• ٢ حزيران/يونيو ٢٠٢٠ | ١٠ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

نحو علاقة طيبة بين الآباء والأبناء

الشيخ محسن عطوي

نحو علاقة طيبة بين الآباء والأبناء
تعتبر العلاقة بين الآباء والأبناء من نوع العلاقات الأسرية التي تتسم بقدر يعتد به من التعقيد، مثلها في ذلك مثل العلاقة بين الأزواج والزوجات، ومثل العلاقة بين الإخوة والأخوات، وذلك نظراً لقوة التماس الحاصلة بين كل طرفين من هؤلاء بسبب عيشهم في دائرة محصورة مشتركة في البيت، فإننا حتى لو تجاوزنا الحقوق العامة والآداب التي تنظم علاقة الآباء بالأبناء سوف نجد أن كل صغيرة في حياتهما المشتركة من شأنها إثارة الخلاف أو إشاعة أجواء الود والصفاء، لذا فإنك تجد صعوبة في استعراض هذه المشكلات واحدة واحدة لعدم وقوعها تحت الحصر.
 
-        الحق الأعظم:
والذي يميز الوالد في هذه العلاقة أن حقه على ولده يرتفع ليصل إلى حدود حق الله سبحانه وتعالى في الثبات والرسوخ والتقدير، وهو أمر يجعل الوالد – مهما كان سيئاً – في مرتبة من الاحترام لا تمكّن الولد من خوض غمار خصومة متكافئة معه، بل يجب أن يبقى مطاطئاً رأسه ومتسامحاً مع أبيه وطالباً لرضاه ومتقرباً منه.. من دون استثناءات أبداً.
إنّ سوء الفهم لهذه الميزة هو الذي قوّى قدرة الوالد على الاستبداد بولده، وأطاح بحقوق الولد على أبيه، وذلك لأنّ الكثير من الناس – ومنهم الآباء – يحرصون على امتيازاتهم وحقوقهم وخصوصياتهم أكثر من حرصهم على حق الآخرين وخصوصياتهم، فتجد الوصية الذهبية الخالدة التي وردت في الأثر الإسلامي الشريف: "أحب لأخيك ما تحب لنفسك..." وكأنّ الآباء مستثنون منها في علاقتهم بأبنائهم، وكلما أتقن الابن الطاعة وإحناء الرأس كلما اشتد هؤلاء الآباء في تسلطهم على أبنائهم. إن هذا الحق الأعظم الذي أُعطي للوالد على ولده في الوقت الذي هو تكريم وشرف لهذا الرجل فإنّه أيضاً مسؤولية وفتنة، وهو عندما أًُعطي أمانة رعاية هذا الابن قد أصبح مسؤولاً أمام الله تعالى وأمام الناس عن حسن تعهده لهذه الأمانة، ومن ثمّ فإنّه يستحق اللوم والعقاب عند لجوئه إلى أنانيته واهتمامه بنفسه على حساب ابنه وسعادته، فمن المؤسف أن يكون ذلك سبباً في استبداد الآباء بالأبناء وتضييع حقوقهم لمجرد أنهم أبناء، كذلك فإنّه من المؤسف أن يكون ذلك أحد أهم الأسباب في تمرد الأبناء على الآباء وتجاوز حقوقهم.
 

-        سلسلة الأخطاء:
من جانب الابن نلاحظ أنّ الشاب عندما يتفتح وعيه ويبدأ بمعاركة الحياة يندفع بحماس إلى مباشرة أموره، وهو قلما يهتم بإشراك الآخرين فيها، لا سيما والديه، بل إنّه يعتبر رغبة الوالد وإصراره على توجيهه تدخلاً في شؤونه ونوعاً من الهيمنة الاعتباطية عليه، فينزع بقوة نحو الاستقلال والتحرر من هذه التوجيهات، وهو ولا شك سوف يخرج من خطأ ليقع في آخر، ومن مشكلةٍ ليتورط في غيرها، ويغدو الأمر سلسلة من الأخطاء تتواجد أمام عيني الأب ويطاله قسط وافر منها.. شاء أو أبى.
ولدى التحليل المعمق لهذه الحالة التي ترافق فترة الشباب الأولى نشعر وكأنها تحدث بنحو من الحتمية، كأنّ الله تعالى أودع في كينونة هذا الإنسان النزوع نحو الاستقلال من أجل أن يُعّمق معرفة الشباب بشؤون الحياة بعد تذوق مرارة التجربة الفاشلة التي وقع فيها، فكم من الناس لا يقتنعون بالنصائح التي تُسدى إليهم، فيدفعهم الحماس غير المتبصر إلى ارتكاب ما نهوا عنه، ليعلموا بعد فوات الأوان صواب تلك النصائح وصحتها.
وعندما لا يلتفت الآباء إلى هذه الحالة الحرجة، وعندما لا يحسنون التعاطي معها، فإنهم سوف يعيشون علاقة متوترة على الدوام بأبنائهم، ويتراكم سوء الفهم المتبادل حتى يصبح جداراً يمنع التجاوب والانسجام بين الطرفين.
 
