• ١٨ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٠ | ٣٠ محرم ١٤٤٢ هـ
البلاغ

12 خطوة نحو المودّة والتعاون والثقة (ج2)

د. أندرو نيوبيرغ ومارك روبرك والدمان/ ترجمة: رفيف غدار

12 خطوة نحو المودّة والتعاون والثقة (ج2)

 

الخطوة 6: حاول الوصول إلى ذكرى سارّة
يحتاج الشخص إلى أن يدخل المحادثة بتعبير جذّاب يوحي باللطف، والتعاطف، والإهتمام. ولكن كما شرحنا في الفصل السابق، لا يمكن اصطناع هذا التعبير الوجهي، بل يمكن استحثاثه بالوصول إلى ذكرى سارّة، خصوصاً تلك المشتملة على أناس تحبّهم وتحترمهم بعمق. تُليِّن هذه الذكرى العضلات المحيطة بالعينين وتستحثّ ابتسامة نصفية رقيقة على وجهك.
عندما يرى شخصٌ آخر هذا التعبير، فهو يحفِّز في دماغه شعوراً بالثقة. كما أنّ تذكُّر الذكريات السارّة سيُطلِق كيماويات السرور في جميع أنحاء جسمك ودماغك، وسيأخذك هذا إلى حالات أعمق من الإسترخاء. ثمّ عندما تنظر مباشرةً في عينَيّ الشخص الآخر بينما تحافظ على هذه الذكرى الجميلة، سيرغب فعلاً في الدخول معك في حوار. ستُحاكي تعابيره الوجهية تعابير وجهك، وسيُعمِّق هذا إحساس الرضا والإطمئنان عند كليكما. وكما أوضح الباحثون في جامعة لويولا في شيكاغو، يؤدِّي الرضا إلى ارتباطات خيِّرة بشكلٍ متبادل.
ما المانع من إبقاء وجهك مسترخياً؟ حسناً، يتبيّن أنّ الوجه المسترخي جداً يبدو كئيباً، ولهذا نجد أنّ الصوَر الفوتوغرافية القديمة من القرن التاسع عشر تبدو تعيسة للغاية. في ذلك الحين، تطلّب تثبيت الصورة على اللوح الفوتوغرافي عدّة دقائق، ولهذا فإنّ حالة الإسترخاء العميق كانت الطريقة الأفضل لإبقاء وجه الشخص ساكناً. وفي بداية القرن العشرين، عندما أصبحت سرعات مصراع الكاميرا أكبر، كان المصوِّرون قادرين على أسر تعابير الرضا تلك السريعة الزوال.
الآن أنت مستعد للدخول مع شخص آخر في محادثات ذات معنى، ويتطلّب الأمر نحو 4 دقائق فقط من التحضير: دقيقة لتتمطّط وتسترخي وتتثاءب، و30 ثانية أخرى لجذب نفسك إلى اللحظة الحالية، ولحظة لمراقبة كلامك الداخلي وكبحه كي تتمكّن من الإستمتاع ببضع ثوان من الصمت، ودقيقة أخرى لملء عقلك بالإيجابية بينما تركِّز على قِيَمك الأعمق وهدفك. ويتبع ذلك تذكُّر ذكرى تملأ نفسك بالسرور والفرح.
مع قليل من التدريب، ستكون قادراً على الدخول في تلك الحالة الرائعة من الإدراك المُضاعَف في أقل من دقيقة أو اثنتَين.
 
