• ٨ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٨ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

هل الهدية دليلة الخيانة الزوجية؟

ماجدة النجار

هل الهدية دليلة الخيانة الزوجية؟

فقدت القيمة الرمزية لمعناها

في أوقات الأزمات التي يمر بها المجتمع تتبدل العلاقات وتنسحب بدورها على الأسرة فلم تعد الهدية التي كان الزوج يقدمها لزوجته تحمل ذات المعنى الذي كانت تحمله في السابق، فقد يتصور البعض أنّ الهدية الثمينة التي ليست لها مناسبة إشارة واضحة للخيانة الزوجية، المعنى الذي أسهمت في تكريسه الدراما التلفزيونية واتخذه بعض الأزواج منحنى لتغطية بعض السلوكيات الشائنة، على الرغم من القيمة الرمزية المهمة للهدية بشكل عام وبين الزوجين بشكل خاص.

تقول (دينا): تزوجت منذ عشر سنوات من رجل وسيم يعمل طياراً، وبحكم طبيعة العمل يسافر زوجي كثيراً ويحمل الهدايا الثمينة معه من كلّ بلد ينتقل إليه، لقد عشت معه حياة مرفهة جعلت الكثيرات من الصديقات يحسدنني على اهتمام زوجي وهداياه، كنت أشعر بالريبة نحو تصرفاته، حتى امتلأ قلبي بالشكوك، وشعرت بأنّ لهذه الهدايا ثمناً أدفعه من دون أن أدري، حاولت أن أجد خيطاً يكشف لي خيانته لكن من دون جدوى، وفي إحدى رحلاته عاد بهاتف محمول مزود بتقنية عالية، وكانت فرحتي في تحويل مكالماته الخاصة على الهاتف بحوزتي، فاكتشفت أنّه يتحدث إلى زوجة أخرى اتضح أنّه تزوجها من أكثر من عامين، والآن أصبحت مخيرة بين الاستمرار في ظل زوجة أخرى أو أن يتم الطلاق على الرغم من وجود الأبناء.

أما نرمين فتقول: لدي زوج يهتم جداً بأناقته وهندامه واستخدام أحدث العطور، كما أنّه يتمتع بأسلوب رائع معسول ويحظى بإعجاب كلّ مَن حوله خاصة النساء، في المقابل يهتم بأناقتي والحلي التي أرتديها ويحرص على شراء هدايا تبرز جمالي من حين إلى آخر، وكانت معاملته الرقيقة تلفت نظر المحيطين من الأهل أو الأصدقاء فجأة تبدل حال زوجي فأصبح يكثر من تأنقه ويغيب فترات طويلة عن المنزل ولا يحاول اصطحابي للأماكن التي يرتادها بعد الانتهاء من العمل، كما كان يحدث، كما امتنع عن شراء الهدايا تماماً ويتعلل بعدم قدرته مادياً على شراء احتياجاتي ولا يكترث بمظهري الذي تبدل تماماً في الآونة الأخيرة، واكتشفت أنّه يقيم علاقات غرامية كثيرة مع النساء اللائي يلتقي بهن في مكتبه، وقد ضبطته متلبساً في إحدى المرات داخل مكتبه لكنه رفض الطلاق وأقسم أنّه لن يعود للخيانة مرة أخرى. لكني لا أصدقه بعد أن فقدت الأمان والثقة، لذلك لا يمكن أن نعتبر الهدية عربون خيانة مع الزوج، فقد تكون تعبيراً حقيقياً عن اهتمامه ومودته، وقد يكون عدم تقديمها سبباً في عزوفه عن زوجته وانصرافه لأخرى تستحوذ على أمواله ومشاعره كما حدث في تجربتي، فالعلاقات متشابكة والتجارب مختلفة.

 

زوجة مضحية:

أما وليد فيقول: منذ تزوجت وسافرت بزوجتي إلى إحدى الدول العربية وهي لا تطلب لنفسها شيئاً بل تضحي من أجل إسعاد أبنائها وتفضلهم على مطالبها، لذلك أحرص على شراء احتياجاتها بنفسي وانتقي لها الهدايا والملابس الغالية حتى تبدو بالمظهر الذي يليق بها، ولم يخطر ببالي لحظة واحدة أنّ هداياي تعني خيانتها أو ستاراً أخفي وراءه أغراضاً خاصة، فهي الزوجة التي أحبها وأحترمها والهدايا نوع من التعبير عن تقديري لها. ويعترف وليد بأنّه لا يقدم الهدايا الغالية والحلي النفيسة لأنّ إمكاناته المادية لا تسمح لكنه يحرص على تلبية احتياجاتها الأساسية كنوع من حقوق الزوجة على زوجها، ويرى وليد أنّ تبادل الثقة بين الزوجين لا علاقة له بالهدايا بقدر ما له علاقة بالاحترام والتفاهم والاكتفاء بالآخر.

