• ١ حزيران/يونيو ٢٠٢٠ | ٩ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

الأدب في ظل الفلسفة والعلم

الشيخ عبدالله نعمة

الأدب في ظل الفلسفة والعلم
الأدب كائن طيّع، يتأثر بالوسط الذي يكون فيه، وهو معبر فصيح عن روح المجتمع الذي عاش بين أحضانه، ويترجم أحاسيس ذلك المجتمع واعتلاجاته، ويعكس لنا اتجاهات صاحبه في صور واضحة لا خفاء فيها، تظهر على مادته وتعابيره، وعلى أسلوبه ومضامينه.
ويمكن للمتمرّس أن يعرف صناعة الشاعر أو الأديب، أو المهنة التي يمارسها، ويعرف اتجاهاته وميوله السياسية والعقائدية وغيرهما، حينما يقرأ شعره أو بعض قِطعٍ من أدبه. فإنّه سيجد في تعابيره وفي أسلوبه وفي معانيه انعكاساً لمهنة الشاعر أو الأديب أو الثقافة التي مال إليها واشتغل بها.
إنّك ستجد حتماً في أدب ذي مهنةٍ ما وشعره تعابير ومصطلحات مختصة بتلك المهنة. فتجد في شعر النجار مثلاً التعبير المختص بأدوات النجارة كالمنشار أو القدّوم أو المسمار وما إلى ذلك من أدواتها.
وتجد في شعر الخبّاز التعابير المختصة بهذه المهنة. وهكذا الحال في أدب الفقهاء أو الرياضيين أو المهندسين أو المنطقيين، أو الفلاسفة أو الكيميائيين.
وأذكر أني قرأت قديماً في مقدمة ابن خلدون في بعض فصولها، أنّ أحدهم أنشد بيتاً من الشعر أمام أحد الأدباء، وهو:
لم أدر حين وقفت بالأطلال *** ما الفرق بين جديدها والبالي
 
فقال له: إنّ هذا البيت لشاعرٍ نحوي. فقال: من أين عرفت؟ قال: من قوله (ما الفرق) وهو التعبير الذي يتردد ويكثر على لسان النحاة، فبحث عن قائله فإذا هو نحوي فعلاً.
كما كنتُ قرأت من قبل في كتاب "العقد الفريد" لابن عبد ربه الأندلسي، فصلاً خاصاً عقده المؤلف في الشعر الذي اكتسب تعابيره من المهنة التي يعمل بها الشاعر.
فالأدب كما يكون انطباعاً لأحاسيس الأديب أو الشاعر، وانعكاسات لمشاعره، كذلك يكون انطباعاً عن المهنة أو العلم الذي يختص فيه الأديب أو الشاعر، تظهر عليه بتعابيره ومصطلحاته.
ولا نريد التوسّع في هذا الموضوع، لأنّه باب واسع مترامي الأطراف ومتشعّب المنعطفات، بل نقتصر من ذلك على أمثلة من أدب الفلاسفة والعلماء، ومَن إليهم، ونورد هنا لمحاتٍ من الشعر الذي انطبعت اتجاهات صاحبه بتعابير العلم الذي يشتغل به، من هندسةٍ أو طب أو منطق أو فلسفة أو فقه أو غيرها.
فمن ذلك قول الفيلسوف الفارابي الذي جاءت أبياته الآتية تحمل تعابير الهندسة ومصطلحاتها من النقطة والخطوط والمحيط والمركز، وهي قوله:
 
أخي خَل حَيّزَ ذي باطل *** وكْن والحقائقَ في حَيّزِ
ما نحن الّا خطوط وقعْنَ *** على نقطة وقع مستوفز
محيطُ السماواتِ أولى بنا *** فماذا التزاحمُ بالمركز
 
والنقطة هي النهاية الوهمية التي لا تقبل الانقسام بأحد الأبعاد الثلاثة للحجم، وهي الطول والعمق والعرض.
وقد ضمّنها بعض الشعراء في قوله:
 
برهن (إقليدس) في فنّهِ *** وقال النقطة لا تنقسم
ولي حبيبٌ فمُهُ نُقطةٌ *** موهومَةٌ تُقسم إذ يبتسم
 
وقال أبو علي المهندس المصري الذي كان حياً عام 530هـ في هذا الباب:
 
تَقَسّمَ قلبي في محبّةِ معشرٍ *** بكل فتى منهم هواي منوطُ
كأن فؤادي مركز وَهُمُ لهُ *** محيطٌ وأهوائي لديهِ خطوط
 
ومن الشعر الذي اشتمل على مصطلحات منطقية قول ابن العنفيف:
 
للمنطقيينَ اشتكي أبداً *** عينَ رقيبي قلَيْتَه هَجَعا
حاذَرَها من أحبه فأبى *** أن نختلي ساعة ونجتمعا
كيف غدت دائماً وما اتصلت *** مانِعَة الجمع والخُلُوِّ معا
 
وقال المحقق الطوسي الفيلسوف:
 
مقدمات الرقيب كيف غَدَتْ *** عند لقاء الحبيبِ متّصِله
تمنعُنا الجمعَ والخُلُوَّ معاً *** وإنما ذاك حُكم مُنفَصِله
 