الخطوة 7: راقِب التلميحات غير اللفظية
"أبقِ عينَيك على الكرة". إنّه تعبيرٌ مُستخدَم في الرياضة، وغالباً ما يُطبَّق في العمل، ولكن عندما يتعلق الأمر بالعلاقات بين الأشخاص، فمن الأساسي أن تُبقي عينيك على الشخص الذي تتحدّث إليه من أجل تمييز الرسائل غير اللفظية العديدة التي نرسلها بإستمرار إلى الآخرين. ومع ذلك، هذا لا يعني أنّك يجب أن تحدِّق بشكلٍ متواصل إلى الشخص الآخر – فقد يبدو هذا تعدِّياً – ولكن إذا حافظت على الرقّة في عينيك، وهي رقّةٌ مُولَّدة من ذكرى سارّة، فإنّ الشخص الآخر لن يرغب في رفع عينيه عنك!
يُحفِّز الإتصال البصري دوائر الشبكات الإجتماعية في دماغك. وهو يُنقِص مستويات الكورتيزول (هرمون الإجهاد)، ويزيد مستويات الأكسيتوسين، وهي مادة كيميائية عصبية تعزِّز التعاطف، والتعاون الإجتماعي، والتواصل الإيجابي.
يستطيع معظم الناس أن يميِّزوا التعابير الوجهية الأساسية السبعة – الغضب، والخوف، والحزن، والإشمئزاز، والدهشة، والإزدراء، والسعادة – بالرغم من أنّها لا تبقى على وجه الشخص لأكثر من بضع ثوان. ولكن كما يشرح إكمان، عليك أن تبقى مُركِّزاً كلّياً، وأن تحرص على عدم الإلتهاء بأفكارك الداخلية.
إذا أراد شخص أن يُخفي شعوراً – بدافع الإحراج، أو الإنزعاج، أو الرغبة في الخداع – فقد يظهر التعبير الحقيقي لربع ثانية فقط. إنّ قراءة التعابير المجهرية لا يُعتَبر أساسياً للتواصل الفعّال، ولكنه يعطيك ميِّزةً فقط. كما أنّ انطباعاتك لن تضمن الدقّة. سيكون عليك أن تبحث عن دلالات إضافية، ومن ثمّ أن تسأل الشخص إن كنت مُحِقّاً. ولكن هناك مشكلة: عندما تقوم بهذا، يمكن أن يشعر الشخص الآخر أنّ خصوصيّته قد انتُهِكت. الأمر مزعج جداً عندما تكتشف أنّ أحدهم يستطيع قراءة أفكارك.
بإمكان التعابير المجهرية أن تخبرك فقط بوجود عاطفة حقيقية مخبوءة، ولكنها لن تخبرك عن السبب. ولن تخبرك أيضاً عمّا إذا كان الشخص يخفيها شعورياً أو لا شعورياً. من أجل استكشاف هذه الأجزاء الهامّة من المعلومات، عليك أن تتحدّث بعمق أكبر مع شريكك.
وفقاً لإكمان، فإنّ تعلُّم كيفية قراءة التعابير المجهرية "يعطيك ميّزةً في العمل لأنّه يتيح لك أن تتواصل بفعّالية أكثر مع شركاء العمل". نحن نقترح أن تزور الموقع الإلكتروني لإكمان (www.paulekman.com) لترى مدى براعتك في اكتشاف التعابير الوجهية باستخدام الأداة التدريبية لقراءة التعابير الوجهية. يستخدم إكمان حالياً بحثه حول التمييز الوجهي لمساعدة الناس على تنمية التوازن العاطفي.
 
الخطوة 8: أظهِر التقدير
ستحدِّد كلماتك الأولى التي تتفوّه بها نبرة المحادثة بأكملها، وقد تكون مجاملةٌ واحدة هي كلّ ما تحتاج إليه لتعزيز التعاون والثقة. ومع ذلك، فإنّ عدداً قليلاً من الناس يبدأون محادثاتهم بملاحظة إيجابية. والواقع أنّنا نكون ميّالين أكثر لأن نتكلّم بحرِّيّة عندما نكون منزعجين من شيء ما، غير مدركين أنّ الشكوى تُحدِث ردّ فعل دفاعياً لدى المستمِع. ولهذا علينا أن ندرِّب أنفسنا على شمل قدر ما نستطيع من تعابير التقدير في المحادثة. إنّ كلّ تعليق مشتمل على التقدير هو شكلٌ قوي من التوكيد، ويمكنه أن يخفِّف المزاج السلبي للمتلقِّي.
بالطبع، يجب أن تكون جميع هذه التعابير حقيقية، وتتجاوز مجرّد كونها شكلاً من أشكال التهذيب. وكما تؤكِّد هيئة الموظفين في مايو كلينك الشهيرة: "العلاقات تحتاج إلى الرعاية. عزِّر رصيدك العاطفي بأفعال وكلمات طيِّبة. كن حذراً ولبِقاً في نقدك. دع الناس يعلمون أنّك تقدِّر ما يفعلونه لأجلك أو حتى أنّك سعيد فقط كونهم جزءاً من حياتك".
اقتراحنا: ابدأ كلّ محادثة بإطراء، ولكن تأكّد من إنهاء المحادثة بإطراء آخر ينقل إحساساً عميقاً من التقدير للشخص الآخر والحوار الذي جرى بينكما. تُظهِر الأبحاث أنّ الإطراءات في نهاية المحادثة تكون فعّالة أكثر من تلك في بدايتها.
كي تتأكّد من صدق إطراءاتك وعباراتك التقديرية، نقترح أن تسأل نفسك هذا السؤال: "ما الذي أقدِّره فعلاً بشأن هذا الشخص؟" بينما تفكِّر ملياً في هذا السؤال، دوِّن كلّ شيء يتبادر إلى ذهنك، ثمّ اسأل نفسك هذا السؤال: "من بين كل هذه الصفات، أيها يثير إعجابي أكثر؟" تذكَّر جوابك بينما تتحدّث، واستمع حتى تجد فرصة للبوح به. إذا لم تتسنّ لك فرصة كهذه، انظر في إرسال ملاحظة شخصية لذلك الشخص. إنّ ملاحظة تقدير مفاجئة نادراً ما ستُفهَم كخدعة.
كان ناشري (الضمير عائد إلى مارك) السابق وصديقي الشخصي، جيرمي تارشر، يطري على أيّ شيء أكتبه، ثمّ يقترح طريقة لجعل كتابتي أفضل. كانت الإطراءات تبدو حقيقية جداً إلى حدّ أنِّي كنت أتبنّى اقتراحه بالكامل. وفي أحد الأيام سألته: "هل تعني حقاً ما تقوله عندما تُطري على كتابتي، أم أنّك تقوله فقط لأنّه الشيء الذي يحتاج كاتب توّاق إلى سماعه؟" أذهلني جوابه: "مارك، لا أعرف حقاً!" العبرة من هذه القصة: عندما تعتاد على إظهار التقدير باستمرار، حتى لو بدأ كمجاملة أو مناورة دقيقة، فإنّ عقلك سيعتقد في النهاية أنّه صحيح.
 
