• ١٢ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ٢١ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

لماذا يعاندك طفلك؟

الخبير التربوي عبد الله محمّد عبد المعطي

لماذا يعاندك طفلك؟
هناك عشرة أسباب قد تجعل طفلك يعاندك ولا ينفذ ما طلبته منه وهي:

 

1-  عدم الفهم:

فهذا أحد الآباء كان يعاقب ابنه لأنّه يعانده ولا يطيع أوامره، فالأب الحنون كان يوصي ابنه دوماً بعدم اللعب عند ناصية الشارع خوفاً عليه من السيارات والمخاطر، ولكن الولد كان لا ينفذ أمر أبيه ويخرج للعب حيث نهاه، وفي كلّ مرة كان الولد يلعب عند ناصية الشارع كان أبوه يعاقبه ويأمره بعدم الخروج مرة أخرى إلى الناصية، وأخيراً بعد تكرار الخطأ والعقوبة مرات ومرات، نظر هذا الولد لأبيه بعينين تملؤهما الدموع وقال: ماذا تعني بالناصية يا أبي؟ ومن هنا يجب أن تكون طلباتك بسيطة وشرحك سهلاً خاصة مع الأطفال الصغار.

 

2-  كثرة الطلبات:

أحياناً تكثر الأُم من طلباتها وأوامرها فتصبها على طفلها صبّاً، فتقول له مثلاً: اخلع ملابسك ورتب سريرك واكتب واجبك ولا تفتح التلفزيون ورتب كتبك ولا تجلس متلهياً باللعب... ونادِ عليَّ بعدما تنتهي من فعل ذلك، فماذا تتوقع من هذا الطفل المسكين؟ إنّ الخبراء ينصحون كلّ أب وأُمّ ومعلم ومربٍّ أن تقتصر طلباته – في كلّ مرة – على أمر أو اثنين كحد أقصى، فالبالغون وكذلك الأطفال لا يستجيبون عندما تطلب منهم تغيير عشر سلوكيات في وقت واحد؛ لذا فعليك أن تركز على شيء أو اثنين...

 

3-  طريقة طلبك ولغة أمرك:

فالأوامر الفضفاضة تجعل الطفل يرتبك ولا يدرك ما تريده بالضبط، كأن تقول لطفلك: نظِّم غرفتك، كن مهذباً، احترم أخاك...، وهذه كلّها أوامر فضفاضة وغير محددة تجعل الطفل يرتبك ولا يدري ماذا تريد وبالتالي لا يستجيب لك، ولذلك عليك أن تكون محدداً فيما تطلبه من طفلك، فإذا أردت منه مثلاً تنظيم غرفته فيمكنك تقسيم تلك المهمة إلى مهام صغيرة مثل: رتب سريرك واكنس الغرفة وعلق ملابسك، وإذا كان طفلك معك في زيارة أحد الأقارب وأمسك بكوب العصير بدلع وكاد يقع منه، فلا تقل له كن مهذباً ولكن قل: أمسك كوب العصير جيداً... ومن طرق صياغة الأوامر غير الناجحة: طريقة الرجاء السلبي كأن تقول لطفلك "من أجل ماما إلبس ملابسك.. ماما ستحزن منك"، فهذا رجاء سلبي وليس طلباً أبويّاً، وعندما تقدم لابنك اختياراً في غير وقته فأنت تساعده على رفض طلبك؛ كأن تقول له: ما رأيك في أن تلبس ملابسك؟ وبالطبع سيرفض لأنّ له حّق الاختيار، ومن طرق صياغة الأوامر الفاشلة الطريقة العدوانية، وفيها يقول الأب لابنه وهو يصرخ: توقف عن القفز وإلّا... هل تسمعني؟ وهنا يتحدى الأب ابنه فيسعى الطفل لإثبات ذاته فيرفض، أو يطيع خوفاً وجبناً، إنّ أفضل أساليب صياغة الأوامر الوالدية هو "الأسلوب الحازم الهادئ"، فالأب الحازم يقول لطفله الذي يقفز على الأريكة: "إذا أردت القفز فانزل من على الأريكة واذهب للخارج واقفز"، وإذا استمر الطفل في القفز، فسيقول له هذا الأب بثقة وهدوء: سوف أوضح لك ما أريدك أن تفعله"، ويقوم بمساعدته في النزول عن الأريكة ويرشده نحو الباب... والأب (أو الأُم) قد يطلب من طفله فعل شيء سهل ويسير، لكنّه يأمره بطريقة فيها إحراج وإهانة وتقليل من شأن الطفل، فيؤجل الطفل التنفيذ وقد يرفض حتى لا يظهر بصورة مهينة أمام الناس، وإن أرغمته على فعل ما تريد تكون قد كسرته أمام الآخرين، فاجعل الحوار بينكما سرّاً واهمس في أذنه بما تريد وقل: أنا لم أقل لك أمام الناس حتى لا أحرجك فأنا أحبك وأحبك مرفوع الرأس دوماً بين الناس...

