• ١٢ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ٢١ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

الزاد الفكري والأخلاقي في حياة الإمام الرضا (عليه السلام)

عمار كاظم

الزاد الفكري والأخلاقي في حياة الإمام الرضا (عليه السلام)

عندما نعيش مع إمام من أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وهو الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)، فإنّ الإمامة تمثِّل خطاً فكرياً يرتكز على الإسلام في موقع الأصالة، وفي موقع الامتداد، وفي حركة الواقع. ولذلك، فإنّ الإمامة لا تتحرك في دائرة محدودة من الزمن، لتكون محدودة بحدود عمر الإمام، بل إنّ الإمامة في وعي الذين يلتزمونها ويؤمنون بها، تمتد في مدى الزمن، وفي واقع الإنسان كلّه، في كلّ تطوّراته الفكرية والحياتية، باعتبارها تمثِّل المضمون الفكري الثقافي في كلّ مفردات الإسلام العقيدية والشرعية والأخلاقية والحركية والمنهجية. إنّ علاقتنا بالأئمّة، تماماً كما هي علاقتنا بالنبوّة، ليست علاقة بالشخص في ذاته، وإن كانت ذاته تمثِّل التجسيد لمعنى رسالته، ولكن علاقتنا هي علاقة بالرسالة وبالرسول من خلال الرسالة. ولهذا، ليست لنا علاقة بنسبه، ولكن علاقتنا برسالته: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) (الأحزاب/ 40)، (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) (آل عمران/ 144)، يموت الرسول وتبقى الرسالة. وفي ضوء هذا، فإنّنا بحاجة دائماً إلى أن نتمثَّل الرسالة في كلمات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي سيرته، وأن نتمثَّل امتداد حركية الرسالة في كلمات الأئمّة وسيرتهم، لأنّهم يمثِّلون الرسالة المتجسدة في الحقيقة التي يمثّلونها. وها هنا مائدة الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)، لنتزوّد منها بكلّ أطايب الزاد الفكري والأخلاقي.. فالإمام (عليه السلام) عندما يتحدَّث، فإنّه يتحدَّث عن الحقيقة الناصعة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.

في البداية، نقف مع الإمام الرضا (عليه السلام) في حديثه عن القناعة، ونحن نفهم ونعرف أنّ القناعة تمثِّل خطّاً إسلامياً رسالياً أخلاقياً، وهي في مضمونها كقيمة أخلاقية، تعني أن تعيش غنى النفس، بحيث تقدّر حاجتك في مستوى إمكاناتك، وتحاول أن تطوّر إمكاناتك لتطوّر حاجاتك، ولا تتطلّع إلى ما في أيدي الناس، ولا تتطلَّع إلى ما لا تملكه، ولا إلى ما لا تستطيع الحصول عليه، لتعيش الإحباط النفسي والسقوط الروحي. ولذلك، قيل نقلاً عن الإمام عليّ (عليه السلام): «القناعةُ مالٌ لا ينفد».. القناعة عندما تمثّل غنىً نفسياً يجعلك تعيش التوازن في حاجاتك وإمكاناتك، فإنّ نفسك تبقى في غناها، مهما استنفدت مفرداتها وأوضاعها. «القناعة تجمع ـ في عطائها الروحي والأخلاقي ـ إلى صيانة النفس ـ أن تصون نفسك من أن تسقط أمام حاجاتك للآخرين ـ وعزّ القدرة ـ بأن تمنحك القناعة العزّة في إرادتك وفي قدراتك، بحيث لا تستشعر العجز في نفسك، ولا تسقط إرادتك، فتنحني أمام الآخرين ـ وطرح مؤونة الاستكثار ـ إنّها تطرح عنك مؤونة الاستكثار من المال الذي يأخذ كلّ شيء منك، ولا يبقي لك من نفسك شيئاً».

أخـوك دينـك، فعن أحد الرُّواة قال: سمعت عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) يقول: إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لكميل بن زياد فيما قال: «أخوك دينك، فاحتط لدينك بما شئت». دينك أخوك، لأنّه هو الذي يرافقك في حياتك ليقودك إلى ما يرفع مستواها، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) (الأنفال/ 24)، ولأنّه يقودك إلى الآخرة، ليكون لك في حشرك، وفي موقفك من ربّك، وليدخل معك الجنّة إذا أحسنت رعايته. إذاً، احتط لدينك من الشبهات، حاول أن ترجع إلى أهل الذِّكر ليخرجوك منها، احتط لدينك من نفسك، حتى لا تغلبك نفسك على دينك، لأنّ النفس أمّارة بالسوء إلّا ما رحم ربي.. احتط لدينك من البيئة التي تعيش فيها لتضغط عليك، لتخرجك من دينك من خلال ضغط رغبةٍ هنا ورهبةٍ هناك، حتى لا يسقط دينك أمام الضغوط.

كمـال المـروءة، وعن الرضا (عليه السلام) وهو يصوّر الإنسان الذي يحترمه الناس، ويجعلونه موضع الثقة والإجلال. فعنه، وعن آبائه، وعن الإمام عليّ (عليه السلام) قال، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن عامل الناس فلم يظلمهم ـ في مواقع المعاملة كلّها المالية والاجتماعية والسياسية، فكان العدل مع الناس كلّهم ابتداءً من بيته، وانتهاءً بآخر موقع في المجتمع ـ وحدّثهم فلم يكذبهم ـ كان الصادق مع جميع الناس ومع أهل بيته، فلا يجوز الكذب على المُسلِم وعلى الكافر، فالكذب ليس متصلاً بالمكذوب عليه، بل بالكاذب، من جهة أنّه لا يقول الحقيقة، ومتصلاً بالمكذوب عليه من جهة ثانية، لأنّ الحقيقة موّهت وزوّرت عليه، ممّا يبعده عمّا فيه صلاح أمره في دينه ودنياه. ووعدهم فلم يخلفهم ـ فعندما تعد إنساناً بشيء، فعليك أن تضمر في نفسك أن تفي له، أمّا إذا كنت تعد وتخلف، فإنّك تسيء إلى الناس، لأنّك تعطيهم أحلاماً غير واقعية، وتضيّع أوقاتهم ـ كان ممّن حرمت غيبته، وكملت مروءته ـ أي توافرت فيه عناصر المروءة التي تمثِّل قيمة كبرى في الإنسان ـ وظهر عدله ـ فهو عادل لأنّه يسير على خطّ العدل ـ ووجبت أخوّته»، لأنّه يعيش الأخوّة الإيمانية والأخوّة الإنسانية، فلا يغشّ إخوانه في معاملة ولا في حديث ولا في وعد، وحرّمت غيبته، لأنّه يتميز بقيمة إنسانية لا تحلّ لأحد أن يغتابه.

ارسال التعليق

Top