• ١٩ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٠ | ١ صفر ١٤٤٢ هـ
البلاغ

التشدّد والتساهل مع الأبناء

إعداد: د. نعيمة حسن

التشدّد والتساهل مع الأبناء

صارمة أم متساهلة؟ هاتان كلمتان مربكتان، فقد تسألين نفسك: هل أنا أُم صارمة فعلاً؟ أو هل أنا أُم شديدة التساهل؟ إنّهما السؤالا الخطأ والكلمتان الخطأ. فليست هناك علاقة بين نجاحك أو فشلك في تربية طفلك ودرجة صرامتك أو تساهلك. إنّ التربية لها حسابات أخرى، ذلك أنّ الامتثال والطاعة العمياء يخلقان طفلاً خنوعاً.

كثيراً ما يرفض طفلك مساعدتك وهو يحاول ارتداء ثيابه بنفسه، فيقول لك بحدّة وعصبية: "أنا سأقوم بذلك"، وفي أحيان أخرى يكون أكثر نعمة ويعترف بأنّه مازال صغيراً، وأنّك يجب أن تقوم بذلك بدلاً منه. فإنّ طفلك الذي يبلغ السنتين من عمره يتأرجح بين الأمام والخلف، ولا يقف معتدلاً، ويظل مشتتاً بين رغبته في أن يكون مستقلاً ورغبته في التمسك بطفولته المعتمدة عليك. ولهذا السبب يجب أن تكون القواعد والحدود مرنة، فمن الخطأ الإصرار على مجموعة معينة من القواعد الصارمة، بخصوص اللباس والاستحمام وأي شيء آخر في هذه المرحلة من العمر. القواعد الصارمة والمطلقة لا تناسب الطفولة الطبيعية، وذلك لأنّها مليئة بالمشاعر والدوافع المتناقضة.

ولكن من الحكمة أن تضعي قواعد وحدوداً متسقة ابتداءً من بلوغ طفلك الثالثة من العمر تقريباً؛ ولكن في الفترة ما بين السنتين الثانية والثالثة من عمره تستطيعين أن تتبني نصيحة (إيمرسون) التي تقول: الصرامة الحمقاء هي غول العقول الصغيرة "وهو يعني أنّ العقول الصغيرة تخاف أن تخرج من إطار معيّن في التفكير وتخشى التغيير".

إنّ المهمّة التي يواجهها طفلك في هذه المرحلة من النمو ستكون فهم هويته الذاتية ومَن هو؛ ولكن عليه في الوقت نفسه التكيف (الامتثال) مع ما يتوقعه منه المجتمع والمحيطيون حوله.

 

- هناك طريقان تسلكينهما في طريقة تربيتك لطفلك:

الأوّل: السيطرة والطاعة، وقد يصبح طفلك مسيطراً عليه زيادة عند الحدّ. وهنا نذكر قصّة أُم ربت طفلها تربية صارمة، ولم يمرّ بمرحلة التمرد المميزة لعمر السنتين لأنّ والدته لم تمكنه من ذلك، فقد دربته تدريباً صارماً ليكون سلبياً ومطيعاً. لم تكن تتسامح مع أي من تلك الاندفاعات الصبيانية الطفولية أو الفورات الانفعالية المميزة لتلك المرحلة. وبدلاً من ذلك، كانت تكافئ طفلها على كونه هادئاً، سلبياً، ولطيفاً. ولقد نجحت في جعل هذه المرحلة سهلة نسبياً عليها؛ ولكن هذا لا يمكن أن يعد نجاحاً لطفلها. فعندما دخل حضانة الأطفال، كان تقرير المعلمة عنه أنّه كان خوّافاً، ولم يكن يلعب مع الأطفال الآخرين ويبقى منعزلاً، إذ يبدو أنّ الأُم علّمته جيِّداً أن يكون هادئاً وسلبياً، إلّا أنّ هذا السلك يمكن بسهولة أن يؤدي به ليكون رجلاً خجولاً، غير عدواني؛ ولكنّه خائف من المغامرة وتجريب أشياء جديدة.

لا يتقبّل كلّ الأطفال هذا النوع من السيطرة الزائدة بالسهولة التي تقبلها ذلك الطفل، فمن الناحية المزاجية هناك أطفال أكثر مشاكسةً من أطفال آخرين. وهذا النوع من السيطرة قد يلقى مقاومة من أطفال آخرين. أطفال يصارعون حتى الموت ولا يستسلمون لهذا الوضع. وبذلك وبغض النظر عن هوية الفائز في هذه المعركة، فإنّ طفلك سيخسر المكاسب المفترضة في هذه المرحلة من النمو والتطور.