الخطوة 9: تكلَّم بحرارة
لا يمكننا أن نبالغ في التوكيد على أهميّة التكلُّم بحرارة – إظهار التعاطف والحساسية – لأنّ الأبحاث التي أُجرِيت على عنصر التواصل هذا قليلة جداً. نحن نعرف أنّ النبرات المختلفَة تُسجَّل ويُستجاب لها في مراكز لغة مختلفة في الدماغ، ولكننا بالكاد بدأنا في تعيين أنواع الأصوات التي تعكس مشاعر وعواطف محددة.
في العام 2003، شكّ الباحثون في إمكانية رسم خريطة الصوت البشري بالطريقة التي استخدمها إكمان مع الوجه، ولكنهم الآن واثقون أكثر من إمكانية التحقق من العواطف من أصوات غير لفظية. "أصوات العاطفة" هذه، كما تسمّى، قد تكون متفوّقة على التعابير الوجهية عندما يتعلق الأمر بإبراق الغضب، أو الإزدراء، أو الإشمئزاز، أو الخوف، أو الحزن، أو الدهشة. ومع ذلك، يبدو أنّ التعابير الوجهية هي دقيقة أكثر لتعابير الفرح، والفخر، والإحراج. يمكننا اليوم أن نعيِّن العديد من خصائص الصوت الملفوظ التي تُظهِر العواطف ونربطها بالتعابير الوجهية للمتكلِّم.
بالبحث عن تضاربات بين الوجه والصوت، يمكننا أن نقترب أكثر من تعيين الصدق، والإخلاص، والمعتمدية للمتكلِّم، ولكننا لا نزال مفتقرين إلى طريقة موثّقة لتدريب الناس على تمييز العديد من العواطف الأساسية المخفية في نبرة صوتنا. ومع ذلك، يمكننا أن نأخذ بعض الدلالات من الممثلين، الذين استُخدِموا غالباً في البحث المذكور أعلاه. عندما يحتاج الممثلون إلى إظهار سلوك ودّي، فهم يفعلون ذلك بتذكر حوار تعاطفي من ماضيهم.
إذا خفّضت طبقة الصوت وتحدّثت ببطء، سيسمعك الشخص الآخر ويستجيب لك بثقة أكبر. طُوِّرت هذه الإستراتيجية واختُبِرت في العام 2011 في قسم علوم التواصل والإضطرابات في جامعة هيوستن، وقد استُخدِمت لمساعدة أطباء الأورام على نقل الأخبار السيِّئة للمرضى بأكثر الطرق الممكنة تشجيعاً. عندما خفّض الأطباء طبقة الصوت وسرعة الكلام، شعر المريض أنّهم "أكثر اهتماماً وتعاطفاً".
اكتشف تيد كابتشوك من جامعة هارفارد أنّ استخدام صوت دافئ (راشح بالمحبّة والحنان) سيُضاعِف من قوّة المعالجة على الشفاء. يستخدم كابتشوك فعلياً العديد من عناصر التواصل التعاطفي لتحسين صحّة مرضاه، ويصرِّح بأنّ هذه هي العناصر الرئيسية للنجاح: "سلوك ودّي يرشح بالمحبّة والحنان، واستماع فعّال...، وتعاطف...، و20 ثانية من الصمت التأمُّلي...، وإظهار الثقة والتوقُّع الإيجابي".
نحن نستخدم كلماتنا للتعبير عن جروحنا، ونستخدم كلماتنا لنشفى. ولهذا يبدو من المنطقي جدّاً أن ندرِّب أصواتنا على التكلُّم بحرارة، وثقة، وتعاطف، وأمل. يتّفق علماء النفس التنظيميون في جامعة أمستردام في الرأي: قد يُجبر الصوت القوي، أو القاسي، أو المهيمن الآخرين على الإذعان لنا، ولكنه سيولِّد استياءً يقود إلى أداء أضعف من قِبَل الموظفين. ولكنّ الصوت الدافئ المشجِّع هو علامة على قيادة تحويلية، وسيولِّد مزيداً من الرضا، والإلتزام، والتعاون بين أعضاء الفريق.
 