لماذا تحولت القيم النبيلة في حياتنا إلى شكوك وسلبيات؟ يؤكد الدكتور فوزي عبدالرحمن أستاذ علم الاجتماع كلية الآداب جامعة عين شمس قائلاً: هذا السلوك يتضح في أوقات الأزمة حيث تتبدل العلاقات بين الناس ويصبح الجزء المادي هو الغالب، هذا التحول الذي يمر به المجتمع فينعكس على القيم الإيجابية لاسيّما العلاقات الإنسانية، والشكوك التي تحيط كلّ الأشياء الجميلة إنما هي غرس التنشئة الخاطئة حيث تضع الأسرة في طريق الأولاد حواجز أساسها الخوف من الوقوع في الخطأ فتبالغ في هذا الحرص لدرجة فقدان الأمان الناتج عن حالة القلق التي يعيش فيها المجتمع فكلّ فضلاً عن اتسام العلاقات بالمصالح النفعية التي زرعت في التربية ثم ساعد السياق في تنميتها.

هل هذا ينسحب على هدايا الزوج التي يقرنها البعض بخيانته؟

يقول عبدالرحمن: لقد لعب الإعلام والدراما التلفزيونية دوراً كبيراً في ترسيخ هذا المفهوم في أذهان الناس، وأصبحت القاعدة ألا يكون الطرفان على وفاق وأنّ الهدايا مقدمات الخيانة الزوجية، على الرغم من أنّ تبادل الهدايا اختلف كثيراً عن السنوات الماضية التي كانت الهدية تقدم من قبل الزوج في ظل أسرة يسودها الهدوء والمودة والعرفان. فكانت على بساطتها تحمل قيماً إنسانية رفيعة، أما الآن فقد لا يتذكر الأزواج أعياد الزواج أو الميلاد، كما أنّ الأذواق أصبحت فردية ولكلّ منهما ذوقه وعالمه الخاص الذي قد لا يتوافق مع الآخر، ومن ثم قد يتردد الزوج في شراء الهدايا لزوجته، والحقيقة أنّ إقران الهدية بالخيانة أمر تنقصه الدقة، لأنّ العلاقات تعددت وأخذت أشكالاً كثيرة لا يعتبرها الزوج نوعاً من الخيانة وكونه يبالغ في الهدايا لإخفاء ما يفعله يكرس مبدأ نفسياً "يكاد المريب يقول خذوني" خاصة إذا كان الزوج على غير وفاق مع زوجته، فلم يعد الزوج الحالي في احتياج لتبرير الخرافة عبر الهدايا ولذلك هناك أشكال من الظلم الاجتماعي تمارس داخل الأسر منها قبول الزوجة خيانة زوجها لأسباب تراها مقنعة لاستمرار الحياة ومن ثم يجب تحصين الناس أخلاقياً ضد الفساد واستعادة قيم الأمانة والصدق والكفاح والعمل التي ضاعت وانسحبت على كلّ نواحي الحياة.

 

الهدية في الإسلام:

وعن أهمية الهدية في الإسلام يقول المستشار الدكتور عبدالله كمال، جامعة الأزهر: إنّ النبي (ص) قبل الهدية وحث على ذلك من خلال قوله: "تهادوا تحابوا"، فهي تؤلف القلوب وتجلب المحبة وتسر النفس وتسعد الروح، وتزيد أهميتها وقيمتها حين تكون بين الزوجين، فالهدية من الزوج لزوجته تثير حبها وتعلقها به، وقد امتلأت نفسها سعادة وفرحاً، والعكس صحيح، حين تفاجئ الزوجة زوجها بهدية من دون مناسبة فيشعر بالتقدير والعرفان ما ينعكس عليهما بتحقيق المودة والرحمة.

ولا بأس أن يقدم الرجل هديته لزوجته حين يشعر بالتقصير تجاهها أو ارتكاب خطأ في حقّها كنوع من تطييب الخاطر، لكن أن يعتاد خيانتها ويأتي بالهدية ظناً منه أنّه يكفر عن أخطائه بجلب الهدية، فهذا حرام لأنّه رجل تجرد من الوازع الديني والضمير ومثله كمثل مَن يقطع ثوبه ثم يخيطه برقعة مكرراً ذلك حتى يصير ثوبه مشوهاً، وهذا ما تأباه الشريعة المطهرة، إذ تأبى أن تكون الهدية مبرراً لفعل خيانة ومعصية جديدة.

ارسال التعليق

Top