• ٢٦ أيار/مايو ٢٠٢٠ | ٣ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

الحقوق الاجتماعية من منظور قرآني

خديجة محمود

الحقوق الاجتماعية من منظور قرآني

(وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) (النساء/ 36-37).

المجتمع الإسلامي يبنى على قاعدة التوحيد والتحرر، فهو لا يؤمن إلّا بالله ولا يسلم إلّا بمنهجه، ولا يعترف بأيّة قوة ضاغطة أو عقبة في طريق تطبيق شرائع الله.

عبادة الله هي التسليم له، وتفجير كلّ الطاقات وتوجيهها في قنوات منهجه والشرك بالله هو الخضوع لأيّة قيادة أخرى أو أية قوة اجتماعية من دون الله. فالتسليم للوالدين بصفة مطلقة واتباعهما بلا قيد أو شرط، شرك وعبودية لغير الله وعقبة في طريق تقدم الإنسانية وتطورها. والتسليم للأسرة مثل التسليم للوالدين شرك وعبودية وعقبة، والتسليم لرجال الكهنوت أو رجال العلم شرك وعبودية وعقبة. والمجتمع المسلم متحرر من كلّ ذلك التسليم ومسلم وجهه لله الواحد القهار، ويردد مع إبراهيم – الأب الروحي لكلِّ المجتمعات التوحيدية الخالصة – يردد: (انّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين).

وفي هذه الآيات والآيات التي تأتي يبين القرآن نوع العلاقة التي يجب أن تحكم علاقاتك بالناس ابتداء من أقاربك وانتهاء بالأغنياء ومروراً بالمحرومين. ويبدأ القرآن حديثه بالنهي عن علاقة الشرك، التي تعني التسليم المطلق والأمر – بديلاً عنها – بعلاقة الإحسان، فما هي هذه العلاقة؟

إنّها علاقة العطاء من اليد العليا، لا العطاء وأنت صاغر والفارق بينهما أنك في حالة العطاء باليد العليا لم تفقد شخصيتك، ولم تتنازل عن عقلك وإرادتك واستقلالك وحريتك، أما في الصورة الثانية فانك قد هبطت إلى درك العبودية. انّ الذين يطيعون آباءهم بعلة أنهم آباؤهم سواء كانوا مهتدين أو ضالين لا يعقلون شيئاً، وهؤلاء ينطلقون في عبادتهم من الضعف والهزيمة، وبالتالي يفقدون صفة الإنسان، ويتحولون إلى آلة صماء تتحرك بلا إرادة. أمام الذين يحسنون لآبائهم دون أن يطيعوهم طاعة عمياء وينفقون عليهم دون أن يتنازلوا عن حريتهم فهم ينطلقون من موقع القوة ويحققون أصالتهم ويثبتون حريتهم واستقلالهم بذلك. من هنا جاءت الكلمة الأولى في هذه الآية تقارن بين العبادة والإحسان فقالت (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) فالعبادة لله والطاعة، له، وللوالدين وسائر أبناء المجتمع الإحسان. (وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين) ذوو القربى هم رحمك الذين تشترك معهم في الأسرة أو العشيرة الواحدة، فعليك أن تحسن إليهم سواء كانوا أغنياء أو فقراء ولكن دون أن تعبدهم، وهذا يعني أن لا يجوز لك أن تربط مصيرك بمصيرهم دون استقلال فكري لأنّه جاهلية وشرك، ودون أن تخالف النظام الإسلامي في تأييدك للأقارب، ولا أن تنصرهم ضد المظلومين، وتجادل عنهم في الباطل، كما يفعل الجاهليون الجدد اليوم.

انّ النظام العشائري مطلوب في المجتمع الإسلامي، بشرط أن يكون إطاراً للتعاون البناء والتفاعل الفكري والاجتماعي دون أن يكون وسيلة للعصبية وسحق حقوق الإنسان وتجاوز قيم الرسالة.

وبعد الأقارب يأتي اليتيم، وعلى أبناء المجتمع ألا يحسبوا اليتيم فقيراً أو مسكيناً يحتاج إلى دعمهم المادي فحسب، بل عليهم أن يغدقوا عليه من حنانهم كما لو كان قريباً من أقاربهم، ولذلك تحدث القرآن عن المساكين.