-         قوة الكلام العاطفي:
إنّ دراسة الدوائر العصبية للكلام العاطفي يمكن أن تزوِّدنا باستراتيجيات مفيدة للتكلم بشكلٍ تعاطفي أكثر. على سبيل المثال، إذا أردت أن تُظهِر الفرح، يجب أن يصبح صوتك لحنياً بازدياد، بينما يترافق الحزن مع صوت رتيب منخفض. عندما نكون غاضبين، أو مُثارين، أو خائفين، نحن نرفع من طبقة وشدّة صوتنا، ويكون هناك الكثير من التغيُّر في كل من سرعة الصوت ونبرته.
مع ذلك، إذا كانت العاطفة غير متطابقة مع الكلمات التي تستخدمها، فسيُسبِّب هذا إرباكاً للمستمِع. يمكن أن تختبر هذا بقول أنا غاضب، بنبرة صوت رقيقة وتعبير لطيف على وجهك. يُنشئ هذا نمطاً متميِّزاً من التنافر العصبي. والأمر صحيح أيضاً إذا سمعت شخصاً يقول أنا أحبّك بنبرة صوت عالية وقاسية. في البداية، ستكون الرسالة مُربِكة، ولكن لأنّ قوة الصوت أو الكلمة السلبية تفوق قوّة التعبير الإيجابي، فإنّ قساوة الكلمات ستجعل دماغك ودماغ المستمِع على حدّ سواء يتفاعلان بغضب أو خوف.
 
الخطوة 10: تكلَّم ببطء
يؤدِّي التكلُّم ببطء إلى زيادة قدرة المستمِع على استيعاب ما تقوله، وهذا صحيح بالنسبة إلى الراشدين الصغار والكبار على حدٍّ سواء. كما أنّ التكلُّم ببطء سيُعمِّق من احترام الشخص الآخر لك، وإذا كنت تتكلّم مع شخص يعاني من أيّ شكل من أشكال العجز اللغوي، فمن الضروري أن تتابع كلامك ببطء، لافِظاً كلماتك بوضوح.
على نحوٍ مثير للإهتمام، غالباً ما يُنظَر إلى المتكلِّمين الأسرع بأنّهم أكثر كفاءةً من أولئك الأبطأ. ولكننا نعتقد أنّ هذا السلوك مُكتسَب ثقافياً، وهو سلوك يمكن أن يُستخدَم بسهولة لإخفاء نوايا المتكلِّم الحقيقية ونقائصه. يقترح جيرمي دين، وهو باحث في كلّية لندن الجامعية، أنّنا نحترس تحديداً من المتحدِّث الذرب اللسان لأنّ "الوتيرة السريعة تُشتِّت الذهن وقد نجد صعوبة في تمييز نقائص الحُجَّة". ويضيف أيضاً أنّنا يجب أن نبطئ في الكلام عندما نتحدّث إلى نظرائنا حول أمور مُقلِقة لدينا اتفاق متبادل بشأنها".
إنّ التكلُّم ببطء ليس جِبِلياً (فطرياً) بقدر ما يبدو، وكأولاد، نحن نتكلّم بسرعة تلقائياً. ولكن بإمكانك أن تعلِّم الطفل أن يُبطئ في الكلام بأن تتكلّم معه ببطء لأنّه سيلائم سرعته في الكلام مع سرعتك. إنّ للصوت البطيء تأثيراً مُهدِّئاً على الشخص الشاعر بالقلق، بينما سيُحفِّز الصوت السريع العالي الإثارة، أو الغضب، أو الخوف.
عندما ندرِّب الناس على التواصل التعاطفي، نطلب من المشاركين أن يتمرّنوا على التكلُّم ببطء شديد كي يتمكّنوا من إدراك أساليبهم الخاصة في الكلام. وبالتالي، فإنّ القوّة الحقيقية للتكلُّم ببطء تكمن في الوعي المتزايد الذي يجلبه بطء الكلام إلى عملية معتادة تفتقر إلى الوعي بغير ذلك.
 