ربما تقولين لطفلك بجفاء: "إمسك بيدي وإّلا سوف تضل السبيل، ولكن أليس من الأفضل أن تقولي له: عندما نذهب إلى السوق عليك بالبقاء بالقرب مني لأتمكن من توفير الحماية والأمان لك، لأنّه إن أصابك مكروه؛ فسأشعر بحزن عميق، إنّني أحب أن تظل معي دائماً"، إنّ العنف يفرّق الأحباب ويباعد المسافة بينهم، أما الحبّ فيعمل على خلق الترابط والوحدة بيننا وبين أطفالنا.

 

4-  عدم الانتباه:

قد تطلب من ابنك أمراً في وقت يكون فيه مشغولاً وغير منتبه معك، فيكون مشغولاً مثلاً: بالأكل، كتابة الواجب، مشاهدة التلفزيون، الاستماع إلى القرآن، التحدث في الهاتف، اللعب بالألعاب الإلكترونية، ممارسة الرياضة، استخدام الكمبيوتر، وفي تلك الحالات وغيرها يكون الطفل مشغولاً وعقله الواعي غائباً عنك مركزاً فيما يفعله، وحينها طبعاً لن يسمعك وبالتالي لن ينفذ ما تريد، وفي حالة انشغال طفلك ننصحك بتكرار طلبك واسأل طفلك: هل عرفت المطلوب؟ هل سمعت ما قلت؟ ماذا فهمت من كلامي؟ وإذا استمر الطفل في غيابه عنك وانشغاله بما يشاهد أو يفعل، فالمسه بيدك حتى ينظر نحوك، ثمّ اطلب منه ثانية ما تريد دون عصبية أو صراخ.

 

5-  التدخل في الحرية الشخصية:

في بعض الحالات يكون عناد الطفل ناتجاً عن تدخل الأُم في حياته وتقييدها لحريته الشخصية، وأقول تدخل الأُم لأنّها غالباً حفظها الله تقوم بدور التربية والاهتمام بالتفاصيل أكثر مما يقوم به الأب الذي ينشغل خارج البيت، والكثير من أبنائنا وبناتنا (وخاصة الشباب) يشكون من تدخل الأُمّهات في شخصياتهم، فتعلق دوماً على تسريحة شعره واختيار ملابسه وتنظيم كتبه، ونتيجة لتدخل الأُم فيما يخص الطفل وعدم ترك حرية الاختيار له؛ تجعله يرفض طلبات أُمّه ويعاندها ويفعل ما يريد معتقداً أنّ هذه حريته الشخصية، وهنا يجب أن يجلس الآباء مع أبنائهم ليناقشوا الأسئلة التالية: ما معنى الحرية الشخصية؟ وما حدودها؟ وما هي قوانين بيتنا التي تسري على الجميع؟ وما حدود تدخل الأب أو الأُمّ في أمورنا الشخصية؟

 

6-  لفت الأنظار:

قد يرفض الطفل طلب والديه رغبة في لفت أنظارهم نحوه وجعلهم يهتمون به ويشعرون بوجوده، وهو يعاند ليغيظ والديه ويحصل على اهتمامهما ووقتهما، ومن الفوائد التي يحصل عليها الطفل في تلك الحالة.

·      استمرار الحديث بينه وبين والديه في وقت الجدال والعناد، وهذا يسعده لأنّه لا يحصل على هذا الحوار إلّا عندما يسيء التصرف.

·      جري الأُم وراء الطفل وخاصة في مرحلة الطفولة المبكرة (2-7 سنوات)، حيث يرى الطفل أنّ عناده يجعله يحصل على لعبة لكنّها عنيفة بعض الشيء.

·      ضرب الأب أو الأُم له عندما يعاند، وهذه هي الحالة الوحيدة التي يحصل فيها على لمسة والديه، وإن كانت تلك اللمسات عبارة عن صفعة أو ضربة فلا يهم، والعناد في هذه الحالة وسيلة يستخدمها الطفل للحصول على الحبّ والحنان ولكن من أضيق أبوابه.

·      يكون الطفل ضعيفاً دراسيّاً ولا يمدحه أحد ولا يتحدثون عنه، فيعاند ويشاغب لكي يتحدث عنه والداه أمام الناس ولو حتى بسوء، المهم أن يكون تحت الأضواء.

 

7-  يعاملك بالمثل فكما رفضت طلبي سأرفض طلبك:

قد يعاند الطفل ويرفض طلب والده ليوصل له رسالة تقول: "إنّني أعاند لأنّك رفضت طلبي"، أو "إنّني أتجاهل أوامرك كما تتجاهل طلباتي"، أو "إنّني أرفض وجهة نظرك كما تتجاهل وجهة نظري"، وما لا يدركه الصغار بعد أنّ طاعة الوالدين واجبة فيما نحب ونكره وما لم يكن إنّما، فلنترفق بهم ولنصبر عليهم.

