• ٨ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٨ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

أول الحب.. تحية الصباح والمساء

أول الحب.. تحية الصباح والمساء
◄"صباح الورد الجوري". يوم كتبت هذه التحية لسلمى، في رسالة إلكترونية، لم أكن أتصور أن ثلاث كلمات يمكن أن تكون فاتحة لصداقة مديدة غيّرت يومياتي وقلبت حياتي رأساً على عقب. وها أنا أنتقي مفردة "صداقة" لأنني لا أود أن أصف علاقتنا بـ"الحب" على الرغم من أنها تستحق أن تُدعى كذلك. فلو قلت حباً فإن عليَّ أن أضيف: الحب المستحيل. وأرجو ألا يطلع لي من يقول إن لا مستحيل تحت الشمس، وإنّ البني آدم لا يعرف ما تخبئه له الأقدار. إن سبب الاستحالة، باختصار، هو أن سلمى متزوجة ولها أولاد في سن الشباب. كما أنني متزوج، لكن زوجتي تقاطعني منذ سنوات وتطلب الطلاق.

لم أرغب في الانفصال عن زوجتي لكي لا أقلق دراسة ابنتنا الوحيدة. إنها في السنة النهائية في كلية الطب، وتحتاج إلى تركيز ذهني ورعاية عاطفية، لكي تحقق حلم حياتها، وتصبح دكتورة. بعد ذلك يمكن أن يكون لكل حادث حديث. أما في الوقت الراهن فإنني أوطّن نفسي على احتمال زوجتي وهي تحتملني مرغمة. نقوم بتمثيل دوري الزوجين الطبيعيين على الرغم من أن علاقتنا متوقفة. نحن نعيش وفق مبدأ حسن الجوار.

لا تريد زوجتي أن تتركني لأنها تنوي الاقتران برجل آخر. وعندما أسألها عن سبب نفورها تنظر نحوي بنوع من الكراهية فأخاف من نظرتها. ومع هذا فقد بقيت أعتقد بأن علاقتنا يمكن أن تتحسن ذات يوم. والحقيقة أني لم آخذ فكرة الطلاق على محمل الجد إلا بعد تعرفي إلى سلمى. وهو تعارف جرى بالصدفة. لقد شاهدتني في برنامج تلفزيوني أتحدث في موضوع يخص قانون الأحوال العائلية والخاصة، فاتصلت بمقدم البرنامج وطلبت عنواني لتستشيرني في قضية إرث. هكذا كانت البداية. لقاء صوتي استمعت فيه إلى قضيتها وساعدتها كمحام وأرسلت لها "إيميل" شرحت لها فيه الوضع الخاص بها وما يتوجب عليها القيام به. وهي من جانبها ردت عليَّ برسالة شكر ومزيد من الاستفهام. ثم لا أدري لماذا ارتاح أحدنا للآخر وتواصلت مراسلاتنا. وهي رسائل كانت قصيرة ومتباعدة ثم صارت يومية. أستيقظ فأفتح الشاشة وأبعث لها تحية الصباح. ثم أعود قبل النوم وأبعث لها "تصبحين على خير وسرور".

صارت سلمى الشعاع الذي يضيء أيامي وتجرأت ذات يوم وفاتحتها في إمكانية أن نرتبط، على الرغم من أنها تقيم في بلد بعيد. لكنها ردت بصراحة أنها لا يمكن أن تنفصل عن الرجل الذي عاشت معه ربع قرن. وتوقفت عند هذا الحد أحلامي بسعادة دائمة وامرأة ترافقني في شيخوختي وتعيد لي أحاسيس الرجولة. لكن هذا الفرح العابر للقارات الذي أعيشه مع سلمى يكفيني ويملأ أيامي وينعش جفاف عمري.

لا أدري متى توقف زوجي عن مبادلتي العبارات العفوية التي تجري على ألسنة الناس بشكل طبيعي. وكنت أعرف أنّ العلاقة الزوجية تفقد لهفتها بعد سنوات من الحياة المشتركة، لكنني لم أتصور أن يكون أبو أطفالي على هذه الدرجة من الاستهانة بمشاعري، بحيث غابت عن كلامه معي كلّ أشكال اللياقات. لقد نسي كيف يقول لي "صباح الخير" و"مساء الخير" و"شكراً" و"نعيماً" و"مع السلامة" و"تصبحين على خير". وقد كنت حريصة على ألا أعامله بالمثل، بل واصلت لطفي معه وتمسكت بالتهذيب الواجب على المرأة تجاه زوجها. ثم شيئاً فشيئاً زحفت المرارة على روحي وما عدت أبادر بتحية، لأنني أعرف أنني لن أتلقى جوابها. إن غياب الود بين الزوجين هو المقدمة لموت الحنان والتعاطف والمعروف وكلّ المشاعر الجميلة.

هل أحببت منصور لأنه يبعث لي، في الثامنة تماماً، تحية الصباح؟ أنظر إلى الشاشة فأرى تنويعات مختلفة كلّ يوم. "صباح الورد". "صباح الياسمين". "صباح النور على البنور". ثم يعود في الثامنة مساءً ليلقي عليَّ التحية ويتمنى لي ليلة سعيدة وغفوة هانئة. "تصبحين على سرور" أقرأها فأحس بصباحي يفوح بعطر الورد وبمسائي هانئاً ونومي رائقاً. كلمات عادية، لكنها كانت كافية لأن تجعلني أتعلق برجل بعيد، استشرته كمحام، ثم صار صديقاً. وهو أمر أرعبني، في البداية، وأثقل على ضميري. فأنا أتمسك بزواجي على الرغم من كلّ شيء، ولن أطعن زوجي وأهجر بيتي واسرتي مهما حصل. أما علاقتي مع منصور فهي تشبه التعلق بشبح غير حقيقي. ونحن لم نتقابل يوماً، ورفضت بشكل قاطع أي دعوة منه لأن نلتقي. وتكفيني هذه المراسلات التي يتبادلها إنسانان ناضجان مستوحدان، يُفضفضان لكي يكشطا عن قلبيهما صدأ السنين.

هل هي خيانة مني؟ لقد حاولت إنكار تعلقي برسائل منصور إلى أن مرض، ذات يوم، وانقطع عني لثلاثة صباحات. عندها شعرت بأن حياتي خالية ورتيبة وصعبة الاحتمال. صارت أيامي باهتة مثل طعام بارد وبلا ملح. وهذا يعني أنني أحب هذا الشبح شرط أن يبقى بعيداً ولا يخرب بيتي على رأسي ورؤوس أبنائي. بيت يتألف من جدران وسقف وشبابيك وأثاث وشرفات وسطح وحديقة ومرأب لكنه يخلو من الحرارة.►

ارسال التعليق

Top