الخطوة 11: تكلَّم بإيجاز
في مقاربة التواصل التعاطفي، لدينا قاعدة أساسية: متى ما كان ممكناً، اختصر مدّة كلامك إلى 30 ثانية أو أقل. وإذا احتجت إلى نقل شيء أساسي إلى المستمع، فجزِّئ معلوماتك إلى أجزاء أصغر – جملة واحدة أو اثنتين – ثمّ انتظر الشخص ليُشعِرك بأنّه قد فهمك.
إنّه مفهوم يصعب تنبّيه، لأنّ عقولنا المشغولة لن تكون قادرة على أن تصيغ بوضوح جوهر ما نريد نقله بكلامنا. ولهذا نحن نتكلّم بإسراف، قائلين بصوت عال دفق المعلومات المولَّدة باستمرار بواسطة كلامنا الداخلي.
في القرون الماضية، عولِجت هذه المشكلة بالكتابة. إذا كان لديك بالفعل شيء هام تريد قوله، اكتبه في رسالة أو انشره في صحيفة المجتمع. إنّ الكتابة نفسها طريقةٌ رائعة لتعزيز أفكار المرء، ولهذا نحن نوصي بأن تدوِّن النقاط الرئيسية لما تريد قوله، خصوصاً إذا كنت ستذهب إلى اجتماع عمل هام.
بالرغم من أنّنا قد غطّينا هذه النقطة عدّة مرّات، إلا أنّها تستحق التكرار: بإمكان عقولنا الواعية أن تحتفظ فقط بجزءٍ صغير من المعلومات لثلاثين ثانية أو أقل. ومن ثمّ يُطرَد هذا الجزء الصغير من الذاكرة العاملة عند تحميل مجموعة جديدة من المعلومات.
الحل: تبنّ القاعدة الذهبية للوعي وقل جملة واحدة فقط أو اثنتَين. ثمّ توقّف عن الكلام وخذ نَفَساً عميقاً لتسترخي. إذا بقي الشخص الآخر صامتاً، قل جملة أخرى أو اثنتَين، ثمّ توقّف مرّة أخرى. يتيح هذا للشخص الآخر أن يشارك في الحديث متى ما شعر أنّه بحاجة إلى أن يستجيب أو يطلب توضيحاً. إذا وجدتّ أنّك مضطر لأن تتكلّم لفترة أطول من الوقت، فأشعِر المستمِع بذلك مقدَّماً لأنّ هذا سيشجِّعه على الإنتباه أكثر إليك وتجاهل تطفُّلية كلامه الداخلي الخاص.
نموذجياً، نحن نقترح أن تعرِّف شريكك بقاعدة التواصل هذه، ومن ثمّ ادعه لأن يجرِّبها معك، بحيث يأخذ كلٌّ منكما دوره في قول جملة واحدة أو اثنتَين لثلاثين ثانية أو أقل. إذا وافق شريكك على هذه الإستراتيجية، ستجد أنّك تستطيع أن تنجز الكثير جداً في فترة وجيزة من الوقت، حتى لو لم تستخدم العناصر الأخرى للتواصل التعاطفي. هذه هي الإستراتيجية الرئيسية التي نعلِّمها للناس الذين يعملون في ميادين التفاوض المعقّد وحلّ النزاعات، وهي فعّالة بشكلٍ خاص في التوسُّط في الحوارات المتفجِّرة بين أطراف متعارضة.
 
