• ٤ آب/أغسطس ٢٠٢١ | ٢٥ ذو الحجة ١٤٤٢ هـ
البلاغ

من آثار الشُّكر ونتائجه

أسرة البلاغ

من آثار الشُّكر ونتائجه

أشار صاحب (التحقيق في كلمات القرآن الكريم) إلى خمسة آثار قرآنية مترتِّبة على الشُّكر، نَعرض لها، ونحاول أيضاً أن نتلمَّس - من خلالها - منعكسات الشُّكر في الواقع الاجتماعي، لنعرف أنّ (فنَّ الشُّكر والامتنان) له تداعيات إيجابية كثيرة، وأنّه ليس منهجاً إسلامياً وحسب، بل هو عُرفٌ إنساني توافق المجتمع البشريّ عليه.

يقول (المصطفوي) في (تحقيقه) بأنّ الشُّكر:

1- يُعبِّر عن (الفقر) و(الاحتياج) و(الضعف) بالنسبة للشاكر، حيث يحتاج دائماً إلى النِّعَم والآلاء والفيوضات من جانب المُنعِم، أي الله تبارك وتعالى، يقول سبحانه: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ (سبأ/ 15).

وحديث المصطفوي في آثار الشُّكر مُنصبٌّ على النِّعَم الربّانية، إذ أنّ الناس هم الفقراء إلى الله وهو الغنيُّ الحميد؛ لكنّنا إذا توسَّعنا في هذا المفهوم أو استوحيناه في بُعده المجتمعيّ، نرى أنّ الشاكر حتى في العلائق الاجتماعية، يحاول أن يُضمِّن شكره التعبير عن حاجته إلى المزيد من الإنعام والتلطُّف والتعطُّف عليه، وكأنّه يقول للمُنعِم المتفضِّل عليه، إذ أشكرُ لك هذا الصنيع، آملُ أن لا تقطع فضلك ومعروفك عنِّي.. ومن جهتي، سأسعى إلى بذل ما بوسعي وقصارى جهدي لأن أكون عند حُسن الظنّ بي، ليستمرّ (العطاءُ) منِّي شُكراً بعملي، ومنك بالمجازاة المجزية.

2- ويُعبِّر (الشُّكر) أيضاً في أثر من آثاره عن الألطاف والمراحم والخيرات المتعلِّقة بالنِّعَم حتى يتهيّأ الشاكر للاستفادة والاستفاضة منها. يقول عزّوجلّ: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ (النمل/ 19)، و(الشُّكرُ) من (الصلاح)!

3- يُعبِّر (الشُّكر) عن كيفية الاستفادة من النِّعَم وصرفها في طريق السعادة والكمال، حتى تكون في حقِّ الشاكر رحمةً ونِعمة وخيراً. قال عزّوجلّ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (الإنسان/ 3).

وكذلك الأمر في واقع الحياة، فلو أهداك شخصٌ مالاً، ووَظَّفت المال في طريق الخير والصلاح، لكان ذلك تعبيراً عن شُكرك للباذل، على عكس ما لو نفحَكَ مالاً وتَهوَّرت في صرفه، أو أنفقته على التافهات والموبقات، لكان ذلك باعثاً على حزنه وأسفه، وربّما حال دون أن يُقدِّم لك شيئاً منه في المستقبل.

4- يُعبِّر عن (الشُّكر) بإجلال (المُنعِم) في إنعامه، وإظهار ذلك بالشُّكر (القلبيّ واللسانيّ والعمليّ)، فالشُّكر يوجب جلبَ المزيد من اللُّطف والرحمة والنِّعمة، لاسيما الشُّكر بالتكليف الشرعي في قِبال المُنعِم وإنعامه، وأداء حقّ العبودية والتنعُّم بالنِّعَم. قال جلّ جلاله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (إبراهيم/ 7).

وهذا في حقِّ الله المُنعِم المتفضِّل المنّان.. أمّا في حقِّ الناس، فإنّ شُكر صاحب المعروف يزيد في اللُّطف والمودّة، ويدفع إلى بذل المزيد من المعروف، إذ كما أنّ الإنسان يَميلُ ويَنجذب إلى مَن يُحسِن إليه، فإنّ المُحسِنَ المتفضِّل يشعر بالتقدير إذا شُكِرَ صنيعُه، حتى ولو كان عمله في سبيل الله ولم يطلب عليه جزاءً ولا شُكوراً.

5- يُعبِّر (الشُّكر) عن رِضا المُنعِم بصرف النِّعمة في سبيل إطاعته والتوافق مع برنامج دينه، والاحتراز عن مخالفته. قال جلّ جلاله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل/ 78)[1].

فإنّ صَرف ما يُقدَّم إلينا من إعانات وهبات وعطايا في الخير تعبيرٌ عن الشُّكر وإن لم ترافقه كلمات الشُّكر والامتنان، كما سبقت الإشارة.

وفي تعريفه لمفهوم الشُّكر، فإنّ صاحب (الموسوعة الإسلامية الميسَّرة) يعتبر (الشُّكر) من (مقامات السالكين) وهو ينتظم (العِلم) و(المال) و(العمل).

- في (العِلم) هو معرفة النِّعَم من المُنعِم.

- و(المال) هو الفرح الحاصل بإنعامه.

- و(العمل) هو القيام بما هو مقصود المُنعِم ومحبوبه.

ولو وَجّهنا ذلك إلى معاملاتنا الإنسانية، لرأينا أنّ شُكر الوالدين - مثلاً - يقتضي معرفة ما بذلاه من أجل بناء وتربية الولد، وفرحه بما قَدَّماه له وضَحَّيا من أجله، وسعيه بعد ذلك إلى إرضائهما - بما يستطيع - وبهذا تكتمل دائرةُ الشُّكر (عِلماً) و(مالاً) و(عملاً)!