أحد الاختلافات الأخرى في مثل هذه الحالات التي يعانيها الأطفال من سيطرة مبالغ فيها، هو أن يظهر الطفل مهذباً لطيفاً بينما هو يغلي بالعداوة داخلياً، وفي كلّ مرّة يجد فيها فرصة، عندما لا يكون أحد ينظر إليه، سيفرغ قليلاً من هذه العدائية في البيئة المحيطة به. سيكسر أو يحطم شيئاً ما، أو يقرص أخته الرضيعة، أو ينخرط في فعل عدواني أو مخرب. قد ينمو ليصبح في كبره صالحاً، فاضلاً، ضيق الأفق، متمسكاً ظاهرياً بالقواعد الأخلاقية الورعة؛ ولكنّه مليء بالعدوانية والحقد داخلياً.

الثاني: هو مشكلة الأُم التي تخاف من ممارسة السيطرة، فعندما يطلب ابنها ذو السنتين شيئاً، تستجيب دائماً. وعندما يرفض الابن أن يلتزم بالحدود التي وضعتها، تعدل فوراً هذه الحدود وتدعه يفعل ما يريد. يتبيّن لنا أنّ الأدوار في هذه العائلة تمارس بطريقة معكوسة، فالطفل هو مَن يدير الأُسرة لا الوالدان. ومن هنا تنشأ ما نُسمِّيها (متلازمة الولد الشقي)، فهؤلاء الأطفال لا يتعلَّمون أياً من دروس الطاعة خلال هذه المرحلة من نموهم، وسوف يواجهون أوقاتاً عصيبة لاحقاً عندما يلتحقون بروضة الأطفال، ويجدون أنّ معلِّمتهم والأطفال الآخرين يطالبونهم بقدر لابأس به من تنفيذ القواعد. وهو أمر لن يكونوا قادرين على فعله لأنّ أُمّهاتهم لم تساعدنهم على تعلُّم قدر معقول من الطاعة خلال مرحلة الطفولة الأولى.

انظري إلى الراشدين الكبار من حولك، وستتعرّفين فيهم إلى بعض الخجولين، وآخرين مطيعين وخاضعين تماماً للسيطرة، وهم يبدون غير قادرين تماماً على السماح لأنفسهم بالاسترخاء والانطلاق. إنّهم جامدون ومتجهمون. إنّ البالغين المطيعين، أو المتمردين كانوا عرضة لسوء التعامل مع طفولتهم الباكرة، والأرجح أنّ ذلك بدأ في المرحلة الأولى.

 

- تأديب الطفل:

هل أنت أُم صارمة أم متساهلة؟ هاتان كلمتان مربكتان، فالأُمّهات يسألن دائماً: هل أنا صارمة فعلاً؟ أو هل أنا شديدة التساهل؟ إنّهما السؤالان الخطأ والكلمتان الخطأ. فليس هناك من علاقة بين النجاح والفشل في التأديب وبين درجة صرامتك أو تساهلك، قلّت أو كثرت.

إنّ أوّل ما تحتاجين إليه هو معرفة التعامل مع طفلك، وأن تميزي بين الأفعال والمشاعر. وأنت تعلمين أنّ الأفعال هي السلوك الظاهري الذي يقوم به طفلك، مثل أن يركض في الشارع بينما أنت تطلبين منه عدم فعل ذلك، أو يضرب طفلاً آخر في الوقت الذي تقولين له ألّا يضربه، أو يلقي الرمل على طفل آخر بينما تخبرينه بألّا يفعل، هذه كلّها أفعال.

أمّا المشاعر والانفعالات الداخلية لطفلك مثل ما يحس به من غضب أو سعادة أو خوف أو حبّ أو خجل، ومن المهم أن تميزي بين المشاعر والأفعال، لأنّ طفلك يستطيع تعلّم التحكم في أفعاله؛ ولكنّه لا يستطيع التحكم في مشاعره، فمشاعره كأفكاره تأتي إلى عقله بغير طلب منه. ليست لديه سيطرة على ما يشعر به ولا على الوقت الذي يشعر به.

فالغضب والعدائية في بعض الأحيان لا يستطيع طفلك أن يتحكم فيهما. ومن غير المعقول أن نتوقع منه السيطرة على هذه المشاعر؛ ولكن من المعقول أن نتوقع منه تصرفات تدل على الغضب كالضرب أو إلقاء الرمل أو العض.

ما يجب فعله هو مساعدة طفلك على وضع حدود معقولة لأفعاله. ولسوء الحظ أنّ الكثيرات من الأُمّهات قد فهمن خطأ من علم النفس الحديث، أنّ وضع حدود للطفل أمرٌ مضرٌّ وعائق لنمو شخصيته، حيث تخبرنا عالمة النفس (أدا ليشان) بقصّة أحد أصدقاء زوجها الذي تصل به وهو في عمله، قائلاً إنّه يتحدّث من هاتف عمومي قريب من بيته. ومضى الصديق ليقول: "أنا لا استطيع التحدّث من هاتف المنزل لأنّ بوبي يغلق سماعة الهاتف دائماً"، وبوبي هو طفل في الثالثة من العمر.