الخطوة 12: استمِع بعمق
من أجل أن تستمِع بعمق وإنصات، يجب أن تدرِّب عقلك عى البقاء مُركِّزاً على الشخص الذي يتكلّم: كلماته، نبرة صوته، إيماءاته، تلميحاته الوجهية، كلّ شيء. إنّها هدية عظيمة تقدِّمها للشخص لأنّ معظم الناس سيقولون إنّ إحدى قِيَمهم الأعمق الخاصة بالعلاقات والتواصل هي أن يتمّ فهمهم والإستماع إليهم بعمق من قِبَل الآخرين.
عندما يتوقّف الشخص الآخر عن الكلام – آملين أن يكون لديه ما يكفي من الإدراك الذاتي للقيام بذلك – سيكون عليك أن تستجيب بصورة دقيقة لما قاله الشخص لتوّه. إذا حوّلتَ المحادثة إلى ما كنت تقوله سابقاً، أو إلى موضوع مختلف، فسيعيق هذا الترابط العصبي بينكما، وسينقطع تدفق الحوار بينكما.
عند ممارسة التواصل التعاطفي، ليست هناك ضرورة عادةً للمقاطعة. إذا لم يتوقّف الشخص الآخر عن الكلام، فقد يكون لهذا دلالة هامة. يُحتمَل أن يكون باله مشغولاً، أو لعله منهمك بعمق في مشاعره وأفكاره الخاصة. إذا كان الوضع كذلك، فمن غير المرجَّح أن يكون قادراً على الإستماع بعمق إلى ما تريد أن تقوله.
لكن ماذا إن كنت تريد أن تنقل إليه شيئاً هامّاً، ووقتك ينفد؟ من الناحية العصبية، هذه معضلة، لأنّ مقاطعتك ستبدو كتطفُّل. ليس هناك حل بسيط لهذه المشكلة، ولهذا السبب نحن نشجِّع الناس على الموافقة شكلياً على قاعدة التكلُّم بإيجاز من أجل تفادي هذا النوع من المشاكل. ولكن إذا كان لابدّ لك من المقاطعة، يمكنك أن تطبِّق الخطوات الأخرى للتواصل التعاطفي. على سبيل المثال، يمكنك أن تقاطع بسرعة معتذراً ومُجامِلاً، بصوتٍ دافئ ونظرة محدِّقة رقيقة: "آسف للمقاطعة لأنِّي أقدِّر فعلاً ما تقوله، ولكن لسوء الحظ أنّ لدي اجتماعاً يجب أن أحضره، وأخشى أن ينفد الوقت من دون أن أنقل إليك ما أريد". بالنسبة إلى معظم الناس، سيُقابَل هذا النوع من الحيلة بالتقدير.
من المهم أيضاً أن ندرك أنّ معظم الناس يكونون غافلين عن احتكارهم للحديث. فهم يعلقون بحواراتهم الداخلية، وغالباً ما يكونون شديدي التوق إلى التكلُّم خشية أن يكونوا قد نسوا شيئاً هامّاً. تُظهر الأبحاث أنّ معظمنا يبدأ في التكلُّم قبل أن يُنهي الشخص الآخر حديثه. وحتى الأطباء، الذين يُفترَض أنّهم قد دُرِّبوا جيِّداً على الإستماع بتركيز للإنتباه إلى أي معلومات طبّية هامّة، من شأنهم أن يقاطعوا المرضى خلال 23 ثانية، أي قبل أن يكون المريض قد صرّح بكلّ ما يقلقه!
نصيحتنا: إذا كنت منهمكاً في مناقشة هامّة، وأصبح واضحاً أنّ المحادثة ستستغرق وقتاً طويلاً، يمكنك أن تقترح على الشخص الآخر أن يأخذ كلٌّ منكما دوره في الحديث بأن يقول جملة واحدة فقط أو اثنتَين. ستتفاجأ بمدى السرعة التي ستخطِّطان بها مشروع عمل كاملاً، أو علاجاً طبياً، أو حتى حَدَثاً اجتماعياً.
 
