• ٢٠ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٠ | ٢ صفر ١٤٤٢ هـ
البلاغ

الحج.. عودة إلى الله تعالى

عمار كاظم

الحج.. عودة إلى الله تعالى

إنّ الحج كما هو وفادة إلى الله، فهو عودة إليه تعالى طلباً للتوبة، ونزوعاً عمّا اقترف من معاصٍ، وندماً على ما ارتكب من المخالفات الشرعية، وتصميماً على التوبة النصوح بأداء حقّ الله، وتنجيز حقوق العباد، واستئنافاً للعمل في سبيل الله في مستقبل الأيام، وهذا هو الذي يمثل البُعد التربوي.

ثمّ إنّ الحج تمرد على رغبات النفس، وعدم الخضوع لنزواتها وشهواتها ببذل المال وتحمل المشاق، وفطمها عن اللذات التي اعتادت عليها مع تحمل مصاعب السفر في الحرّ والبرد، وهذا أيضاً يمثل البُعد الجهادي الأكبر في تهذيب النفس.

حجّ البيت في حقيقته مجاهدة وامتحان واختبار وابتلاء وتمحيص، يمتلئ مَن يجتازه ظافراً بالتذلّل لله، والتواضع لعظمته، والتحرّر من داء الزهو والخيلاء والكبرياء أمام عزّة ربّ العزّة جلّ وعلا، ويفوز بالرحمة السابغة والرضوان. وهنالك يتذوّق المرء الأشياء والأفكار تذوّقاً و"يحسّ" على الحقيقة بالصلة الأخوية الحميمة التي تربطه بإخوانه المؤمنين الذين يطوفون حول الكعبة مثله، وسيدرك إدراكاً عميقاً معنى عبارة: المسلمون كلّهم إخوة.. والإنسان متجرّد باختياره، خلال الحج أو العمرة، من أثقال المادّة، فهو يسعى – نحو الصراط – خفيف الروح، طليق النفس، واثب الخطوات. الحجّ مجاهدة واختبار وتمحيص والفوز بالحجّ – بشروطه وحدوده التي أرادها المولى سبحانه – صعود في درب الإيمان درجة أو درجات. وترويض الأنفس على المكاره وتزكية لها وتنقيح، وتنقية من مواطن الضعف، وانتصار على مواضع الوهن. وهكذا فإنّ الحج رحلة السلام إلى بلد الأمن والسلام. رحلة يستشعر فيها الحاج قيمة الأمن في نفسه وفي مجتمعه ومع بارئه الذي جعل له هذه البقاع المقدسة بقاعاً آمنة، تطمئن فيها نفسه وتأمن غضب خالقها برجاء عفوه، واستشعار رحمته والدخول في حمايته، فيعود الحاج وهو مهيأ للتوبة، مستعد للصلاح وما أجمل تشخيص الإمام جعفرالصادق (ع) لهذه الحقيقة وهو يخاطب الحاج بقوله: «وادخل في أمان الله، وكنفه وستره، وكلاءته من متابعة مرادك بدخول الحرم، ودخول البيت متحققاً لتعظيم صاحبه، ومعرفة جلاله وسلطانه».

وهذا الشعور المستمر والإحساس المتصاعد يجعل الحاج يشعر بكرامة الله تعالى له حيث أُذِن له ليكون في رحابه تعالى ضيفاً كريماً قد استجاب لدعوته الله تعالى، ولذا فالحاج مادام مستمراً على أداء المناسك تنتابه أحاسيس عدّة، فمرّة يقترن إحساسه بالهيبة، والخشية، والخشوع والخضوع، والضراعة إلى الله تعالى بين يديه تعالى، ومرّة يشعر أنّه يضع أقدامه حيثما وضع أنبياء الله أقدامهم، ويشعر أنّه يسير بمسارهم فيعيش مع إبراهيم (ع)، وإسماعيل (ع)، ومحمّد (ص)، فيشعر بالغبطة والسرور، وهكذا يصل إلى درجة يشعر بها أنّه تحرَّر من قيود الدنيا وتمرَّد على أغلالها، وخرج من أنانيته وإنيته، وانصهر في الأسرة الإبراهيمية، وبذلك تسهل عليه التضحية في سبيل الله بالمال والأولاد والراحة والمميزات الدنيوية التي كان يعيشها قبل أن يلبس ثوب الإحرام.

وهكذا تسمو نفسه حين يحس بافتتاح قلبه على الله، وعلى إخوانه من عباد الله، ولا شكّ أنّ الانفتاح والإقبال على الله دليل على غفران الذنوب، وتصفية النفس من أدرانها، ومن مذام الأخلاق، والخروج من سيطرة العادات والأعراف والتقاليد المنافية للشارع المقدّس.

وعندما يسير بتلك الأرتال العظيمة من حجاج بيت الله تعالى بمختل ألوانهم ولغاتهم وأوطانهم، يشعر بعظمة الإسلام وقوّة هيمنته على النفوس واستيلائه على القلوب.

وعندما يعيش روح التلبية وجوهرها، ينطلق من مختلف الحناجر: "لبيك اللهمّ لبيك" يشعر بالأخوة الإيمانية فينصهر في بوتقة الإيمان، وحينئذ يحس بوجوده الجمعي لا وجوده الفردي الأناني.. وبذلك تنفتح نفسه على أُمّة الإسلام، وتتجاوب روحه مع أرواح المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، وبذلك ينطلق للتعرُّف على مشاكل المسلمين وآمالهم وآلامهم ويتعرّف على مستواهم الفكري، والثقافي، والإيماني، فيتزوّد بمعرفة جديدة ويصبح متمتعاً بروح الأُمّة الواحدة حتى يُجذِّر هذا الشعور في نفسه روح الولاء الإيماني، ويتذوّق حلاوة قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (التوبة/ 71).

ارسال التعليق

Top