• ١٣ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢٣ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

مرضُ البيتِ!

مرضُ البيتِ!
  بمرض الأُمّ يمرضُ البيت، تعمُ الفوضى، ويضجُ البيت بالإهمال والشكوى، تغيبُ رائحةُ الطبخ الشهية، تمتلئ الزوايا بالفراغ، تتعثرُ الخطى، تنطفئُ نوافذُ البيت على عتمة غربة، وتتصدع جدران الأمان فيه.

تناثرتْ الأفكار داخلي، والحرارة والصداع يفجران رأسي، وأعراض الإنفلونزا الحادة تتكالب عليَّ ممّا يضطرني لملازمة الفراش، فيما أولادي يتناوبون على تفقُدي والنداء عليَّ، أسمعُ خطاهم بقلبي وعيناي مغلقتان، وأحس بأنفاسهم الغالية ولون قلقهم الجميل وهم يتمسحون بالفراش مثل قطة مقرورة، أحس بنظراتهم المعلقة بي، أفتحُ عيني وأرسم ابتسامة، لكن نداء المرض يشدُني لمحاولة الإغفاء من جديد، نومُ المرض ليس راحة، بل هو هروب ومحاولة اختباء من الألم والصداع، الفوضى التي تصيبُ الجسد كما تصيبُ البيت بمرض الأُم، أحسُ بالأنامل الصغيرة تجسّ جبيني، وابنتي تشد عني الغطاء "ماما... اللي على حرارة لازم ما تتغطى..."، يبدو ابني الأصغر منهمكاً بشيء ما يضع كمادة على جبيني.

اعتادتْ العائلةُ أن من تعتني بمريض البيت هي الأُم، تمسحُ الجراح ببلسم الحنان، تعطي من قلبها، لكن حين ينعكس الوضع وتمرض هي فإنّ البيت يمرض معها.

ثمّة حاجةٌ لإعادة تفكير في توزيع الأدوار في البيت وعدم تكديسها على رأس الأُم تماشياً مع تطور وتغير الحياة وخروج المرأة للعمل، ومحاولة للخروج من النمطية السائدة للأُم كي يزيد اعتماد أفراد العائلة على أنفسهم، وينهمكُ الأبُ بالعائلة أكثر ليستجلبَ الدفء ويجلبه ويعيشه ويعايشه، فالتفاصيلُ الصغيرةُ للعائلة هي التي تزخرف الذاكرة والقلب بالذكريات الحميمة، وكي لا يكون غياب الأُم الاضطراري المؤقت أو الدائم انهياراً للبيت وتصدعاً لجدران الأمن فيه بلا رجعة.

في الأفلام الغربية كثيراً ما نرى الأب يرتدي مريول المطبخ ويغسل الأواني ويعدُ وجبة العشاء الرئيسة، ويعتني بالأطفال، فيما زوجته عائدة من عملها أو تعدُ نفسها لقضاء وقت مع صديقاتها خارج المنزل، نحن لا نطالب بتقليدٍ أعمى ولا نعتبرُ ما نراه قدوة ومثلاً أعلى، لكن ما نراه يعكسُ مفاهيم وتقاليد تشير لتوزيع أدوار مختلفة لواجبات العائلة، فيه فهمٌ وتفهمٌ لحاجات المرأة والأُم، وإعادة توزيع للأدوار على قدرٍ من العدالة وكسر حاجز العيب وإلغاء مفهوم التكريس، فالمرأة في المجتمعات العربية بشكل عام مكرَسة للعمل وللخدمة في البيت، ولا يشفع لها العمل خارجه، كذلك مفهوم العار يظلل الأمر بجانبه المظلم، إذ من العار على الرجل أن يساعدَ في الأعمال المنزلية، لكن العار يتضاءل وتتوالد الأعذار أما مشاركة المرأة في المهام الموكلة عادة للرجل، مثل شراء مستلزمات البيت وتولي الإصلاحات والصيانة فيه.

نؤمن بعلاقة تصالحية بين الرجل والمرأة، لكن لصحة العلاقة تخليصها من عقد العار والعيب، وإعادة توزيع الأدوار بما يتناسب وطبيعة العصر الذي نعيشه بكلِّ تسهيلاته بجانب وبصعوباته في جوانب أخرى.

 

* كاتبة من لبنان

المصدر: مجلة العربي/ العدد 670 لسنة 2014م

ارسال التعليق

Top