-        هذه هي الخلفية:
مضافاً إلى عوامل أخرى.. فإننا أردنا أن نبرز هذا الجانب من الأسباب التي تكمن وراء ظاهرة التوتر في العلاقة بين الآباء والأبناء، إنّ الولد عندما يرى أباه مستغرقاً في تمجيد الذات واستشعار التفوق، وتذكير الابن دائماً بأنّه ذو حق عظيم من دون أن يشعره بالمودة والرحمة والأبوة الخالصة.. إن الولد سوف لن يُكِنَّ التقدير الحقيقي لأبيه، وقد يطيعه.. ولكن من دون شعور بالتواصل والتعاطف، بل لمجرد أنّ القيم تفرض ذلك عليه فيؤديها بروح الفرض والواجب، لا بروح المحب المقدر.
كما أنّ الأب عندما يرى ابنه نزّاعاً للإنفصال عنه.. غير مبالٍ باتباع توجيهاته، مؤذياً له بتصرفاته، هذا الأب سوف يشعر بخيبة أمل كبيرة عندما لا يقدِّر الابن الآلام التي تحملها والده في سبيل تربيته، وعندما لا يهتم كثيراً برضاه ولا باستشارته.. بل ولا يشركه في أموره، فلا عجب أن يدفع ذلك الآباء إلى التوتر والنفور حتى في خطابهم لأبنائهم، بل يصل الأمر إلى حد الانزعاج من حضور الابن في البيت، فيستحل الوالد طرد ابنه ليرتاح من أجواء التوتر المخيمة.. إذا لم يكن قد لجأ إلى ضربه تنفيساً عن غيظه، أو إغلاظاً في تربيته.
وصحيح أنّ الطرفين في معظم الأحيان مسؤولان عن جو التوتر، غير أن ذلك لا يلغي إمكان ابتلاء أحد الطرفين منفرداً، فما أكثر ما يكون الأب مستقيماً وقادراً على النهوض بمسؤوليته لكنه يبتلى بولد عاق متمرد، وقد يحدث العكس وبكثرة أيضاً، وما أكثر ما يحدثنا الشباب المؤمنون عن آباء لهم سيئين يذيقونهم العنت والمرارة، في وقت لا يكونون فيه قادرين على فعل شيء أمام طغيان آبائهم المتجه مباشرة إلى إيمانهم وتدينهم.
وهكذا ترانا أمام مشكلة حادة، إذا أردنا علاجها فإننا يجب أن نرتد بالحديث إلى الأصول النفسية والخلقية التي تتحكم بسلوك الأفراد، وهي التي ركز عليها الإسلام وأولاها عنايته، مع ملاحظة صعوبة اتخاذ إجراءات رادعة من قبل السلطة الشرعية الحاكمة، لعدد من الأسباب، أهمها صعوبة حصر أسباب التوتر والتدخل في أجواء أسرية تتنوع مشكلاتها.
 
