• ٨ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٨ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

ابني وحيد...

د. كارين ايليا*

ابني وحيد...
من أجمل روائع التكوين البشري هو الإنجاب، وتحديداً العلاقة التي تخلق بين الأُم وولدها والتي تتطور مع الوقت لتأخذ أشكالاً عديدة ومختلفة. حين تحمل الأُم وتلد لا يكن ببالها أو بالحسبان أنّه سيكون حملها الوحيد وبالتالي سوف تكون أمّاً واحدة فقط. فحين تدرك الأُم أنّها لن تنجب مرة ثانية تشعر بحاجة لإسقاط كلّ حبها واهتمامها على الابن الوحيد وذلك بسبب الشعور بالذنب بعدم الإنجاب ثانية أو الخوف على الابن وغيرها من الأسباب فتكون العلاقة مع هذا الولد مبنية على الكثير من التعلق والذوبان أحياناً والحاجة إلى التعويض في أغلب الأحيان.

نرى أهل الولد الوحيد يربونه بشكل مختلف، فأحياناً يتهاونون في التربية والقواعد العائلية وغيرها بسبب خوفهم عليه. لذا في الكثير من الأحيان يمكن معرفة الابن الوحيد من سلوكه وتصرفاته. هل المبالغة باهتمام الأهل بابنهم الوحيد قد تجعل من الابن أنانياً ومدللاً؟ هل كونه وحيداً تجعله يعيش حالة إحباط بسبب كونه وحيداً دون إخوة وأخوات؟

الابن الوحيد هو مركز الاهتمام للعائلة ويعتاد أن يكون مركز الاهتمام في كلّ مكان. وإن لم يكن كذلك فقد يزعجه ذلك. أنّ عاطفة الأهل في هذه الحالة تذهب باتجاه واحد دون تحويلات عند الإخوة والأخوات فهو وحيد يعيش حرية مطلقة، لا يتشارك الغرفة مع أحد ولا الملابس ولا الألعاب. هذه العلاقة تعزز ثقته بنفسه. ولكن في الوقت عينه نجد الولد الوحيد في مواجهة وحده مع الضغوط التي قد يمارسها الأهل عليه. فأحياناً الأهل يريدون أن يحققوا بابنهم أحلامهم فيشكل ذلك ضغطاً معنوياً ونفسياً على الابن. وهذا فالابن الوحيد الذي على الرغم من الضغوط التي قد يتعرض لها في المنزل، يتلقى كماً من الحب والدعم النفسي والمعنوي والعاطفة والاهتمام، فهو المحور، بطل العائلة الذي يحظى باهتمام مبالغ به أحياناً ويتحول إلى مرضي عند بعض الأهل. وعلى الرغم من كلّ ذلك الاهتمام في الداخل، نراه لا يتلقى نفس الاهتمام خارج المنزل من الأصحاب والمقربين والمدرسة، على الرغم من انتظاراته الكثيرة من كلّ من هو على تواصل معه.

ولكن صديقي القارئ في العلاقة الصحية بين الأهل والابن الوحيد يجب الإبقاء على مسافة منه. وهذه المسافة ليست إشارة إلى عدم الحب. بل على العكس هذه المسافة تساعد الابن على الاتكال على نفسه والأهم من كلّ ذلك تساعده على الاستقلالية وعلى رؤية نفسه ككينونة واحدة مستقلة عن الأُم أم الأب وليس استمرارية لهم.

فكيف يجب تربية الابن الوحيد؟ من الضروري عدم خنقه بكثرة الاهتمام والإحاطة، بل تركه يختلط بالآخرين وتحديداً الأقارب بالاختلاط بالأولاد من سنه يعلمه الكثير من الأمور ويساهم بتطوره ونموّه.

كثرة الخوف عليه سوف تخلق لديه حالات من القلق والخوف. فأهم ما يمكن للأهل القيام به حيال الابن الوحيد هو الإصغاء لحاجاته ورغباته دون إلزامه برغباتهم. فذلك يجعل منه رجلاً فرحاً. فتأثير الوالدة على الابن هو جوهري ومحوري وعلاقتها به تسهم بشكل كبير في تحديد خياراته المستقبلية. وينطبق ذلك بشكل واضح على الابن الذي يحسم خياره باختيار شريكة المستقبل إما شبيه بوالدته أو عكسها تماماً وهنا النتيجة واحدة. فأحبوا أبناءكم لأجلهم هم دون المبالغة لأنكم بذلك تخلقون رجلاً مبتهجاً في المستقبل وحاسماً لخياراته. إذا كانت العناية المفرطة في الطفولة تعطي الولد أماناً وراحة فهي تجعله يعيش حالة من الانزعاج في سن المراهقة وشعوراً بخرق الأهل لخصوصيته وبالتالي الحاجة إلى الاستقلالية.

أهل الولد الوحيد يشعرون بحاجة دائمة إلى خرق دائرة الحميمية لدى الولد. فقد يطيب له ذلك في الأعمار الصغيرة، فكلّ هذا الاستثمار العاطفي يعود بالفائدة عليه لفترة طويلة ولكن حين تبدأ الأسئلة تتخطى قدرته على تقبلها يدخل في صراع كبير معهم. إلى أين تذهب؟ متى تعود؟ كلمني حين تصل، لا تتأخر وغيرها من الأسئلة الكفيلة بخلق توتر بين الأهل والابن.

من أهم الأمور التي يجب اتباعها في العائلة التي لديها ولد وحيد هو الانفتاح على الآخرين وعلى العلاقات الاجتماعية وتحديداً إدخال الولد في نشاطات اجتماعية مع أبناء سنه ما يساعده على الانفتاح وعدم العزلة.

من المهم تعزيز قدراته وطاقاته وتعزيز قدراته الجسدية. إضافة إلى أهمية تعليمه الحوار. الولد الوحيد في حاج إلى ديناميكية جيدة ضمن العائلة وعدم الخوف من توجيهه فهو بحاجة إلى توجيه. والأهم من كلّ ذلك عدم الخوف من القصاص التربوي. هو ولد مثل كلّ الأولاد مع بعض الخصائص الإضافية.

وفي الختام أجيبوا عن كلّ أسئلته حول الأخوة والعائلة وغيرها وإن لم تكونوا تملكون الأجوبة لا تتأخروا في استشارة متخصص.

فابنكم أغلى ما لديكم لستم في حاجة إلى خسارته بسبب سوء تربيته بسبب خوفكم عليه.►

 

* معالجة ومستشارة نفسية للأزواج

ارسال التعليق

Top