-         الإستماع الرديء:
وفقاً لليزا ج. داونز، الرئيسة السابقة للجمعية الأمريكية للتدريب والتطوير، فإنّ تصرفات الإستماع الرديء تشمل أحلام اليقظة (التفكير بشأن مواضيع غير ذات صلة أثناء تكلُّم أحدهم)، والمناظرة (جدال داخلي بشأن ما يقال)، والتسرُّع في الحُكم (السماح لوجهات النظر السلبية أن تؤثِّر عليك)، وحلّ المشاكل (التوق إلى إسداء نصيحة لم تُطلَب منك)، والإستماع الزائف (اصطناع كونك مستمِعاً جيِّداً)، والتدرُّب (تخطيط ما تريد أن تقوله تالياً)، والإستئثار (إعادة توجيه المحادثة لملاءمة أهدافك الخاصة)، والمهاجمة من مكمن (جمع المعلومات لإستخدامها ضدّ الشخص الآخر)، والإستماع الإنتقائي (الإستجابة فقط إلى أجزاء المحادثة التي تثير اهتمامك)، والإستماع الدفاعي (أخذ كل شيء على محمل شخصي)، والإستماع الإجتنابي (حذف ما لا تريد أن تسمعه).
إذا استمرّ الشخص الآخر في الكلام من دون توقف، ولم تكن هناك حاجة إلى مقاطعته، فبإمكانك أن تستفيد من هذا كفرصة لدراسة الشخص الآخر بالتفصيل. ويمكنك أن تلاحظ، وفي الوقت نفسه أن تراقب ردود فعل كلامك الداخلي. اسمح لنفسك أن تسترسل مع الكلمات التي تسمعها والتعابير الوجهية التي تراها، ولا تقلق بشأن ما قد تتذكّره أو تنساه. ستكون ممارِساً بالفعل لشكلٍ من التأمُّل يُعتبَر مُعزِّزاً من الناحية العصبية وباعثاً على الإسترخاء عاطفياً، شعورٌ أبعد ما يكون عن ذاك الذي نشعر به عادةً عندما نكون مُضجَرين بكلام أحدهم.
 
-         قوّة الحدس:
ها هي لديك: 12 خطوة واستراتيجية يمكن أن تحوِّل أي محادثة إلى حدث مدهش بتعزيز الثقة، والتعاطف، والتعاون من خلال العملية التي نُسمِّيها التجاوب (الرنين) العصبي. ولكنك ستحتاج إلى التدريب لتغيير أنماط الحوار المألوفة التي اعتدت على استعمالها.
يتطلّب التواصل الفعّال جهداً واعياً مُركَّزاً، خشية أن ننزلق مجدداً في تصرفات الماضي. ولهذا نحن نطلب منك أن تتدرّب على هذه الإستراتيجيات كلّما سنحت لك الفرصة وأن تمارسها مع عائلتك، وأصدقائك، وزملائك. ناقِش الخطوات الإثنتَي عشرة وقرِّر أيها تبدو منطقية بالنسبة إليك. إذا أردت أن تغيِّرها، فلا تتردد في فعل ذلك، وإذا وجدت استراتيجية تعتقد أنّها أساسية، فأخبرنا بذلك رجاءً. إنّ التواصل التعاطفي هو عملية وتجربة مفتوحة المصدر ساهم فيها المئات من الناس، ونحن نتوقّع أنّ العملية ستستمر في التطوّر.
يُوصلنا هذا إلى نصيحتنا الأخيرة، المستمدَّة من سنوات من الأبحاث حول طبيعة الوعي البشري والقِوى الخفيّة للعقل: ثق بحدسك، وافعل ما تجد أنّه ملائم بالنسبة إليك.
كلّ شخص فريد، وكلّ تفاعل فريد، وكلّ محادثة فريدة. ستنجح بعض الإستراتيجيات مع بعض الناس في أوقات معيّنة، بينما سيتطلّب الأمر استراتيجيات أخرى مع أناس آخرين في أوقات أخرى. ولهذا علينا أن نثق بحدسنا، الذي يحتوي، من منظورنا، على ذخيرة ضخمة من المعارف العميقة التي نادراً ما يُعبَّر عنها في المحادثة العَرَضية.
في مكانٍ ما في داخلنا – خلف كل ضجيج الوعي اليومي – هناك نفسٌ هادئة مراقِبة، قادرة على اتخاذ قرارات حكيمة. يمكننا أن نمرِّن هذا الصوت الداخلي بالتدرُّب على الخطوات الإثنتَي عشرة للتواصل التعاطفي، واتباع نصيحة الحكمة الداخلية للحياة.
المصدر: كتاب الكلمات وتأثيرها على العقل

ارسال التعليق

Top