ويرى صاحب (قوّة العزيمة) واين دبليو داير أنّ (الامتنان) بمثابة المغناطيس الذي يجتذب أشياء كثيرة، حيث يقول: «عندما تتعرَّف على طبيعتك الأبدية سوف تتغيَّر وجهة نظرك كلِّية، سوف تكون في حالة امتنان متواصل لكلِّ ما يظهر في حياتك. إنّ بقاءك في حالة امتنان سوف يخلق ما يشبه المغناطيس الذي يعمل على اجتذاب الأشياء نحوه. إنّ عرفانك بالجميل لكلِّ ما تملكه سوف يجعل المزيد من الخير يتدفَّق في حياتك من خلال هذا المغناطيس» (ص144).

وبهذا، فإنّ (العطاء) يستجلب (الشُّكر).. و(الشُّكر) يستدرّ المزيد من (العطاء)، وعندها لا نكون أمام عطاء وشُكر مجرَّدين، وإنّما بإزاء عطاءٍ لمن يشكر العطاء بالثناء والامتنان، وذكرُ ذلك وعدم نُكرانه، بل وتوظيفهُ في الخير والصلاح، وهذا ما أوضحه الإمام علي بن الحسين 7 في رسالة الحقوق حين قال: «أمّا حقُّ ذي المعروفِ عليك فإن تَشكُرَهُ وتَذكُرَ معروفَهُ وتُكسِبه المقالةَ الحسنةَ، وتُخلصَ له الدُّعاء في ما بينك وبين اللهِ عزّوجلّ، فإذا فعلت ذلك كنتَ قد شَكرتَهُ سرّاً وعلانيّةً، ثمّ إن قدرت على مكافأته يوماً كافيته»[2].

ومعنى ذلك، أنّك اليوم في موقع الحاجة إلى العطاء وقد وجدت مَن يُلبِّي لك حاجتك، وقد يكون هو في غدٍ في موقع الاحتياج، فيكون شُكره بأن تكافأه بالعطيّة وردّ الجميل، وهكذا هي دورةُ الحبّ والإحسان والتعاطف والتعاون والاحترام، والتباذل والتكافل والتكامل، في دوران موصول.

نخلصُ من دراستنا لآثار الشُّكر في حياتنا إلى إيجازها بالآتي:

1- (الشُّكر) يُشعرك أنّ إحسانك مُقدَّر ومُثمَّن وموضع ترحيب واعتزاز، ممّا يبعث في داخلك شعوراً ببذل المزيد من الإحسان والحسنات.. وأمّا مقولة «اتّقِ شَرَّ مَن أحسنتَ إليه» فناظرةٌ إلى أُولئك اللؤماء المرضى الذين لا يعرفون للشُّكر والامتنان معنى، بل يُقابلون الحسنة بالإساءة!

2- وكما ترفع كلمة الشُّكر وآيات الامتنان حماسةَ المُحسن، تزيد في ثقة المُحسَنَ إليهم أنّ الدنيا ما تزال بخير، على الرغم من كلِّ الشواهد والدلائل التي تُعبِّر عن الجفاء والجفاف الإنسانيين، إذ حيثما أدرت بَصرَك وجدتَ مَن يعمل صالحاً، ويُسدي معروفاً، ويبذل في سبيل مرضاة الله ونفع الناس، حتى ولو صدمه كثرةُ المُعرضين عن ذلك، أو عدم الآخذين به نهجاً إنسانياً، يُقرِّب القلوب والمسافات.

3- يلعب (الشُّكر) دوراً مهمّاً في (التنمية البشرية) مثلما يمارس دوره في (التنمية العملية)، إذ أنّ الإنسان الشاكر يُعرب عن امتنانه القلبي لمن أحسن إليه، والمشكور يُفصِح عن امتنانه وحمده وثنائه على مَن مَكَّنه من البذل والإحسان وأتاح له أن يكون من المحسنين وهو ربُّ العطايا كلّها، الرَّحمن الرَّحيم.

في (التنمية الاقتصادية) تفعل كُتُب الشُّكر والتقدير، وأوسمة التكريم والافتخار والتشريف، فعلها في زيادة الإنتاج وتطويره، والسعي في الوصول إلى مراتب أعلى من الإبداع.

وفي (التنمية البشرية) تتنامى مشاعرُ العطاء (مادّياً) أو (معنوياً) من المُحسِن، و(عاطفياً وبيانياً) من المُحسَن إليه، إذ أنّ صاحب المعروف يُعطي عن (يد) وصاحب الشُّكر يُعطي عن (قلب ولسان)، ولسنا في صدد المقارنة بين حجمي العطائين: المادّي والمعنوي، البذل والشُّكر، وإنّما بصدد (الفعل) و(ردّ الفعل): (عطاءٌ) لا ينتظر الشُّكر لأنّه عن نفسٍ سخيّة تشعر أنّ ما تقوم به من إحسان هو من واجبها ومن فضل الله تعالى عليها، ولا شُكر على واجب، و(شُكرٌ) مُنتَظَرٌ من نفسٍ تَلقّت الإحسان فأبت إلّا أن تُقابله ولو ببعض آيات الامتنان والعرفان.

 

[1]- التحقيق في كلمات القرآن الكريم، الشيخ حسن المصطفوي، ج6، ص98-103 باختصار وتصرُّف.

[2]- الخصال، الصدوق،  أبواب الخمسين، الحقوق الخمسون للإمام علي بن الحسين السجّاد 7، ص568-569.

ارسال التعليق

Top