• ٤ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٤ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

القاسم (عليه السلام).. رمز البطولة والفداء

عمار كاظم

القاسم (عليه السلام).. رمز البطولة والفداء

كانت فترة تربية القاسم بن الحسن (عليهما السلام) على نشأت أبيه ثلاثة أعوام، وقد برزت ملامح طاعته لربّه، وفطنته وذكائه، وهو الابن الرابع للإمام الحسن (عليه السلام). بعد الأعوام الثلاثة تولّى تربيته سيِّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) لمدّة عشرة أعوام، فتخرج مؤمناً مجاهداً وعمره ثلاثة عشر عام، وأُمّه أُمّ ولد اسمها رملة، إنّه غلام لم يبلغ الحلم يشبه الإمام الحسن (عليه السلام) كثيراً. كما وصفه المؤرخون بأنّه كالقمر في جمال طلعته وبهائه وقد غذاه عمه بمواهبه، وأفرغ عليه أشعة من روحه حتى صار من أمثلة الكمال والآداب.

ومن كمالاته، حيث يقول: «لا يُقتل عمي وأنا حيّ». هو الفتى الذي قدّم نفسه بين يدي عمه الحسين (عليه السلام) فداءً وحبّاً وتضحية لدين الله عزّوجلّ.. فلقد نادى سيِّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم العاشر من محرم بعد استشهاد كلّ أصحابه وأخوته وأبناء عمومته وأولاد أخيه بعالي صوته.. فسارعت الفتية من أبناء الإمام الزكي أبي محمّد (عليه السلام) إلى نصرة عمهم والذب عنه، وقلوبهم تنزف دماً على ما حلّ به من عظيم الكوارث والخطوب، وبعد أن استشهد اثنين من ولد الحسن (عليهم السلام).

أنكب القاسم على قدمي عمه يقبلهما ويتوسل إليه أن يأذن له في مقاتلتة أعداء الإسلام. قال له الإمام الحسين (عليه السلام): «أنت البقية من أخي الحسن (عليه السلام)». وعاد القاسم إلى الخيمة واللوعة في قلبه أخذت منه مأخذاً فهو مكسور الخاطر. ونظرت إليه أُمّه رملة وعلمت جواب عمه الإمام الحسين (عليه السلام). بعدها رجع القاسم راكضاً إلى عمه الحسين (عليه السلام) رافعاً يده بالكتاب فأخذ الحسين الكتاب فعرف أنّه خطّ أخيه الحسن (عليه السلام) أخذه فقبله وقرأ ما فيه، ثمّ ضم الحسين القاسم إلى صدره. قال القاسم: «يا عماه لا طاقة لي على البقاء وأرى إخوتي وبنو عمومتي مجزرين على الرمضاء، وأراك وحيداً فريداً، فقال له عمه: يا ولدي أتمشي برجلك للموت؟ أجاب القاسم: وكيف لا يا عم وأنت بقيت بين الأعداء وحيداً فريداً لم تجد ناصراً ولا معيناً روحي لروحك الفداء ونفسي لنفسك الوقاء، سأله: بُني قاسم كيف تجد الموت؟ فأجاب الغلام إجابة الكبار ذوي البصيرة: في سبيلك يا عم أشهى من العسل». وجد الإمام الحسين (عليه السلام) إجابات القاسم إليه تشير إلى نضوجه وبصيرته.. فأذن له بالقتال، وبعد تحرك القاسم ناداه الإمام الحسين (عليه السلام): «حبيبي قاسم هلم إليَّ».. إذا هو عمه من جديد دنا منه فأخذه الحسين ضمه إلى صدره قبّل ما بين عينيه تناول الحسين عمامة القاسم قسمها نصفين وأدلاها على وجهه وأخذ ثوب القاسم فشقه وأداله على ابن أخيه كهيئة الكفن وكأنّ الحسين تيقن أنّ القاسم مقتول لا محالة. فما لبث عمّه الحسين إلّا وثار ثورة الضرغام بيده السيف وعليه قميص وإزار وفي رجليه نعلان، جعل يمشي بين صفوف الأعداء ويضرب بسيفه، مستخفاً بالموت غير آبه بالجمع كما يفعل الرجال الصناديد ولكن انقطع شسع نعله اليسرى فأنف أن يحتفي في الميدان وهو ابن أعظم الأنبياء فوقف يشدّ الشسع، وهو يرتجز ويقول:

إنْ تُنكرُوني فأنا نَجلُ الحَسَن *******ْ* سِبطِ النبيِّ المُجتبى والمُؤتَمَنْ

هذا حُسينٌ كالأسيرِ المُرتَهَن *******ْ* بَينَ أُناسٍ لا سُقُوا صَوبَ المُزُنْ

وهكذا كانت استجابة العظماء لخطاب إباء الضيم، فقد حصل هذا النبع من أهل البيت (عليهم السلام) على عظمة الشهادة في قِبال ذلك، إذ ليست الشهادة مُنحة مجانية ولا صدقة، ولكنّها اختيار من الله سبحانه، حيث يقول تعالى: (وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (آل عمران/ 140).

ارسال التعليق

Top