• ٨ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٨ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

الباحثون عن الكنوز الغالية

أ.د. محمود عباس

الباحثون عن الكنوز الغالية
◄مع هلال الشهر الكريم، أُطلقت مواكب الصيام في أشرف سباق إلى الخيرات والفوز برضوان الله في جنّات النعيم.. إنطلقت الأُمّة كلّها رجالاً ونساءً شيباً وشباباً إلى مسابقة ينشط لها المؤمن بدعوة من الله في كتابه جلّ في علاه، إذ أمرهم بالمسابقة إلى الجنّة في قوله تعالى: (سابِقُوا إلى مَغفِرَةٍ مِن رَبِّكُم وجَنَّةٍ عَرضُها كَعَرضِ السَّماءِ والأرضِ أُعِدَّت لِلذينَ آمَنوا بِاللهِ ورُسُلِهِ) (الحديد/ 21).
فالمؤمنون جميعاً في مسابقة إلى الجنّة من أوّل رمضان، وقطعوا في ذلك شوطاً كبيراً حتى إقتربت النهاية ولم يبق إلا القليل، وفي هذا القليل خير كثير وكنوز دفينة غالية لمن يطمعون في درجات أعلى ورضوان من الله أكبر أعدّه الله لمن وصل إلى مستوى المتقين.. وللوصول إلى هذا المستوى العالي دعاكم ربّكم إلى المسارعة فيما بقي من أيام الشهر وساعاته ليله ونهاره لتفوزوا بما أعدّ لأهل التقوى من المؤمنين، فيقول سبحانه: (وسَارِعُوا إلى مَغفِرَةٍ مِن رَبِّكُم وجَنَّةٍ عَرضُها السَّمواتُ والأرضُ أُعِدَّت لِلمُتَّقِين) (آل عمران/ 133)، وأعظم شهر يصلح لهذا (الماراثون) أو السباق المنطلق نحو الجنّة هو شهر رمضان.. فأسرع إليها ولو لم يبق في شهرك إلا يوم واحد، فمن يُدريك فلعلك تفوز بالكنوز الغالية فيما بقي من أيامه وساعاته الباقية. المهم أن تستمر في السباق مع المؤمنين أو تنشط للمسارعة مع المتقين إلى نهاية المشوار من غير تخاذل أو فتور.. ولو شاهدت المتسابقين في أي (ماراثون) أو في مسابقات الجري لوجدتهم في المرحلة الأخيرة صنفين: صنفاً يحرص على الفوز فيزداد نشاطه وترتفع معنوياته كلما أحس قرب النهاية ليسجل إسمه في قائمة الفائزين، وصنفاً آخر قد أعياه التعب وضعف فيه العزم فيضعف نشاطه ويتأخّر ترتيبه وقد يضيق صدره بالزمن الباقي وإن كان قليلاً ويمل المسافات الباقية ولو كانت أمتاراً، ويود لو تسرع إليه إشارة النهاية قبل أن يصل إليها، وربّما إنسحب من السباق في آخر لحظة. وكذلك تجد الصائمين في الأيام الأخيرة من رمضان منهم مَن يفتر نشاطه في الصلاة والذكر وقراءة القرآن، وربّما شغل نفسه في الأيام الأخيرة بجدول التسالي والتلهي في أيام العيد. وتعودنا أن نرى المساجد في الأيام الأخيرة قليلة الزوار والعمار. وتسأل أين ذهب المنقبون عن الكنوز الغالية في العشر الأواخر من شهر الخيرات؟ أين ذهب الباحثون عن عطاءات الله وجوده وكرمه في الليلة الموعودة التي يقدر الله فيها أُمور العباد (إنّا أنزلَناهُ في لَيلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنذِرِينَ * فيها يُفرَقُ كلُّ أمرٍ حَكِيمٍ * أمراً مِن عِندِنا إنّا كُنّا مُرسِلِينَ * رَحمَةً مِن رَبِّكَ إنّهُ هوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ) (الدخان/ 3-6).
