• ١ نيسان/أبريل ٢٠٢٠ | ٧ شعبان ١٤٤١ هـ
البلاغ

الحوار التعليمي

أ. د. أسعد السحمراني

الحوار التعليمي

إنّ هذا الحوار من ضرورات الدعوة، كما أنّه من الأسس التي يرجع إليها مَن يشكل عليه أمر، أو مَن يريد أداء فريضة أو واجب أو نافلة ولا يكون على دراية بما هي الحقيقة. والحوار التعليمي مدخل للتواصل، فهو من خلال اللغة يحقق وظيفة اجتماعية تولد الألفة، وتؤسس للعلاقات بين أبناء المجتمع.

وتزداد أهمية الحوار التعليمي إذا اقترن برحابة صدر المعلم، وبأدب السؤال من المتعلم أو المتلقي للرسالة.

نصوص السيرة النبوية التي كانت على شكل حوار تعليمي كثيرة، منها هذا الحديث النبوي الشريف:

"أخبرنا عيسى بن حماد عن الليث عن سعيد عن شريك بن أبي نمر، أنّه سمع أنس بن مالك يقول: بينما نحن جلوس في المسجد جاء رجل على جملٍ، فأناخه في المسجد ثمّ عقله،

فقال لهم: أيكم محمّد؟

ورسول الله يتكئ بين ظهرانيهم.

قلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ.

فقال له الرجل: يا ابن عبد المطلب.

فقال له رسول الله (ص): (قد أجبتك).

فقال له الرجل: إنّي سائلك يا محمّد فمشدِّد عليك في المسألة، فلا تجدنَّ في نفسك.

قال: (سل ما بدا لك).

فقال الرجل: نشدتك ربَّ وربَّ من قبلك، الله أرسلك إلى الناس كلِّهم؟

فقال رسول الله (ص): (نعم).

قال: أنشدك الله، الله أمرك أن تصلِّي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟

قال رسول الله (ص): (نعم).

قال: فأنشدك الله، الله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السّنة؟

قال رسول الله (ص): (اللّهمّ نعم).

قال: فأنشدك الله، الله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا.

فقال رسول الله (ص): (نعم).

فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة، أخو بني سعد بن بكر".

والحديث بنص آخر ورد في "صحيح البخاري"، في كتاب الإيمان برقم (36) من الجزء الأوّل من طبعة القاهرة، وهو شرح "صحيح البخاري" للشيخ زروق الفاسي (ص165). وفي حديث البخاري: جاء رجل إلى رسول الله (ص) من أهل نجد، وقيل هو ضمام بن ثعلبة، كان وفده في العام الخامس للهجرة، وكان أفضل من وفد على رسول الله، ونُقِل عن عمر بن الخطاب قوله: ما رأيت أحداً أحسن مسألة ولا أوجز من ضِمام بن ثعلبة.

إنّه حوار حمل في الشكل، بداية، حالة سلوكية تؤشِّر إلى ما يجب أن يكون عليه الداعية أو المسؤول بين رعيته قومه. فضِمام عندما حضر وجد الجلساء متشابهين، ولم يستطع أن يميِّز أحداً منهم عن الآخرين، لذلك توجه إليهم بالسؤال: أيُّكم محمّد (ص)؟

والأمر الآخر أنّ الرسول قد أطلق العنان لأسئلة ضِمام وللحوار معه، فهو حوار تعليمي يفيد منه الجلساء جميعاً.

وثالث الملاحظات أنّ ضِمام صارح بأنّه سيسأل مع تشدُّد يخرج عن مألوف الحوار، وقال لرسول الله (ص): "فلا تجدنَّ في نفسك"، ورسول الله المبعوث رحمة للعالمين استجاب له، وأجابه بكلّ رحابة صدر: (سَلْ ما بدا لك).

بدأت رحلة الحوار الأولى مع محطة تؤسس للحوار هي رسولية محمّد (ص)، وهل هي عامة للناس كافة أم لقوم بعينهم؟ لأنّ كون رسول الله مرسلاً للناس كلّهم يجعل الحوار التعليمي مفيداً للجميع.

ثمّ انتقل السؤال إلى الفرائض، وكانت البداية مع الصلاة وهل هي خمسة فروض في اليوم؟ بعدها كان السؤال عن فريضة الصيام التي هي شهر في السنة وفق التقويم القمري، هو شهر رمضان الأبرك. وكان الدور بعد ذلك لركن الزكاة واستيفائها من المستحقة عليهم في أموالهم وسائر مداخيلهم ومحاصيلهم ليتمَّ توزيعها وفق مصارفها المحدّدة.

وضمام، الذي جاء إلى الحوار التعليمي، كان مؤمناً لأنّه لم يسأل عن عبادة الله تعالى والتوحيد، ولا عن كون محمّد (ص) رسولاً، وأسئلته في هذا الحوار كانت لمزيد من البيان كي يتمكن من دعوة قومه بني بكر بن سعد إلى الإسلام، وهدايتهم، وتعليمهم أركان الإسلام وفرائضه، وهذا ما فعله، حيث عاد إلى قومه، كما تنقل المصادر، ولم يبقَ أحد ممن قابله، رجلاً كان أو امرأة إلّا وقد أصبح مسلماً.

لطائف هذا الحوار تمّ التأشير إليها وبقي القول: إنّ كلّ مَن أراد أن يتصدى لمهمة التبليغ والدعوة، أو مهمة نشر أيّة فكرة، يكون واجبه الأوّل الرجوع إلى المصدر ومراجعته والأخذ عنه، كي يستطيع القيام بالمهمة التي وقف نفسه لها.

 

المصدر: كتاب الحوار في الإسلام (آدابه وقوعده)

ارسال التعليق

Top