والقضية المنفصلة باصطلاح أهل المنطق هي المشتملة على أمرين متعارضَين وذلك بتوسط أداة التفصيل أو التقسيم بينهما، سواء أكان هذا التعاند بينهما ذاتياً طبيعياً أو شرعاً أو عرفاً أو غير ذلك، بحيث لا يمكن صدق الأمرين معاً ولا كذبهما معاً. وهي على ثلاثة أقسام:
(الأوّل): المنفصلة الحقيقية الدائمة، وهي ما يحكم فيها بمنافاة صدقها وكذبها معاً في جميع الظروف، كقولك: العدد إما زوج وإما فرد فهنا لا يمكن الصدق والكذب معاً في مثل هذه القضية دائماً.
(الثاني): المنفصلة مانعة الجمع، وهي ما يحكم فيها بمنافاة صدق الأمرين معاً دون كذبهما كقولك هذا إما أبيض وإما أسود، فهنا لا يمكن صدقهما بل لابدّ من صدق أحدهما. لكن يمكن كذبهما بأن ذلك الشيء لا أبيض ولا أسود، بل يكون أحمر مثلاً.
(الثالث) المنفصلة مانعة الخلو، وهي ما يحكم فيها بمنافاة كذبهما معاً دون صدقهما، كقولك: هذا إما غير أبيض وإما غير أسود، فيكون مفاد أداة الفصل وهي لفظة (إما) المنع من كذب أحدهما، لا من الجمع بينهما، إذ يمكن صدق الجمع بين الجزءين بأن يكون الشيء أحمر الذي يشمله قولك غير أبيض وغير أسود.
والمنفصلة الحقيقية هي مركبة من مانعة الجمع ومانعة الخلوّ كما هو واضح.
ومن قول نجم الدين الداريني:
 
لا تخطبنَّ سوى كريمة معشرٍ *** فالعرقُ دساسٌ من الطرفَيْنِ
أوَلستَ تنظرُ في النتيجةِ أنها *** تبع الأخسّ من المقدمتين
 
وقد اشتمل على الإشارة إلى الحديث في النهي عن خضراء الدمن، (وهي الحسناء في منبت السوء)، وفي حديث: (فإنّ العرق دسّاس)، واشتمل أيضاً على مصطلح منطقي وهو أنّ النتيجة تابعة لأخسّ المقدمتين في الشكل، فإذا كانت إحدى المقدمتين للقياس ظنّية أو وهمية فالنتيجة لهذا القياس ستكون كذلك.
وقول الطوسي:
 
ما للقياس الذي ما زال مشتهراً *** للمنطقيين في الشّرطي تسديدُ
أما رأوا وجه من أهوى وَطُرَّتَه *** فالشّمسُ طالعةٌ والليلُ موجودٌ
 
يكنّي عن الشمس بوجه من يهواه وعن الليل بشَعره.
ويشير هنا إلى القضية الشَّرطية في علم المنطق وهي ما كان بين مقدمها وتاليها نوع من الارتباط خارجاً، سواء أكان هذا الارتباط عقلياً أو طبيعياً أو عرفياً خاصاً أو عرفياً عاماً، كقولك: إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود. فهنا لا يمكن افتراض طلوع الشمس دون افتراض وجود النهار. وصدق القضية الشّرطية هنا لا يتوقف على صدق المقدمة وهو إن كانت الشمس طالعة ولا على صدق التالي وهو كان النهار موجوداً، بل يتوقف على صدق الارتباط بينهما، أياً كانت حقيقة هذا الارتباط. والطوسي هنا يقول إنّ القضية الشّرطية غير صادقة باعتبار أنّ الشمس طالعة وهو وجه محبوبِهِ، والليل موجود وهو شَعره الأسود.
وقول ابن عنين الشاعر يشكو تأخره:
 
كأنِّي من أخبار إنَّ ولمْ *** يُجِزْله أحدٌ في النحو أن يتقدما
 
فالقاعدة النحوية أنّه لا يجوز تقدم خبر إنّ على اسمها، فلا يجوز أن تقول: إن قائم زيداً، إلا إذا كان الخبر جاراً ومجروراً أو ظرفاً، فيصح أن تقول: إنّ في الدار رجلاً وإن عندنا رجلاً.
وقول بعضهم:
أنبتَ ورداً ناضراً ناظري *** في وجنةٍ كالقمرِ الطالع
فلِمْ منَعْتُمْ شفتي لثْمَهُ *** والحقُّ أنّ الزرعَ للزارع
 
فهو يعني أنّه نظر إلى معشوقِهِ فاحمرّتْ وجنتُه خجلاً، ومُنع من لثمه مع أنّه هو الذي زرع هذا الورد، والقاعدة الفقهية أنّ الزرع للزارع.
وقد أجابه الشيخ حسين عبدالصمد العاملي بقوله:
 
لأنّ أهل الحب في حيّنا *** عبيدُنا في شرعِنا الواسع
والعبدُ لا ملْك له عندنا *** فزرعُهُ للسيدِ المانع
 
يعني أنّ العاشقين عبيد المعشوق، (والعبد لا يملك شيئاً مع وجود مالكه) وهي قاعدة فقهية معروفة.
ومن ذلك قول المتنبي:
 
ففي تغرمِ الأولى من اللّحظِ مهجتي *** بثانية، والمُتْلِفُ الشيء غارمه
 
يقول: إنّه نظر إلى محبوبته نظرة التلفتْ مهجتَه، فيقول لها قفي لأنظرك مرة ثانية تردّ مهجتي وتحييني، بحيث تكون النظرة الثانية هي بمثابة الغرمِ الذي عليك أن تؤديه لما أتلفتْهُ النظرةُ الأولى ثمّ استدلَّ على ذلك بقاعدة فقهية، هي من أتلف مالَ غيره فهو له ضامن.
 
المصدر: مجلة نور الإسلام/ العدد 19 و20 لسنة 1991م

ارسال التعليق

Top