقتصادي والمالي على تقلّبات أسعار النفط.

7- تشكّل أقساط وفوائد الدَّين العام في موازنة 2019 قرابة (10%) من حجم الإنفاق العامّ وهو مؤشر خطير عن تنامي حجم المديونية واستحواذه على جزء كبير من الموازنة على حساب تخصيصات البناء والإعمار وتحسين مستويات المعيشة.

8- رغم بلوغ معدلات الدَّين العامّ الداخلي والخارجي مستويات حرجة (قرابة 117 مليار دولار) إلّا أنّ التمويل الحكومي للعجز الضخم في موازنة العام 2019 لا يزال متكلاً على الاقتراض العامّ.

ارسال التعليق

Top