فليلة بهذه المواصفات والعطاءات الربّانية جديرة بأن نشمر لها عن سواعد الجد باحثين عنها كما يبحث المنقبون عن الكنوز والمعادن الثمينة في باطن الأرض، ثمّ مَن يضمن لي ولك أن تتكرر هذه الليلة أو تلك الليالي الغالية في حياتنا مرّة أخرى.. فاستمرّ في نشاطك ولا تضعف فيما بقي من شهرك قبل أن يظهر هلال شوال فنودع شهر الجنّة وصالح الأعمال.
كان (ص) إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أعلن التعبئة العامة في بيته كأنّه يستعد للجهاد، فكان (ص) يشد مئزره ويحيي ليله ويوقظ أهله، فليس لمسلم عن سلوك رسول الله (ص) مهرب وليس لنا عند غيره شرع يُطاع ولا دين يُتبع، كان الحبيب المصطفى في أواخر رمضان يشد مئزره ومعناه أنّه يبلغ قمة الإستعداد ويشمر عن سواعد الجد ليقينه (ص) أنّه في أيام وليال تحتاج إلى مضاعفة الجهد في العبادة وهو من غفر الله لما تقدم وما تأخر فكيف بنا ونحن في حاجة إلى غفران. وأمّا إحياء ليله، فذلك ليقينه بأنّ الدقائق في هذه الليالي غالية وأن كنوزها ثمينة فلا يحرم خيرها إلا محروم ولا يحظى بها إلا المنقبون والباحثون عنها من المجتهدين والقائمين والركع السجود. وقد دعاه مولاه إلى هذه المكرمة، فيقول سبحانه: (ومِنَ اللَّيلِ فَتَهَجَّد بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسَى أن يَبعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحمُوداً) (الإسراء/ 79)، ولهذا كان (ص) يوقظ أهله في الأواخر من رمضان حتى لا يفوتهم خيرها، بل دعانا (ص) إلى أن نوقظ أهلنا ودعا بالرحمة لكل رجل "رَحِمَ اللهُ رجلاً قام من الليل فصلّى، وأيقظ امرأتهُ، فإنْ أبتْ، نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأةً قامت من الليل فصلَّت، وأيقظت زوجها، فإنْ أبى، نضحت في وجهه الماء"[1]. ولا أعتقد أنّ قطرات الماء على وجه النائم أو النائمة كانت تغضب الصالحين والصالحات وربّما إستقبلوها كنسائم المسك فليت رجالنا اليوم يستجيبون لدعوة نسائهم إلى صلاة الليل أو صلاة الفجر من غير ثورة أو غضب فإذا حدث هذا من إمرأتك الصالحة فقل الحمد لله الذي أكرمني بامرأة طيبة تقية تدعوني إلى الصلاح لا إلى الفساد.
التعبير بلفظ إحياء الليل يشير إلى أن ليل النائمين والغافلين والعابثين ليل ميت لأنّه بعيد عن ساحة الرضا الإلهي لخلوه من الحياة الطيِّبة والحركة المثمرة وفي إحياء الليل بالعبادة والذكر إحياء للنفوس وإحياء لسكون الليل وجموده وهذا يعني إحياء الليل من الموات نبعث فيه الحركة العابدة بعد السكون والجمود وهذا لا يكون إلا بالسهر مع الله نناجيه ونتقرّب إليه. أمّا الذين يسهر ليله في عبث ومجون، فهو يقتل ليله ويميته لأنّه عطل وظيفته الكونية من غير ثمرة ولا قيمة، فإذا سمعت مَن يقول: إنّ المغني الفلاني يحيي هذه الليلة، فقل إنّه يميتها ولا يحييها.. فليل الله لا يحيا إلا بذكر الله وإلا فهو ميت (وهوَ الذي جَعَلَ اللَّيلَ والنَّهارَ خِلفَةً لِمَن أرادَ أن يَذَّكَّرَ أو أرادَ شُكُوراً) (الفرقان/ 62).
 
* أستاذ بجامعة الأزهر ووكيل كلية اللغة العربية الأسبق
 
المصدر: كتاب (القرآن وقضايا العصر)
 
 


[1] - أخرجه أبوداود (2/ 33)، برقم (1308) من حديث أبي هريرة.

ارسال التعليق

Top