• ١٢ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ٢١ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

أساليب عقابية أم خطايا تربوية؟

أساليب عقابية أم خطايا تربوية؟
الضرب والمعايرة بالخطأ مقدمات نتائجها أمراض نفسية للطفل
الأطفال يخطئون... والوالدان يعاقبان، لكن ليس كل عقاب يردع عن الخطأ، فبعض أنماط العقاب الأسري تدعم أخطاء الصغار، وتكرسها في شخصياتهم عناداً أو إحتجاجاً على أسلوب الأبوين في التربية والعقاب، بل إنّ كثيراً من الأمراض النفسية والانحرافات السلوكية ترجع في جذورها إلى أساليب خاطئة في هذا العقاب، مما يعني أن أسرنا بحاجة إلى إعادة التربية "العقابية" – إن صح التعبير – لمصلحتهم ومصلحة الصغار، معاً ولمصلحة التطبيق التربوي الإسلامي ذي الطرح المتميز في مجال الثواب والعقاب أساساً.
هذه حصيلة مُرّة لجولة في بعض البيوت توضح فيها عقاب البعض لأبنائه بأساليب مخالفة اللشرع الحنيف:
آلاء (3 سنوات): اعتادت أمّها ضربها ضرباً مبرحاً كلما بللت ملابسها، أو فراشها، والأب يؤيد زوجته في هذا الأسلوب، لأنّه ضاق بالرائحة في بعض غرف المنزل، والطفلة المسكينة لا تتوقف عن بل فراشها، وملابسها رغماً عنها – كأنها تريد أن تعاقب والديها كما يعاقبانها، والسنوات المقبلة وحدها ستثبت ما إذا كانت آلاء ستتوقف عن التبول اللاإرادي أم ستصاب به كداء يلازمها وهي مراهقة وشابة أيضاً نتيجة هذه المعاملة القاسية؟
كريم (6 سنوات): كلما فعل ما يضايق أباه أجلسه على الأرض، وأمر شقيقيه باللف حوله، وهما يعيرانه بالخطأ بجملة ثابتة يلقنها لهم الأب حسب نوع الخطأ... كسر كوب أو تضييع بعض النقود، أو تأخير واجب المدرسة إلى آخر وقت.
أما كريم فقد أدمن قرض أظفاره، والسرحان، والشرود. وهي مقدمات لمرض "التوحد"، وهذه من مظاهره التي تهاجم كثيرين من الأطفال يتعرضون لذلك العقاب.
هذا عن الأبناء، فماذا عن الأُمّهات والآباء؟
أمينة محيي الدين – أم لطفلين (5 و3 سنوات) – تقول: الحبس عقابي الوحيد لتأمر ومنى.. والحبس الانفرادي طبعاً في غرفة مظلمة لمدة ساعة مثلاً.. يخرجان بعدها "كالألف" وبصراحة طالما الطفل يخاف من شيء فعقابه بهذا الشيء يعطي نتيجة طيبة جدّاً، وقد لاحظت أن تأمر ومنى يخافان جدّاً من الظلام، ولذلك اخترعت أسلوب "الغرفة المظلمة".. والمشكلة الآن أنهما صارا يخافان من الظلام وأشياء أخرى كثيرة.
ليلى أبو السعود – ربة بيت وأم لثلاثة أطفال أكبرهم في الصف الثالث الإعدادي – تعلن ندمها على أسلوبها في عقاب ابنها الأكبر، فتقول: "كلما كان "هيثم" يخطئ كنت أمسك ساقيه بيد وأهوي بالعصا على قدميه باليد الأخرى حتى تتورما، وكان يصعب عليّ جدّاً حين لا يستطيع السير عليهما، لكنني جمدت قلبي، وبالتدريج اعتاد ابني هذا الأسلوب وصار يتلقى الضرب بتبلد ويعود على ساقيه بعد "العلقة" ولم يعد الضرب يفيد معه، بل صار عنيفاً معي ومع إخوته ومع زملائه"!
عمر "10 سنوات" وجهه وهو ذاهب إلى المدرسة بالكاد كأنّه يغسله بماء النار... لماذا؟ لأن أمه كانت تخوفه بالاستحمام وهو صغير بعد أن لاحظت بكاءه الشديد في الحمام وكرهه له، فوجدتها فرصة "لتربيته" – على حد قولها – فكانت تهدده بالاستحمام إذا كرر خطأ ما! حتى تحوّل في ذهن الصغير إلى عقاب "وزاد كرهه له بشكل أحرج أمه التي تحاول إجباره على غسل وجهه ويديه باستمرار".
هناء عبدالسلام – أم لأربعة أطفال – تسترجع أسلوب أبيها في عقاب أبنائه قائلة: كان أبي يحتفظ بعصا لضرب من يخطئ فينا، وكان يحدد عدد الضربات طبقاً لنوع الخطأ، فتعلية الصوت – مثلاً –: ضربتان، وعدم طاعة الأُم: ست ضربات، والإهمال الدراسي: خمس ضربات، وعدم النظافة: أربع ضربات، وهكذا، ولم يكن هذا التصنيف عشوائياً، فإحضار العصا من مكانها، وتذكر عدد الضربات المناسب كان يمتص غضب أبي علينا، فتأتي الضربة خفيفة حانية، ولا أذكر أن أياً منا ضربه أبي أكثر من مرتين، وأحاول حالياً استخدام هذا الأسلوب مع أطفالي، لكنني أشعر بأن بعض أخطائهم تحتاج لمائة ضربة عقاباً عليها، فماذا أفعل؟
نهى "8 سنوات": يقول والدها عنها: ربيتها بالنظرة ولا أذكر أنني ضربتها مرة أو حتى زجرتها، كل ما أفعله حين تخطئ أنني أنظر إليها باستياء وغضب، ثمّ أحوِّل بصري عنها فتنسحب حزينة لتعود بعد لحظات وتعتذر عن الخطأ، ولا تنصرف من أمامي إلا حين أبتسم وأعلن أنني سامحتها.
إنني الآن أحاول تجنب هذا الخطأ مع أطفالي الآخرين.. فأخاصم وأحرم وأقرص الأذن بخفة، وأشعر بأن هيثم يتألم جدّاً كلما رآني أفعل ذلك، كأنّه يقول لي: لماذا أنا الذي كان عقابي عنيفاً؟
وفاء عبدالرزاق "مدرسة ابتدائي": طبعاً في زمني كان "التذنيب"، ولصق الوجه بالحائط، وغرفة الفئران أساليب شائعة في العقاب، وعندما كبرت، وعملت بالتدريس فكرت كثيراً في أسلوب بديل له عائد تربوي إيجابي – أيضاً – وأرجو أن يكون الأسلوب الذي أتبعه حالياً مفيداً، وهو أنني أحرم التلميذ المخطئ من المشاركة في الإجابة عن الأسئلة الشفهية لمدة يوم دراسي كامل، وأشعر بأن هذا الأسلوب يجدي مع التلاميذ الأذكياء الذين يعتبرون عدم إجابتهم عن أسئلتي عقاباً لهم، وبهذه الطريقة يفهم الباقون بشكل غير مباشر أنّ المشاركة في المناقشة الشفهية شرف وثواب وليس عقاباً يفرون منه، كما كان شائعاً في الماضي.
مقتطفات من الممارسة العقابية في أسرنا.. منها ما هو قريب من الأسلوب التربوي السليم، ومنها ما هو بعيد عنه تماماً كما رأينا في حكاية الضرب المبرح، والغرفة المظلمة!!

ارسال التعليق

Top