• ١٠ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ١٩ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

أدوات التجديد في دنيا الشباب

أدوات التجديد في دنيا الشباب

يتوفّر المجدِّدون على واحد أو أكثر من الأدوات التالية ليجدِّدوا ما هو بحاجة إلى تجديد:

 

1-    المواهب والملكات:

إذا أردتَ أن تكون مجدِّداً فاعرف ما حباك الله من مواهب.. قد لا تبدو في نظرك مميزة أو فائقة، لكنّ حسن استخدامك لها وتوظيفها بذكاء، ونفاذ بصيرة، وصقل متواصل، سيجعلها مميزة وفائقة.. هذا ما تستوحيه من تجارب المجدِّدين.

 

2-    المبادرة:

فقد يتقدّم المجدِّد على مَن كانت له رغبة في التجديد وأقعده الكسل والتكاسل، وقد يكون الإثنان ذو إرادة، إلّا أنّ الأوّل يمتلك التعبير عن إرادته، فيما ترك الثاني إرادته في منجمها فلم يستخرجها.

المجدّدون مبادرون، وقد تصطدم مبادراتهم بالرفض والسخرية والتقليل من شأنها، فلا يزيد ذلك إلّا شحذاً لإرادتهم الوثّابة المتوكلة، وحتى لو أخفقوا، حسبُهم إنّهم بادروا.

تتذكرون كيف اختبر (كولمبس) الذين لم يبادروا لإكتشاف أمريكا أو العالم الجديد، فقال لهم أوقفوا هذه البيضة المسلوقةَ على رأسها، فحاولوا ففشلوا، فأخذها وضغطها قليلاً على المنضدة فوقفت، فقالوا: كلنا يقدر على ذلك، فأجابهم، ولكنّكم لم تفعلوا.. وهذا هو الفرق بيني وبينكم!!.

 

3-    الجرأة:

الجرأة قرينة المبادرة.. صديقتها المخلصة، فلولا جرأة المجدِّد لما بادر أو أقدم على التجديد. والجرأة هنا اقتحامية لا تتهيّب المترتبات على عملية التجديد من موقف الرافضين أو الساخرين أو المراوحين في أماكنهم. في الحديث: "إذا هبت أمراً فقع فيه"!

 

4-    المتابعة:

متابعة شيء، وتتبع تأريخه وأطواره ومستجداته يفتح للمجدِّد آفاق استكمال ما تمّ التوصلُ إليه لحدّ الآن، وإضافة ما يمكن إضافته نوعاً أو كمّاً.

يقول أحد المفكرين: "يعجبني الشبابُ.. قدماً ككرةِ المطّاطِ لا تمسُّ الأرضَ حتى ترتدَّ عنها.. ومفاصل كمفاصل الفولاذ أغرقت في الزيت.. وجسماً صحيحاً سليماً كالدينار (العملة من الذهب) إذا ضربته على الرخام رنّ، له متانةُ الحديد ليسَ له مسّهُ"! (عباس محمود العقّاد).

 

5-    الصبر والمثابرة:

الصبر أداة الإبداع عموماً وليس فقط أداة التجديد، فبالصبر والمثابرة والمواظبة تُنال المآرب وتتدرجُ في المراتب، ولو أن كلّ مجدِّد أو مُبدع توقّف في بعض الطريق، أو انسحب لصعوبات واجهته وانتقادات اعترضته، أو سخرية سخّفت ما يقوم به، لما بنى نوحٌ (ع) سفينتهُ، ولما نجا الذين نجوا من الطوفان، ولتهاوى التجديدُ منهاراً هنا وهناك فلم يتقدّم خطوة.

سُجِّل باسم (توماس أديسون) ما يربو عن ألف ومئتي براءة اختراع، وهو يفسِّر شهرتهُ ونجاحه كما يلي: "إثنان بالمئة وحي وإلهام وثمانٍ وتسعون بالمائة عرق وجد وجُهد"!!

