• ٧ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٧ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

لا أحتمل أن تدير لي ظهرها

لا أحتمل أن تدير لي ظهرها
 
ليس هذا أنا. لقد جعلت منّي هذه المرأة شخصاً آخر يقوده الجشع وتعميه الأنانية. جشع ضد مَن وأنانية من أي نوع؟ من أبشع الأنواع، لأنها ضد شقيقتي الوحيدة، أختي التي لم يَبْقَ لها في هذه الحياة مَن يحميها ويدافع عن مصالحها غيري.. أنا الشقيق الذي تحوّل من حاميها إلى حراميها. أنا لص ضعيف الشخصية، غير قادر على معارضة زوجته ولا رفض طلباتها. إنها لا تطلب بل تأمر. وأنا الخادم الصغير المطيع الذي يبتلع لسانه ولا يقول "لا".
تجلس هناء، زوجتي، وهي تضع ساقاً على ساق وتنشغل بطلاء أظافر يديها، من دون أن يتوقف لسانها عن الدوران، إنها تقول لي، بصوت بريء ومحايد، إنّ ما نفعله ليس بالأمر الغريب أو المستهجن، بل هو عين العقل. "ماذا تفعل أختك الأرملة بالميراث مادامت وحيدة وبلا أولاد؟
أليس أولادنا أولى بهذه النقود؟". أعرف أنّ قضايا الإرث تفوّض أركان عائلات كثيرة. لكني لم أكن أتصور أن أكون الأخ الذي يهضم حق شقيقته ويستولي على حصتها من تركة الوالدين. والأدْهى من هذا، أنها وثقت بي ثقة عمياء وأعطتني توكيلاً قانونياً للتصرف نيابة عنها. ومنذ تلك اللحظة، دخلتُ في دوّامة من الكذب والتزوير وإخفاء الأوراق الرسمية، لأن زوجتي هناء كانت تشجعني على الخداع وتدفعني بجبروتها إلى سرقة شقيقتي. وأنا أقول إنّ زوجتي جبّارة، ولا أعني أنها عظيمة القامة أو تمتلك عضلات مفتولة، بل أعرف أن جبروتها يكمن في سيطرتها عليَّ بشكل كامل، لأنني أضعف من أن أصمد أمام القطيعة ولا أطيق أن تدير لي ظهرها في الفراش.
وتحت ضغط تعلّقي الكبير بها، قمت بعمليات بيع وشراء مموّهة وسحبت حقوق شقيقتي الأرملة إلى حساباتي. ومثل أي نذل كنت أردد مع نفسي أنني وأولادي أولى بما تركه لنا الوالدان.. مادامت أختي لا وريث لها.. بعد عمر طويل.
أحتقر نفسي وأنا أضيف "بعد عمر طويل"، ذلك أنني أعرف أن شقيقتي لن تجد ما تُنفق به على نفسها إذا داهمها المرض ودخلت أرض الشيخوخة. صدقوني إنني لا أريد فلوسها.. كل ما أريده هو هناء.
 
المهم أن يبقى أسير سحري
لا أعرف كيف تضع الطبيعة في رؤوس الرجال عقولاً بهذه التفاهة؟ إنّ زوجي لا يعرف كيف يخطط للمستقبل ولا كيف يحمي ظهري وظهور أولادنا. وحين أشرح له الأمر البديهي، فإنّه يرد عليّ بعبارات عقيمة عن الضمير والحقوق والعدالة والواجب. أي واجب؟ هل يمكن لهذا الرجل أن يفكر في أخته أكثر ممّا يفكر في مستقبل أبنائه؟
قلت له، وأنا أتمنع عليه في الفراش، إنني لن أتراجع عن خصامه مادام لم يحل مشكلة الإرث بالطريقة المناسبة. وشرحتُ له، بالتفصيل الممل، أن أخته الأرملة لم تُرزق أطفالاً. بالتالي، فإن ترك بيت الوالدين الكبير لها، تقيم فيه وحيدة، أمرٌ غير مناسب اجتماعياً ومنطقياً. لابدّ من أن تنتقل إلى شقة صغيرة ومريحة، وأن تترك لنا البيت الكبير نبيعه ونستفيد من الارتفاع الكبير لأسعار الأرض في المدينة القديمة.
بكل سذاجة، يسألني سعيد: "وماذا أقول لها؟". هل من الضروري أن تقول وتشرح لها؟ يمكنه أن يطمئنها إلى أنه سيسهر على حصتها ويدير لها حساباتها، مادامت لا تعرف مكاتب المحامين ولا طاقة لها على متابعة إجراءات الإرث والبيع والشراء في دهاليز الإدارات المختلفة. إنها تقبض تقاعداً بسيطاً تركه لها زوجها الراحل، ولن تجوع ولن تَعْرَى. ثمّ إنها ستجد راحتها في الشقة الصغيرة بدل أعباء البيت القديم ذي الطوابق الثلاثة المتداعية.
حاول سعيد الممانعة، لكنني لجأت إلى سلاحي الرادع الذي لا يملك القدرة على مصارعته. إنّ سحري مازال سارياً عليه، على الرغم من مرور ثماني سنوات على زواجنا. ولهذا، كان عليّ أن أستفيد من السحر قبل أن يَمَلّ منّي ويبطل مفعول عشقه لي. إنّه يتحول إلى طفل صغير بين يديَّ حالما أستعرض أمامه ألاعيبي التي أجيدها وأعرف كيف أضرب على أوتاره الحساسة. لقد خضع لي ونفّذ ما طلبته منه وعاد دامع العينين. وكدت أضحك وأقهقه من نوبة الضمير التي سيطرت عليه. ألا يعرف أننا لا نسرق شقيقته بل نرتّب مستقبل أبنائنا فحسب؟

ارسال التعليق

Top