-        صادقه سبعاً:
إنّ أجمل صورة لما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين الآباء والأبناء هي الصداقة، بحيث يصبح كل من الأب والابن صديقاً للآخر يألفه ويرتاح إليه، وفي الوقت نفسه يتمايز عنه، تماماً كالصديقين الغريبين، فهما يتمايزان كلٌّ بكيان خاص مع شدة اقترابهما وأنسهما ببعضهما.
وكي نصل إلى هذا المستوى في علاقتنا بأبنائنا لابدّ – في الدرجة الأولى – من تعزيز الثقة لتصل إلى حد الشعور بحاجة كل واحد إلى الآخر، وبداهة أنها لا يمكن أن تحصل إلا إذا كان الوالد مستعداً لتقديم قسط كبير من راحته إلى ولده، فيأخذ من ذاته ومن خصوصياته ليعطي ولده، فيشعره أنّه معه وفي خدمته وأنّه لا يريد شيئاً لنفسه، وأن علاقة الأبوة لا تعني تسلطه عليه بل تعني أنّه في رعايته، وأن معنى الطاعة من جهة الابن هو أن يكون متواضعاً لأبيه في رأيه وفي مسلكه، وأنّه بالطاعة يغنى بتجارب أبيه وأنّه يكَِّمه بما تعب أمامه وبذل في سبيله.
عند ذلك سوف ينعكس هذا التوجه على نظرة الأب وعلى لهجة حديثه وعلى تفهمه لحاجات ولده، فتبدو فيها الرقة والعطف والتجاوب بدل التسلط والأنانية والتحجر، عندئذ لا يكون مراد الأب أن يسترق ولده بل مراده أن يسمو به، فإذا شعر الولد بالأمان والاطمئنان يستسلم لوالده وتسهل عليه طاعته.. بل ويلتذ بها.
إننا كآباء.. عندما نصطدم بتيار الحماس المتدفق في أبنائنا كي يمارسوا عملهم بأنفسهم.. علينا أن نشجعهم ونكتفي بمراقبة اندفاعتهم حتى لا تصل إلى نقطة الخطر، فما دامت دون الخطر لا بأس بتركهم وما يريدون، ولا يعني هذا أنهم غير مطيعين، إنهم يجارون التوثب الذي غرز في طبيعتهم حتى يباشروا حياتهم ويستفيدوا منها، وهو شعور لذيذ ينبغي أن يستشعروه، شعورهم بأنهم أحرار، وبأنهم هم الذين عملوا، وهم الذين أنتجوا.
وعندما يستدعي الأمر النصيحة فليكن إسداؤها رقيقاً ممتعاً مناسباً، وإذا خيف الوقوع في الخطر ورفض النصيحة فلا مانع من الاشتداد بشيء من الحكمة واللين لتجاوز الأزمة بأقل قدر من التوتر.
 

-        كنز التجارب والمحبة:
أما الابن فإنّه وإن كان يحرص على أن يعيش حياته بقدر كبير من الاستقلال، ولكنه يغفل عن الموقع الكبير الذي يجب أن يكون للأب في داخل نفسه، وحتى عندما يكون الأب فاسقاً يبقى والداً عطوفاً مشفقاً، ومهما كان المستوى الثقافي ودرجة الوعي عند شبابنا فإن في آبائهم جوانب مضيئة لا غنى لهم عن الاسترشاد بها والاستفادة منها، إنّ العلاقة مع الوالد – في أسوأ الظروف – يجب أن تقوم من جانب الأبناء على الخضوع حتى درجة الذلة، فإن ذلك يدخل السرور على قلب الأبوين، ويشعرهما بمزيد من المودة والميل إلى الولد، وإذا كان لابدّ من المعارضة والخروج على رأي الأبوين وإرادتهما فيجب أن يحدث ذلك بكل لطف وإيجابية وحنكة، والمؤسف أن أبناءنا في مقتبل شبابهم يعجزون عن التفنن في ذلك، ويبقون أسرى حماسهم المفرط فيتشاجرون في أمور كثيرة مع الآباء، فتقع عليهم مسؤولية معظم أسباب التمرد والتوتر التي تحصل بينهم وبين آبائهم، وذلك عندما يظنون الأب خصماً وعائقاً أمام آمالهم، بينما ينطلق الآباء في معظم مواقفهم من حبهم لأولادهم وإشفاقهم عليهم، فيمنعونهم حتى بعض الأمور الدينية التي يرى الآباء فيها خطراً على أبنائهم.
ومن المفترض – نتيجة ما ينبغي أن يتحلى به الآباء من تفهّم لواقع الحياة ومتطلباتها – أن يتعاونوا مع أبنائهم في طموحاتهم الدينية والإنسانية، فما دام الولد نزيهاً مستقيماً واعياً، وبما أنّ الأب يجب أن يكون صديقاً لولده، فإنّ بالإمكان قيام علاقة طيبة وحميمة ومتفهمة بين الطرفين تجعل الوالد قادراً على إقناع ولده باعتماد سلّم للأولويات لنشاطاته، فلا يخلط أمراً بأمر على حساب أهميته وضرورته، بل يكون الأب مساعداً وعضداً لابنه في اختيار الأهم والأولى مخففاً من قوة تأثير الغير على ولده.
إنّ الشريعة أوسع من أن تسبب الحرج، ومن أن تهدد سعادة الأسرة واستقرارها، والذي يحدث غالباً هو إفراط في إجراءات السلامة من جانب الأهل، وإفراط في الحماس من جانب الولد، ولدى فقدان الثقة بينهما لن يمكن التفاهم على ما فيه خير الولد وخير الوالدين وخير الأُمّة.

ارسال التعليق

Top