 

6-    التأمّل العميق:

التأمّل المتعمِّق في أي أمر قائد ليس إلى التجديد فقط، بل ربّما إلى ابتكار وإبداع ما يمثل طفرة نوعيّة.. الأنبياء كانوا متأمّلين، ولذلك هم مجدِّدون لرسالات بعضهم ومكمِّلون لهما أيضاً.. المصلحون، الفنانون، الأدباء، المخترعون، المكتشفون.. كلّهم يتمتعون بقابلية عالية على التأمّل والتفكّر والتدبّر والتدقيق والتمحيص.

إنّ كلّ آية من القرآن الكريم فيها (آية.. أو آيات.. أو يتفكّرون.. أو يتدبّرون.. أو يعقلون) هي دعوة للتأمّل العميق للوصول إلى أسرار الآية، ولو بقي الغوّاص على سطح الماء أو شاطئ البحر، لما حصل على لؤلؤة أو صَدفة واحدة!

 

7-    الحبّ:

أحبب اختصاصَك أو مهنتَك أو هوايتَك ستجد التجديد منتظراً على أعتابك.. فالذي يعمل بجد وعشق وولع، يتفتّقُ النجاحُ في مهنته أو مهمّته عن أسرار التجديد، ويتفتق ذهنهُ عن إبداعات وتحسينات دائمة على عمله، وأحياناً تتدفق كما يتدفق يُنبوعُ الماء تلقائياً وعلى سجيّته من ثنايا الأرض.. إنّها معجزات الحبّ.

رسّام ياباني معاصر قضى عدّة سنوات وهو لا يرسم سوى الأعشاب وعندما سُئِل: لماذا الأعشاب دائماً؟! قال: "يومَ رسمتُ العشب فهمت الحقل، ويوم فهمت الحقل، أدركتُ سرَّ العالم"!!

 

8-    الحاجة:

كما أنّ الحاجة هي أُمُّ الاختراع، فكذلك هي أمُّ التجديد، فلقد كانت طريقة التحفيظ عن ظهر قلب هي الأسلوب المُتبَع لتعليم العميان، لكنّ الحاجة إلى أسلوب جديد يُسهِّل القراءة على الأعمى دفع (علي بن زين الأمدي) إلى ابتكار طريقة القراءة بالأصابع[1]، فلقد كان مصاباً بالعمى منذُ صغره، وقد اشتغل ببيع الكتب، ويعدّ أوّل مَن صنع الحروف البارزة، فكان كلّما اشترى كتاباً أخذ ورقة وفتلها وصنعها حرفاً أو أكثر من حروف الهجاء مسجلاً بها ثمنُ الكتاب بحساب الجمل (حساب الحروف الأبجدية المعتمدة في التواريخ الشعرية) ويلصقها على طرف جلد الكتاب، ويجعل فوقها ورقة تُثبِّتها، فإذا غابَ عنهُ ثمن الكتاب مسَّ الحروفَ الورقيّة فعرفه.

يقول (المعرّي):

كانَ منجمُّ الأقوامِ أعمى *** لديهِ الصحفُ يقرأُها بلمسِ!

 

9-    الرحلات:

في السفر والتجوال والرحلات يعثر السائح أو الرحّالة على الجديد دائماً، أو يرى ويسمع ويقرأ ويشاهد ما يبعث على الجديد.

يروى أنّ الإسكندر الكبير كان يُرسل من البلدان التي يمرّ فيها نماذج من نباتاتها وحيواناتها إلى أستاذه الفيلسوف "أرسطو" مساهمةً منه في زيادة إطلاعه، وتسهيل أبحاثه ودراساته، ومن هنا استطاع أرسطو أن يؤسس ما يعتبر أوّل حديقة حيوان في العالم!

