• ١٠ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢٠ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

الحب في الشعر

بهاء جاهلين

الحب في الشعر

لأنّنا نقرأ العربية ونكتبها، ولأن كراسة محفوظاتي من أشعار الحب تكتظ بأبيات العرب، وقليل منها ترجمات.

والحب من المواضيع الشائعة والمفضلة في الشعر، لهذا سوف نبدأ بامرئ القيس، الذي اصطلح العرب على أنّه والد الشعر العربي، بمعنى أنّه أوّل شاعر كبير في التراث العربي. في معلقته يخاطب إحدى حبيباته (وكان كثير الحب) فيقول:

أفاطمُ مهلاً بعض هذا التدللِ

وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي

أغرك مني أن حبك قاتلي

وأنك مهما تأمري القلب يفعل؟

ومعنى السطر الثاني إن كنتَ قد نويت (أزمعت) "قطع علاقتنا" (صرمي)، فزيديني وصلاً (أجملي).

ويأتي بعده عنترة بن شداد، ذلك العبد الأسود الذي هو ابن سيد القبيلة، لكن أُمّه الجارية الحبشية جعلت منه حسب الأعراف السائدة حينذاك عبداً لأبيه. إلا أن حبه لعبلة ابنة عمه وطموحه جعلا منه فارساً لا يشق له غبار وبطل بني عبس، إضافة إلى شعره فصار من مشاهير الشعراء الفرسان العشاق.

وربما كان تفوقه في الشعر والفروسية لهما دافع واحد، وهو أن يكون جديراً بعبلة، ويطرح عن كاهله صفة العبودية، هو ما استطاع فعلاً تحقيقه.

يقول في عبلة:

ولقد ذكرتك والرماح نواهل

مني وبيض الهُند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها

لمعت كبارق ثغرك المتبسم

ومعناها وأنا في الحرب تشرب الرماح والسيوف من دمي، تذكرتك حين لمع دمي على السيوف، لأن حمرته على "البيض" (أي السيوف)، بدت وكأنها شفتاك حين تبتسمين، فوددت تقبيل السيوف.

وهذان البيتان من أشهر ما قيل في الحب وأجمله في العصر الجاهلي.

وفي صدر الإسلام، أو العصر الإسلامي الأوّل، نشأت ظاهرة الحب العذري. وقد يظن من يقرأ كلمة "العذري" أنها تعني الحب الطاهر البريء، وهو ظن له ما يؤيده في قصائد شعرائه، إلا أن معناه صلة نسب لمجموعة عشائر عربية هي "بني عذرة"، وسلالة شعرية تتحدث من "عروة العذري" أبي الرومانسية في الشعر العربي، وقد عرف كل شاعر من هذه المدرسة منسوباً إلى حبيبته: قيس لبنى، جميل بثينة، كُثيِّر عزة، وأشهرهم قيس بن ملوح الشهير بمجنون ليلى.

وللمجنون الكثير من بدائع الغزل، سورد منه قدراً كبيراً من المقالة القادمة، إضافة لبعض نماذج للشعراء الذين ينتمون لنفس المدرسة.

والسبب في إفراد مقالة كاملة للشعراء العذريين، أنهم شعراء الحب بلا شريك، لم يكتبوا إلا في الحب، لذلك فإن إنتاجهم مليء بالدرر في هذا المعنى الجميل.

وأكثر ما يميز هؤلاء أنّ الحب تحول عندهم من التغزل في المفاتن الجسدية للمرأة إلى نوع من الروحانية. فحين كتب هؤلاء كان دين الإسلام ما زال في بكارته، وقام بإعادة صياغة وجدان الشعراء، كما أنّ الإباحية صارت تتعارض مع الدين الجديد، فكتب العذريون ما مثل ثورة في أشعار الحب، شملت عنصرين:

الأوّل ذكرناه، وهو تحويل شعر الغزل من نزوات جنسية إلى أشواق روحانية، والثاني، هو إفراد قصائد كاملة للحب، ثائرين على التقليد القديم الذي يجعل الغزل أو (النسيب) مجرد مقدمة للقصيدة.

وكان هذا الاستقرار أهم ثورة شعرية على التقاليد الجاهلية في صدر الإسلام، استمرت بعده في شعر أبي نواس أكبر شعراء العصر العباسي.

ارسال التعليق

Top