وفي المرحلة الثالثة يأتي المسكين وهو الذي أسكنه الفقر، ويجب أن تكون علاقتك بالمسكين هي علاقتك بالوالدين (العطاء دون خضوع وتسليم) كما هي ذاتها علاقتك مع الأغنياء بلا فرق. أما المرحلة الرابعة فيأتي دور الجار القريب والجار الملاصق وإذا كانت العلاقة بين الجيران (والذين كانت تربطهم القرابة قديماً في الغالب) علاقة الإحسان، سهل التعاون بينهم، وتحولوا إلى قوة بناءة داخل المجتمع المسلم. ذلك أنّ المجتمع المسلم يستفيد من كلِّ العلاقات الطبيعية كالقرابة والجوار من أجل تأصيل جذر المجتمع في أنفس الأفراد وتحويلهم إلى كتلة صخرية تقاوم الانحرافات ولكن بعد أن يهذبها تهذيباً كاملاً.

ثمّ تأتي مرحلة الزمالة سواء كانت في الطريق أو في الدراسة أو في الشغل. انّها إطار جيد للتعاون البناء، بيد أنّ المشكلة هي حب الذات والبخل والشح النفسي، مما يشكل عقبة في طريق التعاون، والإسلام يأمر بتصفية هذه العقبة عن طريق الإحسان. فأنك حين تحسن إلى صاحبك بالجنب (زميلك) فإنك سوف تكسبه وتكسب وده وتمهد الطريق لتعاون بناء (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ).

ثمّ هناك الغريب الذي فقد ماله علينا أن نضيفه ونعينه حتى يعود إلى بلاده، ومما ملكا أيدينا من أسراء الحرب علينا أن نحسن إليهم فلا نتعالى فوقهم بالباطل لمجرد أننا أرفع درجة منهم في المجتمع (وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا).

 

البخل مرض الأغنياء:

الجبل الراسي ينحدر منه السيل بقوة واندفاع، ولكن دون أن تتأثر صخوره الصلبة بأمواج السيل أو بهديره، كذلك المؤمن ينحدر منه الإحسان إلى كلِّ جوانب الحياة، ولكن دون أن يتسبب الإحسان في ضعفه أو استسلامه.

المؤمن لا يتعالى عن الفقراء، وفي ذات الوقت لا يسمح أن يتعالى عليه الأغنياء ولا يخضع لرجال العلم ولكنه لا يمنع نفسه فضلهم، بل يحسن إليهم كما يحسن إلى الفقراء دون فرق. أما الأغنياء الذين يريدون أن يفرضوا عليه سلطانهم، فالمؤمن يثور عليهم ولا يخضع أبداً لمالهم، ولا يخشى عقابهم. ولكن بما أنّ أغلب الأغنياء يفرضون سلطانهم على الضعفاء بشكل أو بآخر، فإنّ القرآن بدأ حديثه عن سلبيات هذه الطبقة لاسقاطها في أنظار الناس، إلّا إذا التزموا بشروط الطاعة لله والرسول، والإنفاق في سبيل الله بإخلاص تام. قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)، المختال هو المغرور أو أي ميزة أخرى له، والفخور هو المتظاهر بهذه الثروة والمتكبر بها على الناس، وهذه الصفة النفسية ناشئة من الشعور بالضعف والنقص ومحاولة جبران هذا الشعور بالاختيار والفخر والتكبر.

ولكن البخيل المختال بماله سرعان ما يكتشف أنّ الذين ينفقون أموالهم يكتسبون شهرة واسعة وعلواً عند الناس، فيبدأ بنهي الناس عن الإنفاق حتى يصبحوا مثله ويجعل رسالته في الحياة الصد عن سبيل الإنفاق. وحين يشتد ضغط الناس عليه بضرورة الإنفاق تراه يكتم عن الناس ثرواته ويتظاهر بالفقر وفي بعض الحالات يكتم المختال ثروته خوفاً عليها وحفاظاً لها عن أعين المنافسين. وينهى القرآن الآية بقوله: (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا)، للإيحاء بأنّ كتمان نِعَم الله والبخل بها والاختيال والفخر، انما هي كفر بالله ومما آتاه الله للإنسان من نِعَم الحياة، وبالنسبة للمختال يهيئ له الله عذاباً مهيناً جزاء تطاوله على الناس وتكبره عليهم. وبهذا يحدد القرآن علاقة الفرد بأفراد المجتمع والسبيل إلى جعل هذه العلاقة بنائه بالإحسان وليست هدامة بالخضوع والطاعة العمياء.

ارسال التعليق

Top