 

10-                      اعتماد وسائل حديثة:

المجدِّد لا يعيد النظر في القديم بوسائل قديمة، بل بوسائل حديثة تعينه على التجديد كالإستبيانات والإحصاءات والدراسات الميدانية والخدمات المعلوماتية، والوثائق والأرشيف، ووسائل التحقيق والتوثيق والتركيب والتحليل، بل لا يعدم دراسة تأثيرات الزمان والمكان، فالشاعر الجاهلي (عليّ بن الجهم) عاشَ الصحراء.. كانت أوصافهُ وصورهُ الشعريّة بدويّة كبيئته، لكنّه حين انتقل إلى بغداد العصر العباسيّ المزدهر رقّ شعرهُ، وصفت قريحتهُ، وتألّقت صورهُ، حتى قال:

عيونُ المها بينَ الرصافةِ والجسرِ *** جلبنَ الهوى من حيثُ أدري ولا أدري

يضاف إلى ذلك الإفادة من علمي (النفس) و(الاجتماع) وتأثير كلّ منهما في الآخر، وملاحقة المعطيات والطروحات والمستجدّات، يجعل عجلة التجديد دائرة باستمرار.

إنّ الإحاطة بالجديد يجعل التجديد همّاً دائماً من همومك.. ففي سيرة (اديسون) الذي بدَّد الظلمات بمصباحه انّه – وهو ابن السابعة – كان يحيط بكل جديد في قريته، فقد أحبّ احواض بناء السفن، وتعلّم أسماء مختلف الأدوات وأغراضها، وتفحّص آلات نشر الخشب، وأخذ عدداً من الألواح لبناء جسر على مجرى النهر..

زِد على هذا أن خصوبة الخيال نافعة جدّاً في هذه المجال.

 

11-                      عدم تهيّب الأستاذيّة والشهرة:

ذلك أنّ أحد موانع التجديد والإبتكار عقبة الهيبة من (الكبار) و(الروّاد) و(المشاهير)، فلقد بقي الأطباء يقتفون أثر أستاذهم الكبير (جالينوس) لسنين مديدة وعديدة وإلى اليوم، في حين أنّ الطبيب الأندلسي (أبو مروان بن زاهر) دحضَ بعض نظريات هذا الطبيب اليوناني.

وحين عزف (بيتهوفن) لأوّل مرّة لم تضج القاعة بالتصفيق، ولم يطلبوا إليه متابعة العزف ثانية.. وقد ضحك منه الجمهور حين أراد أن يمسح العرق من وجهه وإذا به يُزيح شعره المستعار، وزاد في مرارته توبيخ والده، بقوله: "إنّ الفرق شائعٌ بينكَ وبين موزار" – الموسيقار الشهير – .. وفيما كان في فراشه، قال في نفسه: "أنا لستُ موزار بل بيتهوفن، ولربّما صرتُ أحسن منه.. إنّ لي طريقتي الخاصّة!.. وسأثبت مقدرتي الموسيقية في فرصةٍ أخرى".

في السابعة عشرة من عمره زار موزار في بيته.. وطلب إليه أن يعزف لحناً لكي يؤدِّيه من بعده.. فعزف موزار لحناً صعباً جدّاً، لكن بيتهوفن أجاد العزف لدرجة جعلت (موزار) يقول: "ستكون خليفتي.. حقاً إنّك عبقري".. هكذا أصبح بيتهوفن أب السمفونيات!

 

12-                      قلق المعرفة:

قلق المعرفة أو قلق الإبداع والتجديد، والكشف عن الأسرار صفة ملازمة للمجددين والمبدعين.. لا يعتبرون ذلك مرضاً يطلبون الشفاء منه.. بل هو حالة صحّية لأنّه يمثل عملية البحث الدائمة عمّا هو مبتكر وفريد وغير مسبوق، ولو بردت الجذوة أو خدمت لانتهى التجديد وتبخّر، ولقد قيل إنّ الذين أحدثوا أحداثاً مهمّة في التأريخ لم يكونوا إلّا طلائع القلقين، أي أنّ القلق هو أحد المحرّكات الأساسية في حياتهم.



[1]- هذه الطريقة تعرف اليوم بطريقة (بريل) حيث يتلمّس الأعمى الكتابة المحفورة أو المثقّبة.

ارسال التعليق

Top