 

8-  الوقت غير مناسب:

فقد تطلب من ابنك شيئاً يحتاج للتنفيذ الفوري، لكنّ ابنك (أو ابنتك) يكون في وضع لا يسمح له بالتنفيذ، فيؤجل فعل ما تريد وقد يصمت رافضاً، وقد يصرح لك بعذره، وقد لا يفعل، كأن تقابل صديقاً تحبه تطلب من ابنك أن يسلم عليه فيصمت، فتكرر طلبك وتشجعه وقد توبخه، لكنّه يتلكأ لأنّ يده غير نظيفة، وطبعاً تظن أنّه يعاندك ويرفض طلبك البسيط وتبدأ المعركة... وقد تطلب من ابنتك السلام على صديقك لكنّها حيية عفيفة وتعجز عن الاعتذار وقول كلمة استحي، فتظن أنّها تعاندك وترفض طلبك... وأحياناً يكون سبب العناد هو مجرد الكسل والتعب أو النعاس، فيحتاج الطفل إلى شيء من الوقت لكي ينشط ثمّ يقوم بالمطلوب بصورة جيدة...

 

9-  الانتقام لأنّه فقدَ الحب:

في بعض الأسر تجد الأُم طيبة جدّاً والأب قاسياً جدّاً، والعجيب أن ترى الطفل يطيع القاسي ويخاف منه، ويتعدى على الطيب ويعانده ولا يطيعه، فهل هذا عيب في الطيبة والرفق؟ لا، فالرفق خير كّله، إنّ ما يحدث من هذا الطفل المسكين أن ينتقم من أبيه (القاسي) من خلال أُمّه (الطيبة) فيعاندها وربما يشتمها تعبيراً عن ألمه لا عن كرهه لها، إنّه نوع من التنفيس غير الجيد، وقد رأينا ابناً يشرب المخدرات قائلاً: "شربت حتى أوصل له (يعني الأب) رسالة بأنّني استطيع معاندته وإهانته أمام الآخرين"، وقد يحاول الطفل الانتقام من والديه لأنّه فقدَ الحب والحنان وحسن التعامل في بيته، وغالباً ما يكون العناد متعمداً وقاسياً إذا كان ناتجاً عن رغبة في الانتقام من الوالدين أو أحدهما، وهذا نتيجة لمّا عايشه الابن من غياب للحنان والحب وتعمد الإحراج والإذلال أمام الناس... وقد يكون العناد انتقاماً لأحد الوالدين من الآخر، فإن ظلم الزوج زوجته ستجد الولد مباشرة يناصر أُمّه الضعيفة ويعاند أباه حتى وإن لم يصرح بذلك، فالطفل عندما يرى والده يهين أُمّه الحبيبة ويقسو عليها، وبعدها يطلب منه والده شيئاً فسيعانده الطفل تشفياً لأُمّه.

 

10-                   أسباب أخرى:

قد يرفض الطفل تنفيذ طلب أُمّه ليلفت انتباهها لشيء غائب عنها، كأن يريدها أن تكتشف سرّاً من أسرار أحد إخوته، مثل: تقول الأُم لطفلها: محمود، اذهب إلى غرفة النوم وأحضر حقيبتي الخاصة، فيرد قائلاً: هلا طلبت ذلك من أخي خالد؟ وهنا يريد محمود أن يبيّن لأُمّه أنّ خالداً ليس موجوداً في البيت وأنّه قد تأخر خارج المنزل وهو يلعب الكرة مع أصحابه.

وقد يكون الأمر على عكس ذلك، فقد يرفض الطفل طلب والديه ليبعد نظرهما عن شيء ما، فمثلاً: قالت الأُم لابنها خالد: اذهب ونادِ على أخيك أحمد من أمام المنزل، فيرفض خالد ويعاند أُمّه ليس رغبة في العناد وليس لأنّه طفل سيِّئ، بل لأنّه يريد التغطية على ما فعله أخوه أحمد، فلقد طلبت منه أُمّه أن يلعب أمام المنزل فقط وألا يذهب بعيداً، وخالد في هذه الحالة يعلم أنّ أحمد يلعب بعيداً، فلو خرج لينادي عليه ستعلم أُمّه بالخبر، لكنّه يرفض ويماطل حتى يغطي على ما فعله أخوه.

وقد يرفض الطفل طلب والديه لأنّه يرى زملاءه يفعلون ذلك ويتفاخرون بما ارتكبوه من عقوق لوالديهم، فالصحبة السيئة غير المطيعة لوالديها تضر طفلك، لأخلاق تعدي كما الأمراض تماماً.

 

المصدر: كتاب أطفالنا كيف يسمعون كلامنا؟

ارسال التعليق

Top