لكن ما الحدود المعقولة والمقبولة لطفلك الصغير؟ ليست هناك قاعدة حاسمة وسريعة يمكن إعطاؤها هنا. ابدئي بسؤال نفسك: "ما الحد الأدنى من الممنوع الذي يجب ألّا يفعله طفلك؟" إذا ما جلست وكتبت قائمة، فسيفاجئك بأنّ الرقم سيكون أصغر مما تعتقدين.

إحدى السيدات تشتكي من طفلها (في عمر ما قبل المدرسة) ومن عاداته وسلوكياته السيئة التي تزعجها، حيث كان بدلاً من أن يأكل قطعة الكيك مثل أخويه الآخرين، كان يقشر الطبقة السكرية منها ثمّ يدورها على شكل كرة صغيرة ويأكلها تاركاً بقية القطعة في الصحن. كان ذلك التصرّف يغيظها جدّاً، وتقول إنّها جربت كلّ شيء: التوبيخ، الضرب، تقديم بعض المال؛ ولكن دون جدوى، وذهبت إلى أحد أخصائيي السلوك لدى الأطفال وشرحت له حالة طفلها، فقام بوضع أسئلة عدّة لها قائلاً: هل طريقته هذه في أكل الكيك تسبب له وجعاً في البطن؟ أو في الأسنان؟ فأجابت السيِّدة: لا، أنا فقط لا أحبذه أن يتصرّف بهذه الطريقة وأن يرمي بقية القطعة. قال لها: إذن في المرّة المقبلة حين يتناول طفلك الكيك لا تعلقي عليه مهما فعل.

استجابت السيِّدة لأمر الأخصائي، وحدث ما هو متوقع طبعاً وبدأ الصغير بتقشير الطبقة السكرية وتحويلها إلى كرة؛ ولكن السيِّدة بقيت صامتة ولم تقل شيئاً. فدهش الولد وقال: يا أُمّي، أنا أقشر الطبقة السكرية، قالها معتقداً أنّ أُمّه ربما لم تنتبه إلى ما كان يفعله. ردّت عليه الأُم: أنا أعلم، وهي تحاول ضبط نفسها التي كانت تغلي من الداخل. فقال: ألن تفعلي شيئاً حيال هذا؟ أجابت الأُم: لا. استمرّ الولد في تقشير الطبقة السكرية وتدويرها وأكلها وترك الباقي منها في الصحن. وفعل الشيء نفسه مرّات عدّة. واستمرّت الأُم في الصمت. وبعد قرابة الشهر، دهشت السيِّدة لأنّ طفلها أكل قطعته كاملة كما يفعل أخواه الآخران. ما الذي جعل طفلها يتغير؟ الإجابة أنّه لم يعد أحد يراقبه أو يلقي عليه الأوامر، وكما يقول المثل الإنجليزي: "ليس هناك من ممثل يؤدي على المسرح ما يكن هناك جمهور للمتابعة".

هناك الكثير من العبر التي يمكن استنباطها من هذه الحادثة الصغيرة؛ ولكن هناك يظهر مدى إصرار الأُم على أن يأكل طفلها الكيك بالطريقة التقليدية الصارمة التي تريدها.

اسألي نفسك دائماً عندما يتعلق الأمر بفعل طفلك ذي العامين أمراً ما: ما مدى أهمية فعله هذا الأمر أو امتناعه عن فعله؟ هل هو مهم لدرجة أن نجعل منه قضية؟ هناك الكثير من الممنوعات والحدود المهمة التي يجب وضعها لطفلك في عمر السنتين (كالابتعاد عن المواقد الساخنة والخروج إلى الشارع، أو قذف الرمل على أطفال آخرين)؛ ولكن يجب ألّا تعقدي حياته بمجموعة من الممنوعات غير المهمّة فعلاً.

العديد من الآباء والأُمّهات يعتقدون أنّ هناك قائمة سحرية من الحدود الصحيحة للأطفال، يجب أن يلتزموا بها. هذه القائمة السحرية غير موجودة في الواقع. فلكلّ أبوين ميزات شخصية وأسلوب حياة يختلف عن الآخرين. بعض الأزواج يكونون متسامحين، ولديهم القليل من الموانع التي لابدّ منها. وبعضهم الآخر قد يكونون أكثر صرامة ولديهم عدد أكبر من الموانع. المجموعة الثانية من الأزواج تكون أقل ارتياحاً للسماح لأطفالها بفعل أشياء تكون المجموعة الأولى أكثر تساهلاً في السماح بها.

معظم الآباء والأُمّهات يكونون منطقيين كفاية في الحدود التي يضعونها لتصرفات أطفالهم؛ ولكن عندما يتعلق الأمر بمشاعر الأطفال فإنّ الكثيرين منهم يضلون الطريق.

ارسال التعليق

Top